14 شوال, 1447
مَواسِمُ الْخَيْراتِ لا تَنْقَطِعُ ..
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمّا بَعْدُ..
فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
عِبَادَ اللهِ: عُمْرُ المؤْمِنِ كُلُّهُ طاعَةٌ في رَمَضانَ وَغَيْرِ رَمَضانَ، فَالمؤْمِنُ لا يَنْفَكُّ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَالْعِباداتُ كالصَّلاةِ وَالصِّيامِ وَالصَّدَقَةِ وَالِاسْتِغْفارِ، وَقِراءَةِ الْقُرْآنِ وَسائِرِ الذِّكْرِ، وَبِرِّ الْوالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الْأَرْحامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لا يَرْتَبِطُ بِزَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ، قالَ تَعالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، أَيِ: الموْتُ، قال صلى الله عليه وسلم: «…، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [متفق عليه]، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً» [رواه مسلم: 746]، هَكَذَا كانَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم مُداوِمًا عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَالمداوَمَةُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، يُكْسِبُ الْعَبْدَ مَحَبَّةَ الرَّحْمَنِ سُبْحانَهُ، فَأَيُّ شَرَفٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟! يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «..، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليهِ، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ» [رواه البخاري: 6502].
وَالمحافَظَةُ عَلَى الصَّلاةِ يُبْعِدُنا عَنْ كُلِّ فُحْشٍ وَمُنْكَرٍ، وَيُخَلِّصُنا مِنَ الذُّنُوبِ وَالمعاصِي؛ قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾[العنكبوت:45]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» [متفق عليه].
أَيُّها المسْلِمُونَ: يَحْتاجُ المسْلِمُ لِيَسْتَمِرَّ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ إِلَى النَّشاطِ وَالْقُوَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ وَالْإِيمانِيَّةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِلُزُومِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفارِ قالَ تَعالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:52].
عِبادُ اللهِ: إِنَّ الْأَعْمالَ الصَّالِحَةَ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، وَقَدْ يُفْتَحُ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ ما لا يُفْتَحُ لِغَيْرِكَ، وَلِذَا كانَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَنِ عُرِفَ بِطُولِ الْقِيامِ، وَآخَرُ بِكَثْرَةِ التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ، وَثَالِثٌ بِالسَّعْيِ في حَوائِجِ النَّاسِ وَمُساعَدَتِهِمْ وَغَيْرُهُمْ بِتَعْلِيمِ النَّاسِ وَتَفْقِيهِهِمْ وَهَكَذَا، قالَ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا» [متفق عليه]. وَقَدْ نَهانا صلى الله عليه وسلم عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، قالَ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ » [متفق عليه].
وَالدُّعاءَ الدُّعاءَ يا عِبادَ اللهِ، فَهُوَ خَيْرُ ما يُعِينُ عَلَى الِاسْتِمْرارِ في الْعَمَلِ الصَّالِحِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رواه أبو داود والنسائي والحاكم]، وَمِنْ عَظِيمِ ما كانَ يَدْعُو بِهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» [رواه الترمذي، وحسنه، والنسائي].
نَسْأَلُ اللهَ تَعالَى بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَنا فِي طاعَتِهِ.
أَقُولُ ما تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسائِرِ المسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَمَا أَجْمَلَ عِبادَ اللهِ، الطَّاعَةَ تَعْقُبُها الطَّاعَةُ! وَمَا أَجْمَلَ الْإِحْسانَ يَتْلُوهُ الْإِحْسانُ، قالَ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:17].
عِبادَ اللهِ لا يَفُوتُنا أَنْ نُذَكِّرَ بِصِيامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ؛ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ» [رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه]، وَصِيامِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَالمحافَظَةِ عَلَى السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَآكَدُها رَكْعَتَا الْفَجْرِ؛ وَصَلاةِ اللَّيْلِ، وَالْوِتْرِ، وَالضُّحَى، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَأَذْكَارِ الصَّباحِ وَالمسَاءِ، وَبَذْلِ الصَّدَقاتِ، وَمُسَاعَدَةِ المحْتاجِينَ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.