9 محرم, 1446

إنَّ صاحب الهِمَّة العالية نراه دائمًا يحرِص على قلْبه؛ وذلك لأنَّه يعلم أنَّ هذا القلب إنْ أراد التعلُّقَ بربه – جلَّ شأنه – لا بدَّ أن يتطهَّر مِن كل ما يشوبه، وكل ما قدْ يحجُبه عن الله تعالى، فهو أعظمُ الأعضاء خطرًا، وأكثرُها أثرًا، وأدقُّها أمرًا، وأشقُّها إصلاحًا، وأصعبُها حالاً، فهو كالملِك المطاع، فإذا استقام وصلح الملِك استقامتِ الرعية[1].

وقد بيَّن الرسولُ – صلَّى الله عليه وسلَّم – ذلك حين قال: ((ألاَ وإنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلحَتْ صلح الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القَلْب))[2].

وهذا يُظهر بجلاء أنَّ عبادة القلْب هي الأصل الذي تُبنَى عليه جميع العبادات، فصلاح الأجساد موقوفٌ على صلاح القلوب، فإذا صلحتِ القلوب بالتقوى والإيمان صلحَ الجسدُ كلُّه بالطاعة والإذعان.

روَى الإمام أحمدُ مِن حديث أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَستقيمُ إيمانُ عبْدٍ حتى يستقيمَ قلْبُه…))[3]، فإيمانُ العبد لا يَستقيم ولا يصلُح إلا باستقامةِ قلْبه وصلاحه، وكذلك علَّق العليم الخبير النجاةَ يوم القيامة على سلامةِ القلْب وصحَّته وطيبه، فقال – جلَّ وعلا -: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88 – 89]، ومما يؤكِّد ضرورةَ العناية بالقلْب أنَّ من أبرز صفاته وأخص سماته التقلُّبَ والتصرُّف، فالقلب سريعُ التقلُّب، سريع التحوُّل والتصرُّف.

روى الإمام أحمد في مسنده مِن حديث المقداد بن الأسود – رضي الله عنه -قال: قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لَقلبُ ابنِ آدم أشدُّ انقلابًا مِن القِدر إذا اجتمعتْ غَلْيًا))[4]؛ كل هذا لأنَّ زَلَل القلب عظيم، وزيفه خطير، فإنَّ أهونه ميلٌ عن الله تعالى، ومنتهاه ختمٌ وطبْع وموت؛ قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23].

فالإنسان المسلم المخلِص يدرك أنَّ التجرُّدَ مِن أمراض القلوب، والبُعدَ عن المعاصي والذنوب – سببٌ لسعادته في الدُّنيا والآخِرة، وسببٌ لعلوِّ هِمَّته؛ لأنَّ أمراض القلوب بذاتها تُضعِف الهمة، وتوصل الإنسان إلى الحضيض، وهذا ما أكَّده الله تعالى في قوله تعالى عن قوم موسى – عليه السلام -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الصف: 5]، يقول القاسمي: “فلمَّا زاغوا؛ أي: عن مقتضى عِلمهم لفرْط الهوى وحبِّ الدنيا، أزاغ الله قلوبَهم عن طريقِ الهُدى، وحجَبَهم عن نور الكمال، لصِدق اختيارهم نحو الغيِّ والضلال، والله لا يَهدي القوم الفاسقين الخارجين عن الطاعةِ ومنهاج الحق، المصرِّين على الغواية”[5].

فمَن انحرفَ عن الطريق، وامتلأ قلبُه بالأمراض ضيَّعه الله – عزَّ وجلَّ – وامتلأ قلبُه بالشرور والضلال.

والبُعدَ كلَّ البُعد عن علو الهمَّة، فالله – عزَّ وجلَّ – حينما أمرَنا بالإخلاص أمرَنا بالتجرُّد مِن الأمراض القلبيَّة التي تُضعِف الإخلاص؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى: 37] قال أحمدُ بن محمَّد المهدي في تفسير هذه الآية: “هي أمراضُ القلوب، كالحَسَد، والكِبر، والرِّياء، وغيرها”[6].

فالله – عزَّ وجلَّ – مدَح المؤمنين الذين يجتنبون الإثمَ بشتَّى أنواعه، فالقلْب مِن أعظم الأشياء التي يجب على العبدِ مراعاتُها، والاهتمام بها؛ لأنَّ القلب إذا مرِض فإنَّه يُضعف الإنسان، ويجعل قوَّته ضعيفة لا تُطيق ما يُطقه القلْبُ القوي الخالي مِن هذه الأمراض.

