12 ربيع أولI, 1448
نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَتَضْحِياتُ حُماةِ الْوَطَنِ 14/4/1448هـ
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾
الحَمْدُ للهِ وَاهِبِ النِّعَمِ، وَدَافِعِ النِّقَمِ، أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ، أَسْبَغَ عَلَيْنَا النِّعَمَ وَأَتَمَّهَا، وَدَفَعَ عَنَّا كَيْدَ الكَائِدِيْنَ، وَمَكْرَ الحَاسِدِيْنَ، فَلَهُ الحَمْدُ فِي الأُوْلَى وَالآخِرَةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا سَبَبُ الْفَلَاحِ، وَسَبِيلُ حِفْظِ النِّعَمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ بَعْدَ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ؛ فَلَا قِيامَ لِمَصالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيا إِلَّا بِالْأَمْنِ؛ لِذَا امْتَنَّ اللّٰهُ عَلَى عِبادِهِ بِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعِ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤-٣]، وَأَعْلَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنَ نِعْمَةِ الْأَمْنِ، فَقالَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» أخرجه الترمذي بإسناد حسن. وَمِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنا: نِعْمَةُ التَّوْحِيدِ، وَاجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ، وَوَحْدَةُ الصَّفِّ، وَالْأَمْنُ وَالِاسْتِقْرَارُ، وَالصِّحَّةُ في الْأَبْدانِ، وَالرَّخَاءُ وَرَغَدُ الْعَيْشِ، وَهَذا ما يَتَمنّاهُ كُلُّ إِنْسانٍ، وَهَذِهِ النِّعَمُ الْعَظِيمَةُ تَسْتَوْجِبُ قُلُوبًا شَاكِرَةً، وَأَلْسِنَةً ذَاكِرَةً، وَأَعْمَالًا صَالِحَةً لِتَدُومَ وَتَزْدادَ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ٥٣]. فَاحْفَظُوا نِعْمَةَ التَّوْحِيدِ بِالْإِخْلَاصِ وَالِاتِّبَاعِ، وَنِعْمَةَ الْوَحْدَةِ بِالِائْتِلَافِ، وَنِعْمَةَ الْأَمْنِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَنِعْمَةَ الرَّخَاءِ بِالشُّكْرِ وَالْإِحْسَانِ؛ وَكُونُوا لِوَطَنِكُمْ أَيْدِيَ بِنّاءَةً، وَأَلْسِنَةً صادِقَةً، وَقُلُوبًا نَاصِحَةً، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٧].
عِبَادَ اللَّهِ: مَنْ لا يَشْكُرِ النَّاسَ لا يَشْكُرِ اللهَ، وَمِنْ شُكْرِ اللهِ أَنْ نَذْكُرَ وَنَشْكُرَ، جُهُودَ رِجالِ الْقُوّاتِ المسَلَّحَةِ، وَالْمُرابِطِينَ عَلَى الثُّغُورِ في حِمايَةِ حُدُودِ بِلادِنا، وَالدِّفاعِ عَنْ أَرْضِ التَّوْحِيدِ، وَالذَّوْدِ عَنِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَأَنَّ عَمَلَهُمْ هَذا مِنَ الْجِهادِ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ، الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمالِ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قُتِلَ دُون مَالِهِ فهو شَهيدٌ، ومن قُتِلَ دُون أهْلِهِ، أو دُونَ دَمِهِ، أو دُون ديْنهِ فهو شهيدٌ» رواه أبو داود، والترمذي والنسائي، فَكَيْفَ بِمَنْ قُتِلَ وَهُوَ يُدافِعُ عَنْ بِلادِ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ مِنَ الرِّباطِ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِي قالَ فِيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَما فِيها» رواه البخاري، وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيرٌ مِنْ صيامٍ شَهْرٍ وقيامهِ، وَإنْ ماتَ فيهِ جَرَى عَلَيْهِ عمَلُهُ الَّذي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ الفَتَّانَ» رواه مسلم. فَجَزَى اللهُ رِجالَ قُوّاتِنا المسَلَّحَةَ خَيْرَ الْجَزاءِ، وَجَعَلَ جِهادَهُمْ وَدِفاعَهَمْ خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ.
