4 شوال, 1445

يعتز الإنسان بِوَطَنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَهْدَ صِبَاه وَمُدْرَجَ خُطَاه وَمَرْتَعَ طُفولَتِهِ، وَمَلْجَأَ كُهُولَتِهِ، وَمَنْبَعَ ذِكْرَيَاتِهِ، وَمَوْطِنَ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، وَمَأْوًى أَبْنَائِهِ وَأَحْفَادِهِ، وَمِن أَجْلِهِ تُضَحّي بِكُلِّ غَالٍ وَنَفيسٍ،
كَانَتْ الجَزيرَةُ العَرَبيَّةُ قَدْ فَقَدَتْ تِلْكَ المِنَّةَ الكُبْرَى اَلَّتِي منحها إيَاهَا الإِسْلامُ، وَنَعْنِي بِهَا الوحدة السياسية وَيَبْدُو أَنَّهُ مُنْذُ انْتِقالِ كُرْسيِّ الخِلافَةِ بَعِيدًا عَنْ مَكَّةَ والْمَدينَةِ أهمِلَ الخُلَفاءُ مِنْ بَني أُمَيَّةَ وَبَنِي العَبّاسِ أَمْرَ شِبْهِ الجَزيرَةِ العَرَبيَّةِ، وَعَلَى هَذَا المِنْوَالِ سَارَتْ بَقيَّةُ الدّوَلِ الإِسْلاميَّةِ وَآخِرُها الدَّوْلَةُ العُثْمانيَّةُ.
فَعَادَ الوَضْعُ فِي شِبْهِ الجَزيرَةِ العَرَبيَّةِ إِلَى الجُمودِ الأَوَّلِ مَماليكَ مُميتِة، وَعَظَمَةً بَائِدَةٍ، وَجَرائِمَ شَنيعَة وَفُروسيَّة فَرْديَّةٍ، كُلُّ هَذَا قَدْ اَبيدَ وَحَوْلَ إِلَى حالَةٍ شَبيهَةٍ بِالْحِلْمِ، وَلَمْ يَعُدْ فِي الصَّمْتِ الأَصْفَرِ الكَبيرِ غَيْرِ الدُّروبِ الحَزينَةِ لِلْقَبَائِلِ اَلَّتِي تُكَافِحُ حَتَّى لَا تُهْلِكَ، حَوْلَ مَواقِعِ الْمَاءِ وَالْكَلَاءِ.
وَعَادَتْ إِلَى الجَزيرَةِ صورَتُها القَبَليَّةُ التَّقْليديَّةُ اَلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا، وَتَصَاعَدَتْ نَعَراتُ العَصَبيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ إِلَى مُسْتَوَياتٍ لَا تَقِلُّ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهُ زَمَنُ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى فَعَادَتْ الحُروبُ المُسْتَمِرَّةُ، وَالمَعَارِكُ المُتَّصِلَةُ، وَكَانَتْ القوَّةُ هِيَ دُسْتورَ الحَياةِ فَكَانَ مِنْ حَقِّ القَويِّ أَنْ يَسحق الضَّعيفَ، وَعَاشَتْ وَسَطَ الجَزيرَةِ فَتْرَةً مِنْ أَشَدِّ فَتَراتِ تَارِيخِهَا ضَعْفًا وَعُزْلَةً عَنْ العالَم.