ومِن أعظم أمراضِ القلوب التي لا بدَّ أن تتجرَّد منها: الرِّياء المنافي للإخلاص، فنجد أنَّ كل الآيات التي تُفيد وجوبَ الإخلاص في العبادة لله تعالى، والتخلُّص من الشرك، تدلُّ على وجوب الحذَر مِن الرياء، فالله تعالى يدْعو المؤمنين في كتابه العزيز – إنْ أرادوا الصدقات – أن يتوجَّهوا إلى الله وحْدَه، وبطلان كلِّ ما أُنفق إذا كان بقصْد الرياء؛ قال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 265]، وهذا لا يستطعه إلاَّ مَن ملك إرادةً قوية وهمَّة عالية، وهزَم النفس الأمَّارة بالسوء التي تدْعو إلى حبِّ الذات وحبِّ الظهور، فنراه ينقاد وراءَها ليرضيَها دون النَّظَر إلى مرضاةِ الله تعالى، فإنْ فعل العبدُ ذلك خسِر، وبطل عملُه، وباء عليه بالعذابِ والغضب؛ يقول ابنُ الجوزي: “عجبتُ لمن يتصنَّع للناس بالزهُد يرجو بذلك قربَه مِن قلوبهم، وينسى أنَّ قلوبهم بيد مَن يعمل له، ومتى نظَر العامل إلى التِفات القلوب إليه فقدْ زاحم الشرك نيَّته؛ لأنَّه ينبغي أن يَقنع بنظر مَن يعمل له”[7].

يقول ابنُ عاشور في تفسير هذه الآيات: “عطف مَثَلُ الذين يُنفقون أموالهم في مرضاة الله على مَثلُ الذي يُنفق ماله رئاءَ الناس؛ لزيادة بيانِ ما بيْن المنزلتين مِن البون، وتأكيدًا للثناء على المنفِقين بإخلاص”[8].

فشبَّه اللهُ المانَّ والمؤذي بالمرائي؛ لأنَّه أسخط الناس وأدْناهم همَّةً، وأسوؤهم نظرًا، وأعماهم قلبًا، فأُولو الهمم العلية ولا سيَّما العرب أشدُّ شيء نفرةً وأبعد عنه، وكان لمَن يرائي حالات الحق بأشدهما فقال: ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾؛ أي: الذي له صفةُ الكمال ﴿ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ الذي يقَع فيه الجزاء، بعد نقْد الأعمال جيِّدها مِن ردئيها[9].

فالمؤمِن النقي التقي صاحبُ المبتغَى العالي، يراقب نيتَه عندَ كل فِعل يقوم به، فنراه إذا سمع أي آيَّة مِن آيات الرحمن في كتابه العزيز تصِف أهل الرِّياء، يخاف ويخشى أن يدخُل نيتَه شيءٌ مِن هذا القبيل، ومَن أراد الرُّقيَّ نحو المعالي وعلو الهمَّة، فعليه بتجريدِ قلْبه من هذه الأمراض التي تُضعِف إيمانه، وإذا ضعف الإيمان ضعُفتِ الهمَّة.

يقول ابن القيم: “أصلُ الأخلاق المذمومة كلها الكِبر والمهانة والدناءة، وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوعُ وعلوُّ الهمَّة، فالفخر والبَطر والأشَر، والعُجب والحسد والبغي والخُيلاء، والظلم والقسوة والتجبُّر، والإعراض وإباء قَبول النصيحة، والاستئثار وطلب العلو وحب الجاه والرئاسة، وأن يُحمد بما لم يفعلْ وأمثال ذلك، كلُّها ناشئة مِن الكبر، وأما الكذب والخسَّة والخيانة، والرياء والمكر والخديعة، والطمع والفزع، والجبن والبخل، والعجز والكسل، والذل لغير الله، واستبدال الذي هو أدْنى بالذي هو خير ونحو ذلك، فإنَّها مِن المهانة والدناءة وصِغر النَّفْس، وأمَّا الأخلاق الفاضِلة كالصَّبر والشجاعَة، والعدْل والمروءة، والعفَّة والصِّيانة، والجود والحِلم، والعفو والصفح والاحتمال، والإيثار وعزَّة النَّفْس عن الدناءات، والتواضُع والقَناعة، والصِّدق والأخلاق، والمكافأة على الإحسان بمِثله أو أفضل، والتغافل عن زلاَّت الناسِ وترْك الانشغال بما لا يَعنيه، وسلامَة القلْب مِن تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك، فكلُّها ناشئة عن الخُشوع وعلو الهمَّة… فمَن علتْ همَّته وخشعَتْ نفسه اتَّصف بكلِّ خُلق جميل ومَن دنَتْ همَّته وطغَتْ نفْسُه اتَّصف بكلِّ خُلُق رذيل”[10].

أسأل اللهَ تعالى أن يُجرِّدَنا مِنَ الأمراض القلبيَّة، ويرزقنا الإخلاص في القوْل والعمَل.

[1] انظر: أصول الأخلاق في القرآن الكريم؛ لحمزة عمر (ص: 61).

[2] أخرجه البخاريُّ كتاب الإيمان، باب فضل مَن استبرأ لدِينه، رقم (52)، (1/56).

[3] المسند (13048).

[4] المصدر السابق (23816).

[5] محاسن التأويل للقاسمي (16/147).

[6] البحر المديد لأحمد المهدي الحسيني (6/575).

[7] صيد الخاطر لابن الجوزي (ص: 312).

[8] التحرير والتنوير لابن عاشور (2/521).

[9] انظر: جامع لطائف التفسير لعبدالرحمن القماش (9/18).

[10] فوائد الفوائد لابن القيِّم، ترتيب علي حسن الحلبي (ص: 420).

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/32176/#ixzz624ytTQK0