وَإِنْ كانَ رِجالُ الْقُوّاتِ المسَلَّحَةِ حُماةَ التَّوْحِيدِ وَدِرْعَ الْوَطَنِ الْخارِجِيَّ، فَرِجالُ الْأَمْنِ هُمْ حُماةُ الْوَطَنِ، وَدِرْعُهُ الدَّاخِلِيُّ، فَجَزاهُمُ اللهُ خَيْرًا، يُوَفِّرونَ الْأَمْنَ لِلْمُواطِنِينَ وَالمقِيمِينَ، وَيَحْمُونَ الْمُمْتَلَكاتِ وَالْمَرافِقَ الْعامَّةَ وَيُكافِحُونَ الْجَرِيمةَ، وَيَصُونُونَ الْحُقُوقَ، وَيُعَزّزونَ الطُّمَأْنِينَةَ وَاسْتِقْرارِ الْمُجْتَمَعِ، وَيَحْفَظُونَ الْأَنْفُسَ؛ قالَ اللّٰهُ تَعالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنْمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وَقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَيْنانِ لا تَمَسُّهُما النّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللّٰهِ» رواه الترمذي، فَمِنْ واجِبِنا مُواطِنِينَ وَمُقِيمِينَ أَنْ نَتَعاوَنَ مَعَهُمْ، وَنُبَلِّغَهُمْ -عَبْرَ الْقَنَواتِ الرَّسْمِيَّةِ- عَنْ أَيِّ حالَةِ اشْتِباهٍ تُخِلُّ بِأَمْنِ الْوَطَنِ وَسَلامَتِهِ، وَمِنْ أَسْبابِ السَّلامَةِ أَلَّا نَسْمَحَ لِأَحَدٍ بِتَصْوِيرِ الْحَوادِثِ الْأَمْنِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ نَشْرِهَا عَلَى وَسائِلِ التَّواصُلِ، فَقَدْ تَخْرُجُ الْكَلِمَةُ مِنْ هَاتِفٍ، وَيَسْتَخِفُّ مُرْسِلُهَا بِشَأْنِهَا، فَتَبْلُغُ آلَافَ الْبُيُوتِ وَهِيَ تُقْلِقُ آمِنًا، أَوْ تَظْلِمُ بَرِيئًا، أَوْ تُفْسِدُ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَلَا تَجْعَلْ هَاتِفَكَ طَرِيقًا لِشَائِعَةٍ، وَلَا حِسَابَكَ مِنْبَرًا لِفِتْنَةٍ، وَلَا تَكُنْ عَوْنًا لِمَنْ يُرِيدُ بِمُجْتَمَعِكَ سُوءًا، وَتَثَبَّتْ قَبْلَ النَّقْلِ، وَارْجِعْ إِلَى الْمَصَادِرِ الْمَوْثُوقَةِ، وَدَعْ مَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُتَدَاوَلُ حَقًّا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ يُقالَ، وَفِي الْأَحْدَاثِ وَالْأَزَمَاتِ تُرَدُّ الْأُمُورُ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْوِلَايَةِ وَالِاخْتِصَاصِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٨٣].
عِبادَ اللهِ: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى بِلَادِنَا، الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، فَجَعَلَها خَيْرَ الْأَوْطانِ، فَما مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلّا وَالممْلَكَةُ مِلْءَ قَلْبِهِ وَأَمانِيهِ، فَالممْلَكَةُ أَطْهَرُ بِقاعِ الدُّنْيا، وَقَدْ رَفَعَ الْكِتابُ وَالسُّنَّةُ مَنْزِلَةَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مَكَّةَ وَالمدِينَةِ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]، وَوَقَفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُهاجِرٌ يخاطب مكة قائلا: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ« رواه الترمذي، فَقَدْ شَرَّفَنا اللهُ بِرِعايَةِ أَحَبِّ الْبِلادِ إِلَيْهِ سُبْحانَهُ، وَخِدْمَتِها وَالمحافَظَةِ عَلَيْها، وَقَدِيمًا حاوَلَ الطُّغاةُ الْفَجَرَةُ كَأَبْرَهَةَ الْحَبَشِيِّ؛ أَنْ يَنالُوا بِلادَنا بِسُوءٍ، فَقَصَمَهُمُ اللهُ، وَانْتَقِمَ مِنْهُمْ، وَسارَ عَلَى شاكِلَتِهِ الْقَرامِطَةُ وَالْحُوثِيُّونَ، قالَ تَعالَى في حَقِّهِمْ: ﴿إِنَّ الَذينَ كفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذقْهُ مِنْ عَذَابِ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَرادَ أَهْلَ المدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللّهُ كَمَا يَذُوبُ الملْحُ فِي الماءِ« متفق عليه.
