27 شوال, 1447
التَّوْحِيدُ وَمَكانَتُهُ في الْإِسْلامِ 11/ 8/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحَمْدُ للهِ الْـمُتَفَضِّلِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَالثَّبَاتِ عَلَيهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْيَقِينُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، رَبُّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَنَبِيُّهُ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَكْرَمُ مَنْ وَحَّدَ رَبَّهُ وَحَذَّرَ مِنَ الشِّرْكِ وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى كَمَا أَمَرَكُمْ رَبَّكُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَعْظَمَ ما في الْقُرْآنِ هُوَ حَقُّ اللهِ جَلَّ وَعَلا بِتَوْحِيدِهِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، وَهَذا أَعْظَمُ واجِبٍ، وَأَعْظَمُ مَطْلُوبٍ، وَأَعْظَمُ دَرَجاتِ التَّقْوَى، فَتَوْحِيدُ اللهِ جَلَّ وَعَلا، قامَتْ عَلَيْهِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، وَخُلِقَ الجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَجْلِهِ، قالَ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، يَعْنِي: إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي فِي عِبادَتِي، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ: “وَكُلَّمَا قَوِيَ التَّوْحِيدُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، قَوِيَ إِيْمَانُهُ وَطُمَأْنِينَتُهُ وَتَوَكُّلُهُ وَيَقِينُهُ”. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَعْنَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ: “التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (إِنِّي عَبْدُكَ) هُوَ الْتِزَامُ عُبُودِيَّةِ اللهِ مِنَ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ وَاﻹْنَابَةِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ وَدَوَامِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وَاللُّجُوءِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَعِيَاذِ الْعَبْدِ بِهِ وَلِيَاذِهِ بِهِ، وَأَلَّا يَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِغَيْرِهِ مَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً”، فَحَقِيقَةُ تَوْحِيدِ الْعِبادَةِ، أَنْ نُوَحِّدَ الرَّبَّ جَلَّ وَعَلا بِأَفْعالِنا، فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَتَوَجَّهُ الْقَلْبُ بِالدُّعاءِ، وَلَا بِالرَّجاءِ، وَلَا بِالْخَوْفِ، وَلَا بِالِاسْتِغاثَةِ، وَلَا بِطَلَبِ النَّفْعِ، وَلَا بِطَلَبِ دَفْعِ الضَّرِّ، وَلَا بِأَنْواعِ المطْلُوباتِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلا وَحْدَهُ.
وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ المرْسَلِينَ لِتَحْقِيقِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَكُلُّهُمْ دَعَوا أَقْوامَهم قائِلِينَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59، 65، 73، 85]، فَلا أَحَدَ يَمْلِكُ لِلْخَلْقِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ضَرًّا، وَلَا نَفعًا، إِلَّا اللهُ جَلَّ وَعَلا وَحْدَهُ، فَهُوَ الْأَحَدُ فِي أَسْمائِهِ وَصِفاتِهِ، لَيْسَ لَهُ جَلَّ جَلالُهُ شَبِيهٌ في صِفاتِهِ، وَلَا مَثِيلٌ في أَسْمائِهِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
عِبادَ اللهِ: إِنَّ عِلْمَ التَّوْحِيدِ أَصْلُ الْعُلُومِ، وَالْعُلُومُ كُلُّهَا تَبَعٌ لَهُ، وَأَدِلَّةُ التَّوْحِيدِ هِيَ أَعْظَمُ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَأَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ هِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، قالَ تَعالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، وَسُورَةُ الْفَاتِحَةُ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، يَعْنِي: تَوْحِيدًا لَكَ فِي أُلُوهِيَّتِكَ وَرُبُوبِيَّتِكَ.
إِنَّ أَهَمَّ وَأَعْظَمَ ما فِي الْإِسْلامِ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَمَعْنَى “لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”: أُخْبِرُ، وَأَشْهَدُ، وَأُوقِنُ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ لا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ الْعِبادَةَ إِلَّا اللهُ جَلَّ وَعَلا وَحْدَهُ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلا وَلِيٌّ، وَلا صالِحٌ، وَلا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ جَلَّ وَعَلا.
وَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحمَّدًا رَسُولُ اللهِ: أُقِرُّ، وَأُخْبِرُ، وَأُوقِنُ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ مُحمَّدًا صلى الله عليه وسلم رَسُولٌ مِنَ اللهِ حَقًّا، أَرْسَلَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلا، وَأَوْحَى إِلَيْهِ هَذا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَبَيَّنَ لَهُ المطالِبَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي أَعْظَمُها التَّوْحِيدُ.
