4 شوال, 1445


حكم رد السلام برسالة لمن أرسل عليك السلام برسالة أم يكفي التلفظ بالرد بدون إرسال وإبلاغ له بذلك :

في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم مر على عصبة من النساء في مؤخرة المسجد، فسلم عليهن وأومأ لهن بالتسليم .

ففيه دليل على مشروعية السلام باللفظ وتبليغه لمن بعد بالإشارة.
والجواب : أن المشروعية في الرد بالإشارة لا إشكال فيها، وإنما هذه المشروعية محمولة على الاستحباب لا الوجوب لحديث ابن مسعود الآتي.
فإن قيل : من سلم ولم يبلغه المسلم إليه، كان بمنزلة من لم يسلم عليه، إذ أعظم مقصود من رد السلام تبليغه المسلم عليه، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني.
فمن سلم على غيره، أو رد عليه السلام بصوت منخفض لا يسمعه المسلم عليه ، فهو في حكم من لم يسلم أو يرد السلام، وفِي الحديث ( يلتقيان فيعرض هذا ، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) ولا ينقطع الهجران إلا بسلام يبلغ السلم عليه، وإلا لم ينقطع.
فالجواب : حديث ابن مسعود – الآتي – يدل على أن المتعين هو اللفظ لا غيره، فإن صحبه إشارة أو نحوها للتبليغ فهو استحباباً لا وجوباً.

وقال صلى الله عليه وسلم ( حق المؤمن على المؤمن ست، وذكر منها ( وإذا لقيته فسلم عليه ) وحق المؤمن في السلام لا يتم إلا بإبلاغه السلام، والبلاغ لمن قرب باللفظ، ولمن بعد باللفظ مع ما يبلغه السلام من إشارة أو رسالة أو نحوهما ، ولا يكفي التسليم أو الرد بمجرد لفظ لا بلاغ فيه للغير بالسلام .
والقاعدة : أن الإشارة تنزل منزلة المقول في خطاب التكليف عند وجود العذر، و تنزل منزلة المقول في خطاب الوضع ولو من غير عذر. – إذا كانت مفهمة – وقد تم توضيحها في القواعد الفقهية والأصولية –
وعلى هذا من طلق زوجته بالإشارة المفهمة ، طلقت وإن لم يتكلم.
ومن أشار بالتسليم على الغير وهو في صلاته، أجزأت الإشارة، لوجود العذر حال رده السلام وهو كونه في صلاة، فقد روى أبو داود والترمذي عن ابن عمر ، قال : قلت لبلال : كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي ؟ قال : يقول : هكذا ، وبسط كفه). وفيه هشام بن سعد متكلم فيه من قبل حفظه، قال الحافظ ابن حجر( صدوق له أوهام ) وله شاهد .
وفِي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه لحاجة ، قال : ثم أدركته وهو يصلي ، فسلمت عليه فأشار إليّ ، فلما فرغ دعاني وقال : إنك سلمت علي ، فاعتذر إليه بعد الرد بالإشارة ).
فالجواب : أنه لا عبرة بالدليل العقلي مع وجود الدليل النقلي، حيث دلّ حديث ابن مسعود – الآتي- على تعين اللفظ في الرد، واستحباب ما يصاحبه للتبليغ عند الحاجة .

@ وفِي حديث ابن مسعود في الصحيحين قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي ، سلمنا عليه فلم يرد علينا ، فقلنا يا رسول الله : كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا ، فقال : ( إن في الصلاة شغلاً).
فهذا الحديث محمول على الرد بالكلام ، ولا يعارض الرد بالإشارة، ويحمل أيضاً على أن الرد بالإشارة ليس على سبيل الإلزام والوجوب، ولهذا لم يذكر في رواية الصحيحين : أنه رد عليهم بالإشارة، ولو فعل لذكر، وأما زيادة البيهقي أنه أومأ له برأسه) ففي صحتها نظر ،
فيكون وجوب رد السلام على من لم يكن له عذر في رده في الحال، وأن العبرة بالمنظور لا بالمنتظر، وأن قضاءه بالرد بعد انتهاء العذر مبني على الاستحباب لا على اللزوم والوجوب .

– وقد يقال : إن حديث ابن مسعود دليل يصرف الأمر برد السلام من الوجوب إلى الاستحباب، إذ لم يرد عليهم بالقول ولا بالإشارة ولا بعد الإنتهاء من السلام ، ويشكل على هذا ما حكاه ابن حزم وابن عبدالبر وابن تيمية من الإجماع على وجوب رد السلام ، لقوله تعالى( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) – .
فإن أخر السلام حتى ينتهي من عذره فلا بأس، لأن التأخير إنما كان من أجل العذر، ففي صحيح البخاري «أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام».
فرد السلام وهو على غير طهر جائز، كما في حديث عائشة : ( كان يذكر الله على كل أحيانه)، وكونه أخره مع جواز رده حالاً لكون ذلك أفضل وأتم حتى يكون على طهارة ، لا يسقط وجوب الرد، بخلاف ما إذا كان المانع من الرد حال العذر قائماً فلا يتعين الرد عند الانتهاء من العذر، كما في حديث ابن مسعود السابق، وإنما يكون الرد على سبيل الاستحباب، والله تعالى أعلم .
والخلاصة : أن المتعين هو رد السلام فوراً عند عدم وجود العذر، فإن وجد العذر المانع شرعاً من السلام ككونه في صلاة سقط وجوب الرد ، وإن كان العذر غير مانع من الرد، وإنما تحقيقاً للأفضل والأتم ، وجب الرد حالاً أو متراخياً عند تحقق الأفضلية .
وأما مصاحبة رد السلام بتبليغه للمسلم بكتابة أو إشارة ، فهو محمول على الاستحباب لا الوجوب ، لحديث ابن مسعود السابق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة لم يرد عليهم بالإشارة مع امكان ذلك وجوازه ، فدلّ على عدم تعين الإشارة ولزومها في الرد، وإنما هو الأفضل والأتم، والله تعالى أعلم .

كتبه / أبو نجم / محمد بن سعد الهليل العصيمي/ كلية الشريعة / جامعة أم القرى .