18 ذي القعدة, 1445


وفي ليلة مكية بامتياز، احتضن منتدى الشيخ محمد صالح باشراحيل (يرحمه الله) لقاءً ثقافياً ماتعاً، ومسامرة أدبية رائعة مع معالي الوزير الشاعر عبدالعزيز محيي الدين خوجة وزير الثقافة والإعلام الأسبق والأكاديمي المعروف والدبلوماسي العريق الذي مثل حكومة خادم الحرمين الشريفين في العديد من الدول العربية والإسلامية.

أقول لقاءً ماتعاً لأنه طاف بنا في محطات عبر مسيرته العملية الإدارية مذ كان عميداً لكلية التربية ثم وكيلاً لوزارة الإعلام ثم سفيراً – في العديد من الدول – ثم وزيراً للثقافة والإعلام.

تحدث معاليه عن الأحداث السياسية والدبلوماسية التي عاصرها وشكلت منه دبلوماسياً مرموقاً ومرضياً عنه في كل محطاته الدبلوماسية مثل الغزو العراقي للكويت، وتفكك الجمهوريات الروسية، والصراعات السياسية الداخلية في لبنان.

أقول لقاءً ماتعاً، للإنسانية والحميمية التي اصطبغ بها هذا اللقاء وهذه المسامرة، وما دار فيها من مشاعر إيجابية بين المتحدث والحضور الكثيف. ولما أعطيت لي الكلمة للمداخلة والتعليق – وكنت قد طلبتها من أخي مدير الأمسية الأستاذ الأديب مشهور الحارثي – قلت – فيما قلت – ما يلي:

* أعتقد أن مكة بحرمها.. وزمزمها، ومكتبات باب السلام ومشائخ العلم وحلقات التعليم في حصوات الحرم قد شكلت معالي الدكتور روحياً وثقافياً وإنسانياً جعلت منه هذا الإنسان الناجح في كل تمرحلاته العملية والإبداعية. ولو راجعنا مدونته الشعرية لوجدنا تشظيات هذه التربية الروحية في اغلبعطاءاته وإنجازاته الشعرية.

* ما يميز معالي الدكتور هذه الإنسانية المتواضعة، والابتسامة الصادقة التي لاتفارق محياه، والرضى التام بما أنجز وكل هذا فضل من الله أولاً وأخيراً، ودعم القيادة الحكيمة في بلادنا وتحفيزهم له في كل محطاته الإدارية، ورضى الوالدين بكل تأكيد.

* تبدو دلائل الرضى والقبول والقناعة في كثير من قصائده ولكن قصيدته (سبعون) فيها كثير من هذه القيم. حيث نلاحظ أن كثيراً من الشعراء كتبوا في هذه (السن/السبعين) وعقدت مقارنة بين ثلاثة شعراء وهم الشاعر غازي القصيبي والشاعر عبدالرحمن بن رفيع والشاعر عبدالعزيز خوجة. هنا نلمس البكائيات والتحسر عند الشاعرين رفيع والقصيبي وموقفهما من هذه المرحلة العمرية الفاصلة بين ما كان في الشباب وما يؤمل في الآخرة:

يقول غازي القصيبي:

ماذا تريد من السبعين يا رجل

لا أنت أنت ولا أيامك الأول

ويقول عبدالرحمن بن رفيع:

سبعون يا صحبي وجل مصاب

ولدى الشدائد تعرف الأصحاب

أما شاعرنا عبدالعزيز خوجة فيقول:

إني لقيتك يا سبعون مبتسماً

راض بما قد مضى راض بما قسما

إن المرحلة السبعينية عند شاعرنا مرحلة للتأمل في الماضي واعترافات بالشيخوخة وبالخطايا والآثام والزلات الماضية والعودة إلى الله توبة وخلاصاً وطلباً للمغفرة.

* وتبدو الروحانية والحالة الدينية/ الصوفية التي تتلبسه في إحدى قصائده ومدائحه النبوية. فله قصيدة فاتنة بعنوان (أسفار الرؤيا) وفي نظري فإن هذا النص/ المقطوعة الشعرية تمثل لي خلاصة التجربة الشعرية. وقد جاءت على ثلاثة مقاطع: الأنا.. المناجاة.. الخلاص. وفي كل مقطع تتبدى الروح الدينية، والصور البلاغية والحوارية الدرامية، والتجديد العروضي والعنوان الموحي الحداثي والتشكيلات في الوزن والقافية والتمازج الكبير بين الذات والآخر/ المجتمع ، بين الفرد والأمة. والتصريح بأن (مقام النبوة) وشرائعه وسنته هي الخلاص من كل ما يحيط بالبلاد والعباد، انتماءً واتباعاً.

ومن مقاطعها:

“لو أنهم جاؤوك لانبلج الصباح..

فيهم..وما عبثت بوجههم رياح

ضلُّوا طريقهم وما فطنوا..

لو أنهم جاؤوك…

ما شدوا رحالهم إلى جهة الضياع

لو أنهم…ما تاه ربان لهم

أو ضل في يمٍّ شراع!!

قصيدة ينسكب فيها الحب النبوي إلى أقصى مداه في المشاعر والرؤيا. قصيدة لا يكتبها إلا العباقرة والمبدعين من الشعراء.

وفي ختام كلمتي/ مداخلتي حيتيه بقصيدة شعرية أقتطف منها هذه الأبيات:

بك الأيامُ تَسْعَدُ… والليالي

ويورقُ صحوَها.. طيبُ الفعالِ

لك الأشعار دانت واستطابت

وجاءت تصطفيك بلا جدالِ

خيول الشعر عندك صافناتُ

متى تجري.. نقول لها تعالِي

تصدرُها وتورُدها بياضاً

كماء المزن.. أو نور الهلال

أحبك شاعراً طلق المحيَّا

وأعشق منك شعراً كالزلالِ

فدم وجهاً بسوماً فيه نبلٌ

ودم نبلاً تسامى كالجبالِ

22-23/6/1441هـ

وأخيراً: كانت أمسية رائعة أضفى عليها مضيفنا الدكتور الشاعر عبدالله باشراحيل الكثير من الألق والمحبة والحميمية، وحظيت بالكثير من المداخلات والتعليقات التي زكت المحاضر والمحاضرة والدار التي احتضنتها وراعيها. حفظ الله الجميع.

والحمد لله رب العالمين.

جــــــدة: الأربعاء 25/6/1441هـ

د. يوسف حسن العارف