19 ذي القعدة, 1445

*سيل الربوع*

بقلم البروفيسور حسن الزهراني، أستاذ واستشاري جراحة الأوعية الدموية

‏في صبيحة يوم أربعاء في مثل هذا الشهر
( ٤ / ١١ / ١٣٨٨ هـ ) أصطحبني واخوتي والدي يرحمه الله ككل يوم الى المدرسة الرحمانية الكائنة بالقشاشية بمكة المكرمة، كان الجو غائما، وبعد ساعة تقريبا من بدء اليوم الدراسي أنهمر المطر، مطر شديد مصحوبا برياح فأخرجونا الى خارج المدرسة ليتدبر كل تلميذ أمره!.
‏كنت في العاشرة من العمر وأتذكر تفاصيل ذلك اليوم الكئيب، فقد أنطلقنا نمشي على حواف الجبال من ناحية شعب علي فقد كان الوادي المؤدي للحرم مملؤا بالسيل المندفع من أعالي مكة نحو الحرم حيث يوجد مجرى للتصريف تحت باب علي كانوا يسمونه بير ياخور ! يفترض ان يحمي الحرم من دخول السيل له.
‏وصلنا الى دكان الوالد بشارع الصفا المجاور للحرم.
‏هطل المطر من الساعة التاسعة تقريبا واستمر لمدة ثلاث ساعات اول ساعة من هطوله كان غزيرا جدا ..فدخل السيل على اثر المطر الحرم ووصل الى باب الكعبة وجرف مركبات كثيرة ومات فيه من مات … وهذا السيل بالتحديد مازال الأحياء من اهل مكة يذكرونه الى الان …
‏أمرنا الوالد بالبقاء في الدور الأول أمام مكتب البريد، ثم نزل ليعاين وكل أصحاب الدكاكين دكانه الممتليء بالبضائع استعدادا لموسم الحج الذي لم يكن يفصلنا عنه الا أقل من شهر، دخل ماء السيل الشارع ثم غمرت المياه البضائع ودخل السيل المخازن تحت الأرض، هنا حمل الوالد صندوق النقود الصغير بما فيه وصعد الى الدور الأول، وكذلك فعل بقية التجار.
‏من الشرفة في الدور الأول رأيت منظرا لا أنساه حتى اليوم، ولا زلت أتذكره كلما ظهرت السحب في السماء حتى وأنا في أوروبا!، السيل يحمل السيارات ويقذف بها أمامه حتى وصلت الى باب الحرم ثم دخلت المسعى، المشاهدون يبكون ويدعون ويستغيثون وهم يرون أمامهم جثثا طافية وحجاجا يغرقون وسيارات تسبح، وهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
‏توقف المطر ونزل التجار لتفقد الأضرار فأنهمرت الدموع وزادت الأحزان، فأغلقوا المحال الممتلئة بالمياه وذهبوا لمنازلهم، وقد ساد الحزن وتوقفت لغة الكلام، فقد حلت بهم مصيبة وكارثة وتمنى بعضهم لو غرق مع الغارقين بدلا من موقفه ذلك.
‏جاء الصباح من اليوم التالي وأستفاقت مكة المكرمة كما يستفيق جسد متعب، فمكة حرسها الله لا تعرف اليأس ولا القنوط، قام الناس بنشر بضائعهم ليجففوها على قارعة الطريق أياما (ولا تمتد يد سارق لشيء منها)، شباب قدموا من كل حارات مكة جماعات يرددون: (لا اله الا الله …جئنا ننظف بيت الله!)، أنضم الحجاج للمقيمين، وجاء صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبدالعزيز أمير مكة رحمه الله انذاك فسكن في نفس عمارة المشروع واستخدمها كغرفة عمليات ؛ وصار يقف بنفسه على أعمال التنظيف.
‏جاء يوم الجمعة ولم تجف مياه السيل داخل الحرم ومع ذلك اقيمت الصلاة وعلمنا بأنهم قد أتوا بالشيخ عبد الله خياط محمولا إلى المكبرية على خشب … وخطب فيها.
‏جاء الموسم ووصل الحجاج فاشتعل السوق فالحجاج يشترون من المكيين أي شيء ولو كان مغبرا أو عليه آثار السيل قربة لله ومواساة للمنكوبين … وهكذا الدنيا تأتي المصيبة ثم يعقبها فرج قريب.
‏درس سيل الربوع علمني أن للبيت رب يحميه …. و أن مع العسر يسرا … وأن لله الحكمة والتدبير … وان لا ياس مع الحياة … وأنه لن تموت نفس الا وقد أستوفت أجلها ورزقها …
‏وأن علينا أن نعقلها ثم نتوكل … وهو ما كان فقد كان سيل ذلك الربوع آخر سيل يدخل الكعبة حتى يومنا هذا (سبقه سيل ربوع لم أشهده في عام ١٣٦٠هـ)

‏يا ربُّ فاغفـــــر للذين بهِ قَضوا
‏وإليك شـدُّوا مشفقين رحَــالهمْ

‏قَدموا إلى البيت العتيق وهمُّهمْ
‏نيلُ المـــرادِ وأنت تعلمُ حَـــالهمْ