1 رمضان, 1447

مَقاصِدُ الْحَجِّ وَوَصايا لِلْحُجّاجِ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حقَّ التَّقْوَى كَمَا أَمَرَكُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]؛ وَاعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، وَعَلَيْكُمْ بِالجَماعَةِ؛ فَإِنَّ يَدَ اللهِ عَلَى الجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: يَسْتَعِدُّ حُجَّاجُ بَيْتِ اللهِ الْحَرامِ هَذِهِ الْأَيَّامَ لِأَداءِ فَرِيضَةِ الْحجِّ؛ امْتِثالًا لِأَمْرِ رَبِّهِمْ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]، وَاسْتِجابَةً لِأَمْرِ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «يَا أَيُّها النَّاسُ إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» [صحيح ابن حبان]؛ يَرْجُونَ بِذَلِكَ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِهِمْ، وَمَغْفِرَةَ ذُنُوبِهِمْ، وَرِفْعَةَ دَرَجاتِهِمْ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [أخرجه البخاري] وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «وَالْحَجُّ المبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» أخرجه البخاري وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُما يَنْفِيانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ». أخرجه النسائي وصححه الالباني
عِبَادَ اللهِ: هَذِهِ وَصايا نافِعَةٌ إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى لِمَنْ عَزَمَ عَلَى الحَجِّ؛ وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْوَصايا الْوَصِيَّةَ بِإِخْلاصِ النِّيَّةِ، وَتَصْحِيحِ المقْصِدِ مِنَ الْحَجِّ، فَإِنَّ الْحَجَّ عِبادَةٌ، وَالْعِبادَةُ لا تُقْبَلُ إِلَّا إِذَا كانَتْ خالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالَى: (وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا) [التوبة: 31] فَلا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا ما كانَ خالِصًا صَوابًا، وَاللهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبادَتِهِ، فَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «أَنا أَغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» أخرجه مسلم، وَكانَ مِنْ دُعاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حِجَّتِهِ: «اللَّهُمَّ حِجَّةً لا رِياءَ فِيها وَلَا سُمْعَةً» [صححه الألباني في صحيح الترغيب].
وَعَلَيْكُمْ يَسَّرَ اللهُ أَمْرَكُمْ: بِالْحِرْصِ عَلَى مُتابَعَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أَداءِ المناسِكِ، فَهَذا شَرْطُ قَبُولِ الْعِبادَةِ، وَالنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ بَيَّنَ المناسِكَ لِلْأُمَّةِ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَكانَ يَقُولُ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ» أخرجه مسلم؛ فَاحْرِصْ أَخِي الْحاجَّ عَلَى تَعَلُّمِ المناسِكِ وَالتَّفَقُّهِ فِيها، وَالتَّعَرُّفِ عَلَى صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَسَبِيلُ ذَلِكَ: حُضُورُ حَلَقاتِ دُرُوسِ تَعْلِيمِ الْحَجِّ الَّتِي تُعْقَدُ بِهَذِهِ المناسَبَةِ، سَواءٌ كانَ ذلك فِي بَلَدِ الحاجِّ قَبْلَ سَفَرِهِ أَوْ فِي مَكَّةَ، أَوْ أَنْ يَقْرَأَ كِتابًا مُناسِبًا فِي تَعْلِيمِ صِفَةِ الْحَجِّ وَما يَجِبُ لَهُ، وَالْكُتُبُ فِي ذَلِكَ كَثِيرةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ: كِتابُ سَماحَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ بازٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: (التَّحْقِيقُ وَالْإِيضاحُ لِكَثِيرٍ مِنْ مَسائِلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)، وَكَذا ما أُصْدِرَ بِاسْمِ: (دَلِيلُ الْحاجِّ وَالمعْتَمِرِ)، وَهُوَ يُوَزَّعُ مِنْ قِبَلِ الْجِهاتِ المخْتَصَّةِ، وَمِنْها وِزارَةُ الشُّؤُونِ الْإِسْلامِيَّةِ، وَأَنْ يَسْأَلَ عَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ فِي حَجِّهِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]
وَعَلَى الْحَاجِّ الْأَخْذُ بِالرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي فِيها تَيْسِيرٌ عَلَى النَّفْسِ وَالْآخَرِينَ؛ قالَ تَعالَى: ﴿‌يُرِيدُ ‌ٱللَّهُ ‌بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ﴾ [البقرة: 185]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تَعَالَى يُحِبُّ أنْ ‌تُؤْتَى ‌رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» [صححه الألباني].