وَلَكِنْ خِلالَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثاني عشر بَدَأَتْ تَظْهَرُ المَلامِح الرَّئيسيَّة لِلْوَحْدَةِ السّياسيَّةِ عَلَى يَدِ مُؤَسِّسِ الْكِيَانِ الإمام محمد بن سُعودٍ الشَّخْصيَّةِ القيادية المتسمة بالحكمة العميقة والحنكة الدقيقة اَلَّذِي اسْتَمَرَّ فِي صِراعٍ طَويلٍ وَمَريرٍ مُؤَمَّلًا تَحْقيقَ حُلْمِهِ فِي تَوْحيدِ هَذَا الْكِيَانِ اَلشّاسِعِ فِي جَوٍّ مُلِيء بِالصِّرَاعَاتِ الإقليمية والْقَبائِلِ المُعارَضَةِ، وَلَعِبَتْ العَصَبيَّةُ القَبَليَّةُ أَيْضًا دَوْرًا هَامًّا فِي الصِّراعِ
وَكَرَّسْ نَفْسِهِ لَهَا هَدَفًا إِلَى قِيَامِ حُكْمٍ سُعوديٍّ يجمع شتات الجزيرة العربية تحت راية واحدة تخللتها تحركات عسكرية ومناورات سياسية ومخاضات مجتمعية تعدُّ بمثابة فترة تحضير لتأسيس كيان الدرعية؛ لذلك مرت بمرحلة التحديات وتجاوز الصعوبات، وأطلق عليها السعودية الأولى وصل الحكم فيها شرقًا إلى ساحل عُمان وغربًا إلى الحجاز وشمالًا إلى نواحي الشام والعراق، وجنوبًا الى أطراف حضرموت.
فتاريخنا وتراثنا الحضاري المجيد يعدُّ باعثًا للروح الوطنية، ومحركًا لطاقات المجتمع، لأن به وفيه يتمثل الكبرياء الوطني، ففي أعمال الأجداد والآباء العظماء دائمًا أنموذج أسمى، ومثل يحتذي به شباب الوطن لذلك أمن شيخ المؤرخين ونبراس دارة الملك عبدالعزيز الملك سلمان بن عبدالعزيز بأهمية وخطورة دور التاريخ في توعية المجتمع، وأن على عاتق المؤرخين مهمة عظيمة لأنه لا يمكن الحديث عن نهضة حضارية شاملة بعيدًا عن فهم التاريخ الذي هو ذاكرة الأمة والمنجم الحقيقي لصواب الفعل البشري، وهو مخزون تراثها الثقافي ومناخ عمليات التفكير والبوصلة التي يهتدي بها المجتمع وأهم عوامل الارتكاز الحضاري،
وهو مفتاح كل نهوض وإصلاح يوسع أفق المجتمع، ويعزز مقومات الوحدة الوطنية ووعينا للتاريخ ليس مجرد ذاكرة انتقائية لأحداث متفرقة وقعت دون علاقة فيما بينها، وإنما الوعي التاريخي وعي جمعي يمثل نسقًا فكريًا ترتكز عليه التنشئة الاجتماعية، ويبلور الشعور بوحدة الأنا الاجتماعية، ويفرز روح الانتماء، ويعزز الولاء عند اقترانه بالتنمية والبناء، ويعد أبرز الدعائم المهمة في المحافظة على الهوية والفخر بالتراث الحضاري شأنه في ذلك شأن الدين واللغة.
إن أهداف يوم التأسيس تعكس حرص خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين ـ أيدهم الله ـ باستحضار سفر التاريخ المضيء، ودعوة الجميع إلى التعرف على مضمون هذه الصفحات، وما تحفل به من أحداث ووقائع تُشكل ملحمة بطولية، سطرها أئمة وملوك هذه البلاد الطاهرة، بداية من الدولة السعودية الأولى، مرورًا بالدولة السعودية الثانية، وصولًا إلى المملكة العربية السعودية.
إن هذا الحرص سيجعل من يوم التأسيس ذكرى وطنية سنوية راسخة في الأذهان، نفخر ونشدو بها، إن الاحتفاء بملحمة التأسيس تعكس جانبًا مضيئًا من ماضي المملكة، ويؤكد أن للبلاد تاريخًا قديمًا وعريقًا، وحافلًا بالبطولات الإنسانية، والإنجازات الحضارية، التي أثمرت عن وطن شامخ مزدهر، يرتكز على مبادئ قويمة وراسخة، أبرزها إعلاء عبارة التوحيد، بعد حقبة طويلة من الفرقة والشتات التي مزقت البلاد والعباد، ونستلهم منها العبر والدروس، التي نستفيد منها في تحديد ملامح المستقبل