26 شوال, 1447

يعد الأستاذ الجامعي طاقة معرفية لا يصح اختزالها في وظيفة تقاس بمدة إدارية أو تحدد بتاريخ نظامي لأن أثره الحقيقي لا يتوقف عند ساعات التدريس ولا ينحصر في حدود المنصب بل يمتد حيث تتراكم الخبرة ويترسخ المنهج وتتبلور القدرة على صناعة الاتجاه العلمي داخل المؤسسة الجامعية وخارجها وحين تفهم النهضة بوصفها مشروعا طويل النفس يقوم على بناء الإنسان وتطوير الوعي وإنتاج المعرفة يغدو الأستاذ الجامعي أحد أعمدتها الكبرى لا بوصفه حامل شهادة أو لقب بل باعتباره عقلا منتجا يزاوج بين الفكرة والدليل ويحول المعرفة من مادة محفوظة إلى عقل فاعل يفسر الواقع ويقترح الحلول ويصوغ المسارات ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن يفهم مفهوم التقاعد في البيئة العلمية على أنه خروج من دائرة التأثير بل انتقال واع من الأعباء الروتينية إلى أدوار نوعية أعمق قيمة وأوسع أثرا فالجامعات المتقدمة تدرك أن العطاء العلمي لا يقاس بالعمر بل بالحيوية الفكرية والنشاط الذهني والاستمرار في الإنتاج والإضافة لذلك تبقي الأستاذ الفاعل حاضرا ما دام قادرا على الإسهام لأن خبرته ليست ترفا تنظيميا بل رأس مال معرفي يتجدد أثره حين يحسن استثماره ضمن رؤية مؤسسية رشيدة وتتجلى القيمة الحقيقية للأستاذ الجامعي في قدرته على الإشراف العميق على الباحثين وصناعة المعايير الأكاديمية وتحكيم الأبحاث وتوجيه مسارات البحث العلمي وربط الجامعة بحاجات المجتمع كما تظهر في إسهامه في تصميم البرامج وتطوير المناهج وصيانة الجودة وإرشاد الأكاديميين الجدد ونقل الخبرة التي لا تختصر في كتب أو دورات بل تكتسب عبر سنوات من الممارسة العلمية والانضباط المنهجي والاحتكاك المتواصل بأسئلة المعرفة وتحولات الواقع وحين يهدر المجتمع هذه الخبرات لمجرد بلوغ سن محددة فإنه يخسر موردا معرفيا لا يعوض بسهولة ويحدث قطيعة تضعف التراكم العلمي وتؤخر النضج المؤسسي أما حين يحسن توظيفها فإنه يضمن استمرارية الوعي وترسيخ الجودة وتسريع مسار النهضة بعقول مجربة ما تزال قادرة على الإضافة والبناء وإشعال الأسئلة الكبرى في عقل الجامعة فتغدو الجامعة عقلا استراتيجيا للمجتمع ويغدو الأستاذ الجامعي مرجعية حية لا تنطفئ بانتهاء المسمى الوظيفي بل تتجدد بقيمة الأثر وعمق الرسالة

الأستاذ الجامعي عقل لا يتقاعد