19 ذي القعدة, 1445

موضوع معبر جداً يتم. قرآءته بتركيز شديد ….
– في الثامن عشر من مارس آذار الماضي كنت خارجا من المسجد بعد صلاة العصر واختل توازني فانكسرت قدمي

– ذهبت للمستشفى وبعد عمل الأشعة تم تشخيص الحالة على أنها كسر في قاعدة المشطية الخامسة

– تم تجبيس القدم والساق حتى الركبة وأخبرني الطبيب أن الجبس سيستمر من شهر ونصف إلى شهرين ، ياللهول !!!
ما هذا الذي تقول ؟ مستحيل ، إنها مجرد طوبة صغيرة جاءت تحت قدمي ، لم تصدمني سيارة ولم أسقط من مكان مرتفع

– مساء نفس اليوم وبعد العودة إلى البيت بدأت تتكشف حقائق وتتتابع دروس وعبر

– بدأت أكتشف أهمية قدمي للمرة الأولى في حياتي وعظيم ما تقدمه لي من خدمات وما تقوم به من أدوار لم أشعر بها قبل اليوم

– صار دخول الحمام مهمة تحتاج إلى تخطيط وتنسيق وترتيب وتركيز شديد جدا

– الوضوء والصلاة وقضاء الحاجة صارت مهام تحتاج إلى ترتيبات خيالية

– فجر اليوم الأول بعد الحادث ذهبت للحمام وبعد ما توضأت سقطت سقطة في الحمام لا أعرف إلى الآن كبف نجوت منها ، هي سقطة موت أو شلل

– صرت لا أستطيع المكوث بمفردي في البيت فلابد من وجود من يقوم على خدمتي ورعايتي ولم يعد بإمكان أفراد الأسرة اتخاذ قرارات خروجهم من البيت بمعزل عن هذا التغيير الذي حدث

– صار الحمام بعيدا جدا وشاقا وصار المطبخ في قارة أخرى

– لأول مرة أستوعب مشاعر من أقعده المرض ومشاعر كبار السن وأتخيل من يعيش وحده وتتوقف حياته حتى يأتي من يخدمه ويساعده ويرعاه

– لم أكن أتخيل أبدا أهمية وخطورة قدمي أبدا لهذا الحد مجرد تعطل قدمي تعطلت حياتي كلها وتبدلت تماما

– في أحد الأيام كنت وحدي في البيت لوقت قصير ، ذهبت على مشاية كبار السن على قدم واحدة إلى المطبخ وصنعت لنفسي كوبا من الشاي ثم اكتشفت مفاجأة لم تخطر ببالي : كيف سأعود بكوب الشاي لكي أشربه أمام التلفاز ؟ اكتشفت أن العودة سيرا على قدماي بكوب الشاي في يدي نعمة عظيمة لم أنتبه إليها قط

– طوبة صغيرة تحت قدمي بدلت برنامج حياتي كله

– خرجت من بيتي في الصباح ماشيا و عدت في المساء محمولا على أكتاف أصحابي

– في يوم ٢ إبريل شعرت بألم رهيب في سمانة ساقي التي بها الكسر فأسرعت في منتصف الليل للمستشفى وبعد فك الجبس وعمل الفحص والسونار تم تشخيص الحالة أنها جلطة في الأوردة العميقة وهي تحصل في حالات الجبس أحيانا نتيجة عدم الحركة

– كان يتم حقني بحقنة في البطن لم يمر علي في حياتي شيء بهذا الرعب كنت أفكر في الحقنة التالية والحقنة الحالية لم تخرج من جلدي بعد

– تم حجزي بالمستشفى ونتيجة نوبة سعال أصابتني حصل شك أن الجلطة وصلت للرئة فتم نقلي للعناية المركزة فورا وبدا أن طوبة تحت قدمي أمام المسجد تتحول إلى كابوس مرعب وبدا أن كاتب بوستات العظات والعبر يتحول لبوست فيه عبر عظيمة جدا ومدهشة

– بدأ شريط حياتي يمر أمام عيني وكان أكثر معنى مسيطر على خاطري ( نعمة لما كنت عادي ) ، والندم على التفريط في الوقت

