26 شوال, 1447

الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ 8/10/ 1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الْحَمْدُ للهِ المتَفَرِّدِ بِالْكَمالِ، الْمُتَوَحِّدِ بِصِفاتِ الْجَلالِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ الشُّرَكاءِ وَالْأَمْثالِ، الَّذِي لا يُعْبَدُ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ سِواهُ، الْكَرِيمِ الَّذِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ هَدَاهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطاهُ أَفْضَلَ مِمّا تَمَنّاهُ، هادِي الْحائِرِينَ، وَواصِلُ المنْقَطِعِينَ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ عَلَى أُمُورِ الدُّنْيا وَالدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَهادَةً بِها النُّفُوسُ مُطْمَئِنَّةٌ، وَهِيَ لِقَائِلِها مِنَ النَّارِ جُنَّةٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي هَدانا اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلالِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وَطَاعَتِهِ، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، فَاتَّقُوا اللهَ وأَطِيعُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلَا تَعْصُوهُ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: لَقَدْ حَثَّتِ الشَّريعَةُ الْغَرَّاءُ عَلَى اخْتيارِ الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، وَأَمَرَتْ بِحُسْنِ الْكَلامِ، وَنَهَتْ عَنِ الْفُحْشِ وَالْبَذاءَةِ في الْقَوْلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزيلِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:83]، وَقَدِ زَكَّى اللهُ نَبِيَّنا صلى الله عليه وسلم تَزْكِيَةً شامِلَةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، شَمَلَتْ أَخْلاقَهُ، وَصِدْقَهُ، وَعَقْلَهُ، وَبَصَرَهُ، وَفُؤادَهُ، وَطَهارَتَهُ؛ فَقالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4]، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:3] ، وَقالَ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:17]، وقالَ عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159]؛ فاتَّسَمَتْ كَلِماتُهُ صلى الله عليه وسلم بِشُمُولِيَّتها، فَهِيَ مِنْ جَوامِعِ الْكَلِمِ، كَلَامُهُ قَلِيلٌ، لَكِنَّهُ عَظِيمُ المعانِي، بِلَا تَكَلُّفٍ وَلا تَقَعُّرٍ في الْكَلامِ، كَلِماتُهُ صلى الله عليه وسلم وَاضِحَةٌ لا غَرابَةَ فِيها، مَعَ تَمَهُّلٍ وَبَيانٍ، يُكَرِّرُ كَلامَهُ لِيُفْهَمَ، يُنَوِّعُ أَسالِيبَهُ التَّرْبَوِيَّةَ بِلِينٍ وَرِفْقٍ بَعِيدٍ عَنِ الْغِلْظَةِ، يَنْتَقِي مِنَ الْكَلِماتِ أَحْسَنِها وَأَلْطَفِها، يُطِّيبُ الْقُلُوبَ، وَيَجْبُرُ الْخَواطِرَ، يَقْرِنُ طَيِّبَ الْكَلامِ بِوَجْهٍ طَلْقٍ مُبْتَسِمٍ، يَدْعُو الرَّجُلَ بِأَحَبِّ أَسْمائِهِ وَكُناهُ، يُغَيِّرُ الْأَسْماءَ السَّيِّئَةَ إِلَى طَيِّبَةٍ، كَلامُهُ يَزْرَعُ الْأَمَلَ، فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَهْذِيبٍ، بَلْ هِيَ صَدَقَةٌ، وَعَمَلٌ صالِحٌ يُرَبِّي، وَيَرْفَعُ الدَّرَجاتِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» متفق عليه.

عِبادَ اللهِ: لَيْسَ الْهَدَفُ مِنْ طَيِّبِ الْكَلامِ جَمالَ المنْطِقِ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَالْأَثَرِ فَقَطْ، بَلْ غاياتُهُ عَظِيمَةٌ مِنْها:

تَرْسِيخُ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ: كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «اِحْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» [رواه الترمذي والبيهقي]، يَغْرِسُ التَّوَكُّلَ وَالتَّوَجُّهَ للهِ وَحْدَهُ.