وَهَذا التَّوْحِيدُ وَالْيَقِينُ، تَعَلُّمُهُ وَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ تِلْكَ أَعْظَمُ المهِمَّاتِ، فَشَرَفٌ عَظِيمٌ، أَنْ يَحْمِلَ الْعَبْدُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَيَتَعَلَّمَ، وَيَعْمَلَ، وَيَدْعُوَ، قال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [رواه البخاري]، وقالَ صلى الله عليه وسلم لِمُعاذٍ حِينَما بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ» [رواه البخاري ومسلم]، وَفِي رِوايَةٍ: «أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، فَالْعِبادَةُ مُسْتَحَقَّةٌ للهِ وَحْدَهُ، وَهِيَ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضاهُ مِنَ الْأَقْوالِ وَالْأَعْمالِ الظَّاهِرَةِ وَالْباطِنَةِ؛ فَيَدْخُلُ فِيها: ما نَقُولُهُ، وَما نَعْمَلُهُ، وَما يَكُونُ في الْقَلْبِ مِنِ اعْتِقاداتٍ وَأَعْمالِ الْقُلُوبِ، فَالتَّوَكُّلُ وَالْيَقِينُ، وَالْإِخْلاصُ، وَالتَّوَجُّهُ، وَالرَّجاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّغْبَةُ، والرَّهْبَةُ، كُلُّها عِباداتٌ قَلْبِيَّةٌ.
وَالدُّعاءُ يا عِبادَ اللهِ، جَوْهَرُ التَّوْحِيدِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «الدُّعاءُ هُوَ الْعِبادَةُ» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ«[رواه الترمذي وابن ماجة]. وَالدُّعاءُ: طَلَبٌ مُقْتَرِنٌ بِرَغْبَةِ الْقَلْبِ وَخُضُوعِهِ، في جَلْبِ النَّفْعِ أَوْ دَفْعِ الضَّرِّ، وَهُوَ مَقْرُونٌ بِالِاسْتِغاثَةِ، وَالْإِعانَةِ، وَطَلَبِ المغْفِرَةِ، وَجَلْبِ الْخَيْرِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَالنَّجاةِ مِنَ النَّارِ، وَطَلَبِ الْجَنَّةِ، وَكُلِّ ما يَحْتاجُهُ الْعَبْدُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.
عِبادَ اللهِ: إِذَا كانَ التَّوْحِيدُ أَعْظَمَ ما عُبِدَ اللهُ بِهِ، فَالشِّرْكُ، أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ، سُئِلَ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ فَقالَ: «أَنْ تَجَعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» [متفق عليه]، وَالشِّرْكُ دَرَكَاتٌ، فَالشِّرْكُ الْأَكْبَرُ، وَهُوَ الْمُخْرِجُ مِنَ الملَّةِ -عِياذًا بِاللهِ- وَهُوَ دَعْوَةُ غَيْرِ اللهِ مَعَهُ، أَيْ أَنَّ الْعَبْدَ يَدْعُو، أَوْ يَسْتَغِيثُ، أَوْ يَطْلُبُ جَلْبَ النَّفْعِ، أَوْ دَفْعَ الضَّرِّ مِنْ غَيْرِ اللهِ عز وجل، كَأَنْ يَطْلُبَ مِنَ الْأَمْواتِ، أَوِ الْجِنِّ أَوِ الملائِكَةِ، أَوْ مِنَ الْغائِبينَ، فَهَذا الشِّرْكُ إِنْ ماتَ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ لا يَغْفِرُهُ اللهُ سُبْحانَهُ وَتَعالَى، وَمِنَ الشِّرْكِ أَيْضًا اتِّخاذُ الْوَسائِطِ، أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ جَلَّ وَعَلا واسِطَةً، وَهَذا هُوَ أَصْلُ شِرْكِ المشْرِكِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، قالَ تَعالَى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، يَعْنِي: ما نَعْبُدُهُمْ لِاعْتِقادِ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ أَوْ يُدَبِّرُونَ، لَكِنْ نَعْبُدُهُمْ لِيَجَعَلُوا لَنا مَنْزِلَةً وَمَكانَةً عِنْدَ اللهِ.