وَعَلَيْكُمْ تَقَبَّلَ اللهُ طاعَتَكُمْ: مُلازَمَةُ السَّكِينَةَ فِي أَداءِ المناسِكِ؛ فَعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُولُ لِلنَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ: «أَيُّها النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» [أخرجه مسلم]، وَمِنْ أَهَمِّ ما يَجِبُ عَلَى الْحاجِّ الْتِزامُهُ حُسْنُ الْخُلُقِ؛ فَرِحْلَةُ الْحَجِّ مِنْ أَعْظَمِ ما يَكْشِفُ عَنْ أَخْلاقِ الرِّجالِ، حَيْثُ تَمُرُّ بِالْإِنْسانِ ظُرُوفٌ وَأَحْوالٌ وَمَواقِفُ تَظْهَرُ مِنْ خِلالِها أَخْلاقُهُ.
فَتَحَلَّ -أَخِي الْحَاجَّ- فِي رِحْلَتِكَ الْإِيمانِيَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى أَداءِ المناسِكِ مَهْما كانَتِ المشاقُّ فِيها وَالصُّعُوباتُ وَالْعَوائِقُ، وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ عَلَى جَهْلِ الجاهِلِينَ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَنْ مَعَكَ مِنْ الضَّعَفَةٍ مِنَ النِّساءِ أَوْ كِبارِ السِّنِّ، وَاسْتَعِنْ بِالْحِلْمِ وَالْعَفْوِ، وَتَزَوَّدْ بِالرِّفْقِ، فَإِنَّ الرِّفْقَ ما كانَ فِي شَيْءٍ إِلَّا زانَهُ، وَما نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شانَهُ، وَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ ما لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَما لا يُعْطِي عَلَى ما سِواهُ، وَأَطِبْ لِسانَكَ، وَابْتَعِدْ عَنِ اللَّعْنِ وَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَالْجِدالِ بِالْباطِلِ، وَاحْذَرْ كُلَّ كَلامٍ فاحِشٍ، وَلَفْظٍ بَذِيءٍ، وَتَجَنَّبِ التَّدافُعَ، وَإِيذاءَ الْآخَرِينَ، وَتَذَكَّرْ قَوْلَ رَبِّكَ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، وَقَوْلَ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [أخرجه البخاري].
وَعَلَيْكَ بِالِاشْتِغالِ بِما يَنْفَعُكَ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعاءِ وَقِراءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْإِعْراضِ عَمَّا يَضُرُّ دِينَكَ، فَبُعْدُ الْحاجِّ عَنِ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، مِنْ عَلاماتِ الْحَجِّ المبْرُورِ، الَّذِي يَرْجِعُ مِنْهُ الْحاجُّ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ خالِيًا مِنَ الذُّنُوبِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نِعْمَ الموْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْبَشِيرُ النَّذِيرُ وَالسِّراجُ المنِيرُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الْمَعادِ وَالمصِيرِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .. أَمَّا بَعْدُ: وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْحاجِّ لِيَسْلَمَ لَهُ حَجُّهُ الِالْتِزامُ بِالْأَنْظِمَةِ وَالتَّعْلِيماتِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنِ الْجِهاتِ الرَّسْمِيَّةِ؛ كَأَجْهِزَةِ الْأَمْنِ وَغَيْرِها مِنَ الْأَجْهِزَةِ الْخَدَمِيَّةِ؛ فَهَذا مِنْ طاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ‌وَأُوْلِي ‌ٱلۡأَمۡرِ ‌مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 58].