التَّرْبِيَةُ وَالتَّعْلِيمُ الفَعَّالُ: كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «‌يَا ‌غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» [رواه البخاري]، وَاسْتِخْدامُ التِّكْرارِ ثَلاثًا؛ لِتَرْسِيخِ الْفَهْمِ وَحُرْمَةَ الْأُمُورِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ» [رواه البخاري]، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «لا تَغْضَبْ» كَرَّرَها مِرَارًا [رواه البخاري]، وَالتَّحْفِيزُ عَلَى الصَّلاةِ بِأُسْلُوبٍ تَرْبَوِيٍّ مُتَدَرِّجٍ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْها وَهُمْ أَبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المضاجِعِ» [رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني].

تَصْحِيحُ السُّلُوكِ بِالْحِكْمَةِ وَالْحِوارِ وَالْإِقْناعِ بِرِفْقٍ: جاءَ شابٌّ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَتُحِبُّهُ ‌لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ» قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ» قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ» قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ» قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ» قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» [رواه أحمد، والطبراني بسند جيد].

غَرْسُ الْأَخْلاقِ وَالْقِيَمِ: بِكَلِماتٍ طَيِّبَةٍ وَتَوْجِيهاتٍ كَرِيمَةٍ تُعَزِّزُ الْعَمَلَ وَالتَّكافُلَ الْجَماعِيَّ وَالسِّتْرَ وَتَفْرِيجَ الْكُرَبِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «المسْلِمُ أَخُو المسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِه، ِوَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ  عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [متفق عليه].

بِنَاءُ الشَّخْصِيَّةِ وَالمسْؤُولِيَّةِ: بِمُخاطَبَةِ الشَّبابِ وَالصِّغارِ بِكَلِماتٍ عَمِيقَةٍ تُحَفِّزُهُمْ لِتَحَمُّلِ المسْؤُولِيَّةِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].

التَّحْفِيزُ وَالتَّشْجِيعُ: كَاسْتِخْدامِ السُّؤَالِ لِلتَّحْفِيزِ علَى عَمَلِ الْخَيْرِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «‌مَنْ ‌أَصْبَحَ ‌مِنْكُمُ ‌الْيَوْمَ ‌صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رواه مسلم]، وَمِنْ التَّحْفِيزِ وَرَفْعِ الهِمَّةِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِبِلَالٍ رضي الله عنه: «يَا بِلالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دُفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ» [متفق عليه]، وَكَذَلِكَ الثَّناءُ وَالتَّشْجِيعُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا ‌يُفَقِّهْهُ ‌فِي ‌الدِّينِ» [متفق عليه]، وَالِاجْتِهادُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ قَامَتِ السَّاعةُ ‌وفى ‌يَدِ ‌أَحَدِكمْ فَسيلَة فَإنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرسَهَا فَليَغْرسْهَا» [صحيح الأدب المفرد]..