عِبادَ اللهِ: إِنَّ وُلاةَ أَمْرِنا -حَفِظَهُمُ اللهُ- يَبْذُلُونَ جُهُودًا عَظِيمَةً لِلْحِفاظِ عَلَى الْوَحْدَةِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ، ِوَحِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيْدِ وَالتَّحْذِيْرِ مِنَ الشِّرْكِ، فَلَا قَبْرٌ يُطَافُ بِهِ، وَلَا صَنَمٌ يُعْبَدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ، وَلَا بِدَعٌ ظَاهِرَةٌ، وَتُقامُ فِيها الْحُدُودُ، وَتُطَبَّقُ فِيها الشَّرِيعَةُ. فَالْفَضْلُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، ثُمَّ لِمَا بَذَلَتْهُ الْقِيَادَةُ مِنْ جُهُودٍ، فَجَزَى اللهُ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ، وَسُمُوَّ وَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ، رَئِيسَ مَجْلِسِ الْوُزَرَاءِ، الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ خَيْرَ الْجَزاءِ، عَنْ خِدْمَةِ بِلادِ التَّوْحِيدِ، بِلادِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَهاهُمْ رِجالُ الْقُوّاتِ المسَلَّحَةِ دِرْعُ الممْلَكَةِ ضِدَّ المعْتَدِينَ، وَرِجالُ الْأَمْنِ حِصْنٌ حَصِينٌ لِأَبْناءِ الْوَطَنِ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خيارُ أئِمَّتِكُمُ الذينَ تُحِبُّونَهم ويُحبُّونَكُم، وتُصَلُّونَ عليهم ويُصَلّونَ علَيكُم« رواه مسلم، وَمَعْنَى تُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ أَيْ: تَدْعُونَ لَهُمْ، وَالدُّعاءُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُباتِ؛ إِذْ بِصلاحِهِ يَنْصَلِحُ حالُ الْأُمَّةِ وَالمجْتَمَعِ، قالَ الْإِمامُ أَحْمَدَ وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ رَحِمَهُما اللّهُ: “لَوْ أَعْلَمُ أَنّ لِي دَعْوَةً مُسْتَجابَةً لَصَرَفْتُها لِلسُّلْطانٍ”.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَحَبَّةُ الْوَطَنِ الصَّادِقَةُ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُقَالُ فَحَسْبُ، بَلْ أَمَانَةٌ تُؤَدَّى، وَمَصْلَحَةٌ تُرْعَى، وَمَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةً، قالَ تَعالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:23].
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنَ الْحاقِدِينَ وَالطُّغاةِ لَنْ يَسْتَطِيعُوا -بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى- أَنْ يَصِلُوا إِلَى مُبْتَغَاهُمْ، فَسُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَادَى التَّوْحِيدَ وَأَهْلَهُ قَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَاحْذَرُوا الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ، وَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا مَعَ وُلَاةِ أَمْرِكُمْ.
اعْلَمُوا عِبادَ اللهِ إِنَّ الِافْتِخارَ بِالْوَطَنِ، وَالِاعْتِزازَ بِهِ، وَالِانْتِماءَ إِلَيْهِ، وَالدِّفاعَ عَنْهُ، وَالتَّضْحِيَةَ مِنْ أَجْلِهِ، مِنْ أَشْرَفِ خِصالِ النُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ، وَالْقُلُوبِ المخْلِصَةِ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ، فَقَدْ قَالَ رَبُّكُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٦].اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْإِيمَانِ وَالْأَمْنِ، وَالْوَحْدَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَالرَّخَاءِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا وَجُنُودَنَا وَالْمُرَابِطِينَ عَلَى ثُغُورِنَا بِحِفْظِكَ الَّذِي لا يُرامُ، وَاكْلَأْهُمْ بِعَينِكَ الَّتِي لا تَنامُ، اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَاكْفِهِمْ عَدُوَّكَ وَعَدُوَّهُمْ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَلْبِسْهُ ثَوْبَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَأَعِنْهُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْزِهِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ، الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، وَسَدِّدْ رَأْيَهُ وَقَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، وَبَارِكْ فِي جُهُودِهِ، وَأَعِنْهُ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ. اللَّهُمَّ احْفَظْهُمَا بِحِفْظِكَ، وَأَحِطْهُمَا بِرِعَايَتِكَ، وَارْزُقْهُمَا الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرادَ بِلادَنا بِسُوءٍ فَانْتَقِمْ مِنْهُ، وَرُدَّ كَيْدَهُ في نَحْرِهِ، وَاحْفَظْ بِلادَنا وَقادَتَنا وَرِجالَ أَمْنِنا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ.
عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٠]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.