اِعْلَمْ يا عَبْدَ اللهِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ وَاضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ، فَأَدِلَّتُهُ في الْقُرْآنِ مُحْكَمَةٌ بَيِّنَةٌ، لا يَدْخُلُها النَّسْخُ وَالتَّغْيِيرُ، فَجَمِيعُ الرُّسُلُ جاءُوا بِالتَّوْحِيدِ، وَدِينُهُمْ وَعَقِيدَتُهُمْ واحِدَةٌ، قالَ اللهُ عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «الْأَنْبِياءُ إِخْوَةٌ لِعِلَّاتٍ، دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَشَرائِعُهُمْ شَتَّى» [متفق عليه].
وَالتَّوْحِيدُ في الْقُرْآنِ عامٌّ شامِلٌ، مُطَّرِدٌ، لا يَسْتَثْنِى أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللهِ، وَلا زَمانًا، وَلا مَكانًا، فَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالملائِكَةُ وَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِياءُ وَالصَّالِحُونَ وَالْأَوْلياءُ، وَالْكَعْبَةُ وَقَبْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْجَمِيعُ دَاخِلٌ تَحْتَ سُلْطانِ التَّوْحِيدِ، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، وَلَمَّا أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، قالَ: “وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ”.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، وَقِنَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا وَأَعْمَارَنَا.
أَقُولُ قَوْلِيْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْعَدَ بِالتَّوْفِيقِ مَنْ وَحَّدَهُ وَأَطَاعَهُ وَاتَّقَاهُ، وَقَضَى بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَعَصَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ .. فاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
وَاعْلَمُوا أنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ تَوْحِيدٌ؛ إِمَّا نَصًّا وَصَراحَةً، كَقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:51]، أَوْ تَجْسِيدًا لِحُقُوقِ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ الْعِباداتُ، كَقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف : 29]، أَوْ يَحْكِي عَنْ مَعْرَكَةِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مَعَ خُصُومِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة : 251]، فَالْقَصَصُ في الْقُرْآنِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّد المتْعَةِ التَّارِيخِيَّةِ، بَلْ لِلْعِبْرَةِ، أَوْ تَقْرِيرًا لِجَزاءِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ في الدُّنْيا، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: 51]، أَوْ جَزائِهِمْ في الْآخِرَةِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: 31]، أَوْ بِبَيانِ جَزاءِ أَهْلِ الشِّرْكِ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72]، وَبِهَذا يَكُونُ الْقُرْآنُ كُلُّهُ تَوْحِيدًا.
عِبادَ اللهِ: مِنْ لَوازِمِ التَّوْحِيدِ بَيانُ مَعْنَى: “الرَّبِّ”، وَ”الْإِلَهِ”، وَ”لا إله إِلَّا اللهُ”، فَالرَّبُّ مَأْخُوذٌ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهِيَ الْخَلْقُ، وَالتَّرْبِيَةُ، وَالرِّزْقُ، وَالتَّدْبِيرُ، وَتَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ هَذَا يَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ؛ فَالمشْرِكُونَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ: الْخالِقُ الرَّازِقُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ، قالَ تَعالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: 65]، وَكَلِمَةُ الْإِلَهِ تَعْنِي: الْمَأْلُوهُ، أَيِ: الْمَعْبُودُ، الَّذِي يُذَلُّ لَهُ، وَيُخْضَعُ لَهُ، وَتُصْرَفُ لَهُ الْعِبادَةُ وَحْدَهُ؛ وَلِهَذا كانَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ “لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” نَفْيًا لِعِبادَةِ ما سِوَى اللهَ، وَإِثْباتَها للهِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مَعْناها: لا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، أَوْ لا رازِقَ إِلَّا اللهُ، فَهَذا إِقْرارٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ، أَقَرَّ بَهَ المشْرِكُونَ، وَلَمْ يُدْخِلْهُمُ الْإِسْلامَ، لِذَلِكَ كانَ المعْنَى الصَّحِيحُ لِـ “لا إِلَه إِلَّا اللهُ”: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ في حَياةِ المؤْمِنِ أَنْ لا يَفْتُرَ لِسانُهُ عَنْ ذِكْرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) دَخَلَ الْجَنَّةَ« [رواه أبو داود وحسنه اﻷلباني]، ثُمَّ طَلَبَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، خاصَّةً عِلْمَ الِاعْتِقَادِ وَالتَّوْحِيدِ، وَمَعْرِفَةَ أَنْوَاعِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَنَوَاقِضِهِ، وَذَلِكَ عَلَى أَيْدِي الْعُلَمَاءِ الثِّقَاةِ، ثُمَّ اللُّجُوءَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِالدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ إِلَيْهِ بِأَنْ يَرْزُقَنَا الْهِدَايَةَ وَيُثَبِّتَنَا عَلَيْهَا.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.