أَخِي الْحاجّ: إِنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مِنَ الضَّرُوراتِ الْخَمْسِ لِلْإِسْلامِ؛ فَعَلَيْكَ أَنْ تَأْخُذَ بِالْأَسْبابِ الَّتِي تَحْفَظُ عَلَيْكَ نَفْسَكَ؛ وَمِنْ ذَلِكَ: عَدَمُ التَّعَرُّضُ المباشِرُ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَشُرْبُ الماءِ بِالْقَدْرِ الْكافِي، وَالْبُعْدُ عَنْ أَماكِنِ الزِّحامِ، حَفِظَ اللهُ الْحَجِيجَ، وَيَسَّرَ أَمْرَهُمْ، وَأَتَمَّ لَهُمْ نُسُكَهُمْ، وَتَقَبَّلُهُ مِنْهُمْ.
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيْهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ» [صحيح أخرجه الإمام أحمد]؛ فَاحْرِصُوا –رَحِمَكُمْ اللهُ– خِلَالَ هَذِهِ الْعَشْرِ الْـمُبَارَكَةِ عَلَى أَعْمالِ الْخَيْرِ الَّتِي تُرْضِي رَبَّكَمْ؛ فَأَكْثِرُوا مِنَ الطَّاعاتِ، وَذِكْرِ اللهِ خاصَّةً التَّكْبِيرَ، وَمِنْ صِيَغِهِ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ، وَيُكَبِّرُ الرِّجالُ وَالنِّساءُ، لَكِنِ الرِّجالُ يَرْفَعُونَ أَصْواتَهُمْ، بَيْنَما النِّساءُ يَخْفِضْنَ أَصْواتَهُنَّ، وَلا يَكُونُ التَّكْبِيرُ جَماعِيًّا، بَلْ يُكَبِّرُ كُلُّ واحِدٍ وَحْدَهُ، وَمِنْ حَيْثُ زَمانِهِ وَمَكانِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى: مُطْلَقٍ، غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ، أَوْ مَكانٍ، وَيَبْدَأُ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَنْتَهِي بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَر، وَهُوَ مَسْنُونٌ لِلْحاجِّ وَغَيْرِ الْحاجِّ. أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ المقَيَّدُ، وَهُوَ مَسْنُونٌ بِأَدْبارِ الصَّلَواتِ المفْرُوضَةِ، وَيَبْدَأُ لِغَيْرِ الحاجِّ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، أَمَّا الحاجُّ فَيَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَنْتَهِيانِ مَعًا بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ يَوْمَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِيْ الْحِجَّةِ.
عِبادَ اللهِ: طَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ وَأَسْمَاعِكُمْ وَأَبْصَارِكُمْ وَجَوَارِحِكُمْ مِنْ كُلِّ دَخِيْلَةٍ وَنَقِيْصَةٍ، فَهَذِهِ هِيَ فُرْصَتُكُمْ السَّانِحَةُ لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ مِنْ رَبِّكُمْ، وَمِنْ أَعْظَمِ ما يَتَأَكَّدُ مِنْ أَعْمالِ الْخَيْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الصِّيامُ، فَإِنْ صَعُبَ عَلَيْكَ صِيامُها، فَلا يَفُوتُكَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَومِ يَومِ عَرَفةَ فَقَالَ: (يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ) [أخرجه مسلم]، وَحَضَرَ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ رضي الله عنه يَومَ عَرَفَةَ، وَمَعَهُ مائَةُ رَقَبَةٍ، وَمَائَةُ بَدَنَةٍ، وَمائَةُ بَقَرَةٍ، وَمائَةُ شاةٍ، فَقالَ: الْكُلُّ للهِ؛ فَضَجَّ أَهْلُ الموْقِفِ، وَقالُوا: يا اللهُ هَذا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِكَ قَدْ أَعْتَقَ رِقابَهُ، فَأَعْتِقْ رِقابَنا مِنَ النَّارِ. فَمَا أَكْرَمَ اللهَ! وَما أَحْلَمَ اللهَ! وَما أَجْوَدَ اللهَ!
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ إِخْوانَنا المسْتَضْعَفِينَ فِي فِلِسْطِينَ، إِلَهَنا إِلَيْكَ نَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِهِمْ وَقِلَّةَ حِيلَتِهِمْ، اللَّهُمَّ قَوِّ ضَعْفَهُمْ وَأَبْدِلْ ذُلَّهُمْ عِزًّا وَنَصْرًا وَتَمْكِينًا يا رَبَّ الْعالَمِينَ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.