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: حَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِ صلى الله عليه وسلم فِي عِبَادَاتِهِ، وَمُعَامَلاتِهِ، وَأَخْلَاقِهِ؛ فالْـمَحَبَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الاتِّباعُ وَالطّاعَةُ، وَالتَّرْبِيَةُ بِالْكَلِماتِ الطَّيِّبَةِ الْإِيجابِيَّةِ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ نَفْعًا مِنَ اللَّومِ المباشِرِ، وَتَوْجِيهِ التُّهَمِ، قالَ صلى الله عليه وسلم قاصِدًا عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» – قَالَ سالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهُ. وَمِنْ ذَلِكَ: سُئِلَ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قالَ: «عَائِشَةُ». قِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: «أَبُوها» قِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: «عُمَرُ» [رواه ابن ماجه والترمذي]، هَكَذَا كانَتْ كَلِماتُهُ صلى الله عليه وسلم تُرَبِّي وَتَبْنِي الرِّجالَ، وَتُعالِجُ وَتُواسِي الْجِراحَ، وَتُثْنِي وَتُشَجِّعُ، وَتَزْرَعُ الْخَيْرَ، وَتُحَفِّزُ لِمَعالِي الْأُمُورِ، دَعا لِلْحَسَنِ: «اللَّهمَّ إِنِّي أُحِبَّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبَّهُ» [متفق عليه]، وَدَعا لِأَنَسٍ، فَقالَ: «‌اللَّهُمَّ ‌أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ» [متفق عليه]، وَلَمَّا أَغْضَبَ بَعْضُ الصَّحابَةِ أَبَا بَكْرٍ قالَ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ أَنْتُمْ تارِكُونَ لِي صاحِبِي» [رواه البخاري]، وَقالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» [متفق عليه]، وَقالَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «أَتَزَوَّجْتَ يا جابِرُ؟» [رواه البخاري]، وَقالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ: «قُمْ أَبا تُرابٍ» [رواه البخاري]، وَقالَ لِحُذَيْفَةَ: «قُمْ يا نَوْمانُ» [رواه مسلم]، وَقالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طالِبٍ: «لا نَدْرِي أَنَفْرَحُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِمَقْدَمِ جَعْفَرٍ» [رواه أبو داود، وابن أبي شيبة]، وَقالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَينِ يُحِبُّهُما اللهُ وَرَسُولُهُ: الْحِلْمَ وَالْأَناةَ» [رواه مسلم]، وقال لمعاذ: «واللهِ إني لَأُحبُّك» [رواه أبو داود والنسائي]، وَقالَ عَنْ خالِدِ بْنِ الْوَليدِ: «سَيْفُ اللهِ المسْلُولُ» [رواه البخاري]، وَقالَ لِلْأَنْصارِ: «أفَلا تَرضَونَ يا مَعْشرَ الأنْصارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ إِلَى رِحالِهِم بِالشَّاءِ وَالبَعيرِ وَتَذْهَبونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحالِكُم؟ فَوَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَو أنَّ النَّاسَ سَلَكوا شِعْبًا وَسَلَكتِ الْأَنْصارُ شِعْبًا؛ لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصارِ، وَلَولا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصارِ، اللَّهمَّ ارْحَمِ الْأَنْصارَ، وَأَبْناءَ الْأَنْصارِ، وَأَبْناءَ أَبْناءِ الْأَنْصارِ» [متفق عليه]، وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَثَرِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ فِي نفوس الصَّحابَةِ رضي الله عنهم.

أقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثانية﴾

الْحَمْدُ لِلهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَهَدَاهُمْ لِمَا فِيه فَلَاحُهُمْ يَوْمَ التَّلاقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَحُسْنُ الخُلُقِ، وَطيبُ الْكَلامِ.

عِبَادَ اللَّهِ: كانَ ﷺ إِذَا رَأَى فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُقْبِلَةً عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهَا، وَأَفْسَحَ لَها، وَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي» ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمينِهِ أَوْ عَنْ شَمالِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهُ. فَرْقٌ كَبِيرٌ –يَا عِبادَ اللَّهِ- بَيْنَ هَذَا التَّوَدُّدِ مِنَ الْوالِدِ الرَّحِيمِ لِابْنَتِهِ، وَبَيْنَ مَنْ يُغْلِظُ الْقَوْلَ لِأَبْنائِهِ، فَالتَّعْنِيفُ رَسائِلُ سَلْبِيَّةٌ تَقْتُلُ الطُّمُوحَ، وَتُحْبِطُ النُّفُوسَ، أَمَّا الْكَلِماتُ الطَّيِّبَةُ رَسائِلُ إِيْجَابِيَّةٌ تَرْفَعُ الْهِمَمَ، وَتَصْنَعُ الْقَادَةَ.

عباد الله: تَمُرُّ مَنْطِقَتُنا بِأَحْداثٍ سِياسِيّةٍ، وَأُخْرَى بِيئِيَّةٍ مِنْ تَغَيُّرِ الْأَحْوالِ مِنَ القَحْطِ وَالجَفافِ إِلَى الأَمْطارِ وَالسُّيولِ، كُلُّ هَذا يَجْرِي وَفْقَ قَدَرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، لا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا ما شَاءَ، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس : 107]، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إِلَّا التَّسْلِيمُ وَالرِّضا، وَالتَّوَكُّلُ وَالتَّضَرُّعُ للهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ الْوُقوفُ صَفًّا واحِدًا خَلْفَ قِيادَتِنا وَوُلاةِ أَمْرِنا، طاعَةً لِرَبِّنا، وَهُنَا لا يَفُوتُنا شُكْرَ جُهودِ الْقُوَّاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَالدِّفاعِ المدَنِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْجِهاتِ المعْنِيَّةِ؛ فَشَكَرَ اللهُ لَهُمْ، وَجَزاهُمْ عَنَّا خَيْرًا، وَحَفِظَ اللهُ الْبِلادَ وَالْعِبادَ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.