– بجانبي في غرفة الرعاية كان هناك وجوه يكسو ملامحها شبح النهاية ولا يفصلهم عن اسدال ستار حياتهم إلا فصل الأجهزة عنهم ، حكايات تنتظر الخاتمة في أي لحظة

– على كل سرير حكاية كلها تفاصيل ودروس وأحلام ونجاح وفشل وخيبات أمل

– في المستشفى الناس أنواع : مرضى وموظفون ، والمرضى أنواع : الميئوس من شفاءهم ، ومن لا يخشى عليهم ، وأصحاب الأعراف بين الخوف والرجاء ،،
والموظفون أنواع : طبيب له وضعه ومركزه بشهادة الطب بكل وجاهتها ، وممرضون يقومون بالعمل كله تقريبا لكن لن يعدوا قدرهم أبدا ، وعاملات النظافة تحكي نظراتهم ومشيتهم خيبة أملهم في هذه الحياة

– في المستشفى يجتمع مريض توقفت حياته كلها وصار كل همه أن يخرج لبيته، وموظف مرض الناس بالنسبة له عمل وروتين تنتهي نوبته ويخرج لبيته تاركا وراءه مريض يحلم بأن يخرج لحياته كهذا الموظف

– قضيت ليلتي في الرعاية تحت هجوم كاسح من وخز الإبر فتعاطفت مع من يعيشون حياتهم بالإبر والأدوية

– تم عمل أشعة بالصبغة على الصدر على أن نعرف نتائجها في الصباح

– في الصباح كانت حياتي كلها متوقفة على كلمة الطبيب الذي راجع الأشعة ، دخل علي حاملا الأشعة وأنا في انتظار كلمة فارقة

– الأشعة سليمة والحمد لله : قال الطبيب فانتهت سيناريوهات مرعبة

– كانت المعضلة هي أن القدم ما زالت مكسورة لكن الجبس ممنوع بسبب جلطة الساق وأن علاج الجلطة مقدم على علاج الكسر ما يعني أن العودة للسير ستحتاج لوقت أطول من الطبيعي

– تورمت قدمي وتغير لونها بسبب عدم وجود الجبس

– بسبب الاعتماد على قدم واحدة أصبح هناك ألم رهيب في مفصل الحوض في القدم السليمة وفي ركبة الساق السليمة

– أصبحت يدي تؤلمني من ثقل الاعتماد عليهما وزاد وزني

– بسبب عدم الحركة لمدة شهر اختفت عضلة سمانة القدم المكسورة تقريبا

– قرأت كثيرا عن ضعف الإنسان ولكن لم أعاين هذا الضعف كاليوم ، إصابة بسيطة يترتب عليها سلسلة تداعيات لا تنتهي

– أحلم باللحظة التي سأمشي فيها كأي شخص طبيعي وأتذكر المنشور الذي كتبته: *لما بتسأل حد عن أحواله فيقول : عادي،*
*العادي ده نعمة عظيمة قوي يا جماعة،*
*إياك اعتياد النعمة يخليك تنسى إنها نعمة*
إوعى ما تفتكرش قيمة النعم إلا لما تفقدها ، لإيلاف قريش ، يعني بيألفوا النعمة ويعتادوها فيفقدوا شعورهم إنها نعمة

– السجن والمرض عرفوني معنى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار

– كلما نظرت إلى صورة حسابي على الفيس وأنا أمشي على قدمين أدرك معنى نعمة (عادي)

– اليوم يمر ٣٥ يوما لم تمس جبهتي الأرض فأنا أتوضأ وأصلي في الفراش لأني ممنوع حتى من الجلوس ، أكاد أجن من شوقي لصلاة طبيعية

– “والابتلاء ألوان : ابتلاء للصبر ، وابتلاء للشكر ، وابتلاء للأجر ، وابتلاء للتوجيه ، وابتلاء للتأديب ، وابتلاء للتمحيص
وابتلاء للتقويم”.

– أعتذر لأمي عن هذا المنشور الذي سيبكيها والذي ستعرف منه أسرار مرضي التي أخفيت معظمها عنها إلى اليوم حتى لا يتكدر خاطرها

– اللهم شفاء لا يغادر سقما يارب

خالد الشافعي