14 شوال, 1447

مَنْ ‌تَرَكَ ‌شَيْئًا ‌لِلهِ، عَوَّضَهُ الله خَيْرًا مِنْهُ 15/10/1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يُعْبَدُ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ سِواهُ، الْكَرِيمُ الَّذِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ هَدَاهُ، وَمَنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ أَجْلِهِ أَعْطاهُ خَيرًا مِنْهُ، وَأَضْعافَ ما تَمَنَّاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، هَدانا اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلالِ، وَأَنْقَذَنا بِهِ مِنَ الْبَوارِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وَطَاعَتِهِ، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، فَاتَّقُوا اللهَ وأَطِيعُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلَا تَعْصُوهُ.

عِبادَ اللهِ: عَنْ أَبِي قَتادَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِنَّكَ ‌لَنْ ‌تَدَعَ ‌شَيْئًا ‌لِلَّهِ إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» [رواه أحمد: 23074، وصححه الألباني]، فَعِبادَةُ تَرْكِ ما يُغْضِبُ اللهَ عز وجل أَوْ تَرْكِ ما يُلْهِي عَنْ عِبادَتِهِ خَوْفَ عِقابِهِ أَوِ ابْتِغاءَ ما عِنْدَه سُبْحانَهُ، عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَجالاتُها واسِعَةٌ، وَفِي دِينِنا الْحَنِيفِ أَمْثِلَةٌ رائِعَةٌ وَدُروسٌ بالِغَةٌ لِعِبادِ اللهِ المتَّقِينَ، الَّذِينَ تَرَكُوا أَشْياءَ مِنْ أَجْلِهِ سُبْحانَهُ، فَعَوَّضَهُمُ اللهُ تَعالَى بِأَفْضَلَ مِمّا تَرَكُوهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مُسامَحَةُ النّاسِ وَالتَّجاوُزُ عَنْهُمْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ -أَيْ: خادِمِهُ-: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، قَالَ: ‌فَلَقِيَ ‌اللَّهَ ‌فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» [رواه البخاري3480، ومسلم:1562]، وَمِنَ التَّرْكِ: تَرْكُ اكْتِنازِ المالِ وَإِنْفاقِهِ في سَبِيلِ اللهِ عز وجل: فَهَذا الصِّدِّيقُ يُنْفِقُ كُلَّ مالِهِ في سَبِيلِ اللهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رضي الله عنه قالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «‌مَا ‌أَبْقَيْتَ ‌لِأَهْلِكَ؟»، قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «‌مَا ‌أَبْقَيْتَ ‌لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. [رواه الترمذي (3675) وأبو داود (1678) وصححه الألباني]، وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رضي الله عنه يُجَهِّزُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: جاءَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ  بِأَلْفِ دِينارٍ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَنَثَرَها فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: «‌مَا ‌ضَرَّ ‌عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ» قالَها مَرَّتَيْنِ. [رواه الترمذي: 3701 وقال: حسن صحيح]، وَهَؤُلاءِ الْأَنْصارُ يَضْرِبونَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ في تاريخِ الْأُمَمِ قاطِبَةً في الْإِنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9]، وَمِنَ التَّرْكِ: تَرْكُ أَكْلِ المالِ بِالْغِشِّ وَالرِّبا، قالَ ابْنُ عُثَيمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَكْتَسِبُ المالَ مِنْ طَرِيقٍ مُحَرَّمٍ؛ كَطَرِيقِ الْغِشِّ أَوِ الرِّبا وَما أَشْبَهَهُ، وَنُصِحَ في هَذا، وَتَرَكَهُ للهِ؛ فَإِنَّ اللهَ سَيَجَعَلُ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَنْواعِ عِبادَةِ التَّرْكِ تَرْكُ الْحَرامِ مَخافَةً للهِ عز وجل، وَفِي قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ حُبِسُوا داخِلَ الغارِ، ما نَجَّاهُمْ إِلَّا أَنَّهمْ تَرَكُوا أَشْياءَ مَخافَةً للهِ، وَرَجاءَ ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، وَكانوا قادِرينَ عَلَى ارْتِكابِها؛: فَالْأَوَّلُ تَرَكَ عُقوقَ الوالِدَينِ، وَالثاني تَرَكَ الفاحِشَةَ، وَالثالِثُ تَرَكَ أَكْلَ المالِ الحَرامِ، فَتَضرَّعُوا إلى اللهِ بِتِلْكَ الْأَعْمالِ فَفَرَّجَ عَنْهُمْ، وَمِنْ عِبادَةِ التَّرْكِ: تَرْكُ الْكَذِبِ، وَالْجِدالِ، وَسَيِّءِ الْأَخْلاقِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ، بُنِيَ لَهُ قَصْرٌ فِي ‌رَبَضِ ‌الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ، بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَةُ، بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» [رواه أبو داود: 4800، وابن ماجه: 51]، وَمِنْ عِبادَةِ التَّرْكِ: تَرْكُ سُؤالِ النَّاسِ وَالِاسْتِكْثارِ مِنْ أَمْوالِهِمْ، فَقَدْ مَدَحَ اللهُ سُبحانَهُ في كِتابِهِ الْكَرِيمِ المتَعَفِّفَ عَنْ سُؤالِ النّاسِ، وَدَعا عِبادَهُ المؤْمِنينَ إِلَى التَّصَدُّقِ عَلَيهِ، قالَ تَعالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة : 273]، وَمِنْ عِبادَةِ التَّرْكِ: تَرْكُ أَمْراضِ اللِّسانِ، وَأَخْطَرُها الْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ وَالنّمِيمَةُ، قالَ صلى الله عليه وسلم لمعاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا ‌حَصَائِدُ ‌أَلْسِنَتِهِمْ» [رواه الترمذي: 2616، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه: 3973]، وَمِنْ عِبادَةِ التَّرْكِ: تَرْكُ الْغِيرَةِ المذْمُومَةِ وَالْعَينِ وَالْحَسَدِ، فَالمؤْمِنُ يَعْلَمُ أنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللهِ عز وجل يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، قالَ تَعالَى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء : 54]، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف : 32].

عِبادَ اللهِ: إنَّ عِبادَةَ التَّرْكِ تَحْتاجُ إِلَى مُجاهَدَةٍ عَظِيمَةٍ، وَمِمّا يُعِينُ علَى ذَلِكَ: أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، قالَ تَعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:26]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ ‌لَأَدْرَكَهُ ‌رِزْقُهُ ‌كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ» [رواه الطبراني في “الأوسط”، وصححه الألباني في “السلسلة الصحيحة” 952]، وَمِمّا يُعِينُ المسْلِمَ علَى عِبادَةِ التَّرْكِ اللُّجُوءُ إِلَى اللهِ عز وجل بِالدُّعاءِ، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] اللَّهُمَّ ‌أْجُرْنِي ‌فِي ‌مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم. [رواه مسلم: 918]، وَمِمّا يُعِينُ علَى عِبادَةِ التَّرْكِ مَعْرِفَةُ فَضْلِ الصَّبْرِ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10]، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:60]، وَمِمّا يُعِينُ علَى عِبادَةِ التَّرْكِ: تَقْوَى اللهِ عز وجل قالَ تَعالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:2-3]، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:4].

عِبادَ اللهِ: قالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: “مَنْ تَرَكَ للهِ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَالْعِوَضُ أَنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَجَلُّ ما يُعَوَّضُ بِهِ: الْأُنْسُ بِاللهِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَطُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ” [مدارج السالكين: 2/176]، وَيَكُونُ الْعِوَضُ عاجِلًا في الدُّنْيا أَوْ آجِلًا في الآخِرَةِ، فَنَبِيُّ اللهِ إِبْراهِيمُ عليه السلام تَرَكَ قَوْمَهُ للهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:48]، فَعَوَّضَهُ اللهُ: بِإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالذُّرِّيَّةِ المبارَكَةِ، وَنَبِيُّ اللهِ يُوسُفُ عليه السلام تَرَكَ ما عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الشِّرْكِ، وَتَرَكَ ما دَعَتْهُ إِلَيْهِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:23]، فَكانَ رَدُّهُ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:23]، ثُمَّ اسْتَغاثَ بِاللهِ ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:33]، فَعَوَّضَهُ رَبُّهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ وَالتَّمْكِينِ أَنْ جَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ، وَأَصْحابُ الْكَهْفِ، تَرَكُوا أَهْلَهُمْ وَبِلادَهُمْ للهِ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:13]، فَعَوَّضَهُمُ اللهُ بِحِفْظِهِمْ وَتَخْلِيدِ ذِكْرِهِمْ وَالْهِدايَةِ، وَالمهاجِرُونَ تَرَكُوا: الْوَطَنَ وَالمالَ وَالْأَهْلَ، فَعُوِّضُوا بِالنَّصْرِ، وَالْجَنَّةِ.

عِبادَ اللهِ: غِيابُ عِبادَةِ التَّرْكِ أَمْرٌ خَطِيرٌ؛ لِذَلِكَ عالَجَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم في حِينِهِ عِنْدَما قَسَّمَ غَنائِمَ غَزْوَةِ حُنَينٍ أَعْطَى لِحَدِيثِي الْإِسْلامِ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصارَ شَيئًا، فَحَزِنُوا، فَجَمَعَهُمُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم ، وَقالَ لَهُمْ: «أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ ‌بِالشَّاةِ ‌وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللهُمَّ ‌ارْحَمِ ‌الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ» فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قَسْمًا وَحَظًّا [متفق عليه].

أَسْأَلُ اللهَ عز وجل أنْ يَرْزُقَنا تَقْواهُ، وَأَنْ يُشْغِلَنا بِما يُرْضِيهِ عَنّا.

 

أقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثانية﴾

الْحَمْدُ لِلهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَهَدَاهُمْ لِمَا فِيه فَلَاحُهُمْ يَوْمَ التَّلاقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللهِ، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:194] فَتَقْوَى اللهِ هِيَ جِماعُ الْخَيْرِ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.

عِبَادَ اللَّهِ: عِبادَةُ التَّرْكِ مَخافَةَ عَذابِ اللهِ أَوِ ابْتِغاءَ ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَجالاتُها واسِعَةٌ، كَتَرْكِ الْحَرامِ في الْعَمَلِ وَالْقَوْلِ وَالِاعْتِقادِ، وَتَرْكِ فُضُولِ الْكَلامِ، وَالجِدالِ، وَتَرْكِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَيَتَّسِعُ نِطاقُ التَّرْكِ حَتَّى يَشْمَلَ تَرْكَ الْمُباحِ وَمَا أَحَلَّ اللهُ مَخافَةَ الْوُقُوعِ فِيما حَرَّمَ سُبْحانَهُ، وَهَذِهِ الْعِبادَةُ يَجِبُ فِيها الْإِخْلاصُ للهِ، وَأَنْ يَكُونَ التَّرْكُ للهِ، وَالصَّبْرُ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللهِ فِي الْعِوَضِ، وَيُعِينُ علَى هَذِه الْعِبادَةِ الْعَظِيمَةِ أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، وَاللُّجُوءُ إِلَى اللهِ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ، وَتَقْوَى اللهِ عز وجل، وَمَعْرِفَةُ فَضْلِ الصَّبْرِ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ عِبادَةَ التَّرْكِ ثَمَراتُها عَظِيمَةٌ، عاجِلَةٌ فِي الدُّنْيا أَوْ آجِلَةٌ في الآخِرَةِ، فَهِيَ تَبْنِي الثِّقَةَ بِاللهِ ، وَتُقَوِّيْ الْإِيمانَ وَالصَّبْرَ، وَتُزَهِّدُ في الْحَرامِ، وَتَجْلِبُ مَحَبَّةَ اللهِ، وَراحَةَ الْقَلْبِ، وَالْبَرَكَةَ، وَالتَّوْفِيقَ، وَحُسْنَ الْعاقِبَةِ، وَالرِّزْقَ، وَالسَّعادَةَ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.