16 شعبان, 1445

خمس من رزقهن عند موته لم تمسه النار

روى ابن ماجة في سننه عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ، أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَالَ :
((إِذَا قَالَ الْعَبْدُ : «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ، قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : «صَدَقَ عَبْدِي؛ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا، وَأَنَا اللهُ أَكْبَرُ».
وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ»، قَالَ: «صَدَقَ عَبْدِي؛ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا وَحْدِي» .
وَإِذَا قَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ»، قَالَ: «صَدَقَ عَبْدِي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا وَلاَ شَرِيكَ لِي».
وَإِذَا قَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ»، قَالَ: «صَدَقَ عَبْدِي؛ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا، لِيَ الْمُلْكُ، وَلِيَ الْحَمْدُ» .
وَإِذَا قَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» ، قَالَ : «صَدَقَ عَبْدِي؛ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِي»)).

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ الأَغَرُّ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ، قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: «مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ».
ورواه الترمذي في (باب ما يقول العبد إذا مرض)، ولفظه: «كان يَقُولُ: مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ».
ورواه النسائي وزاد: «يَعْقِدُهُنَّ خَمْسًا بِأَصَابِعِهِ»، وقال في رواية: «يُصَدِّقُ اللَّهُ الْعَبْدَ بِخَمْسٍ يَقُولُهُنَّ» وذكرهن.
قال ابن القيم رحمه الله في عدِّه لفوائد الذكر: «أنَّ الذكر سببٌ لتصديق الرب عز وجل عبده؛ فإنه أخبر عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبد صدَّقه ربه، ومن صدَّقه الله تعالى لم يُحشر مع الكاذبين، ورُجي له أن يُحشر مع الصادقين» وذكر هذا الحديث.
وقال رحمه الله: «ومن محبته سبحانه الثناء عليه صدَّق المثني عليه بأوصاف كماله».
وبهذا بوَّب ابن حبان لهذا الحديث في صحيحه؛ قال رحمه الله: «ذِكر الكلمات التي إذا قالها المرء المسلم صدَّقه ربه جل وعلا عليها».

قوله «مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ»:
• قال السندي رحمه الله في حاشيته على سنن ابن ماجة: « أي من أعطاه الله تعالى هذه الكلمات عند الموت ووفقه لها لم تمسه النار بل يدخل الجنة ابتداء مع الأبرار اللهم اجعلنا ممن رزقته إياهن ».
• وقال الشوكاني رحمه الله في تحفة الذاكرين: «وجه هذا: أن هذه الكلمات قد اشتملت على التوحيد خمس مرات، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وسيأتي (أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، ووردت بهذا المعنى أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما».
• وقال المباركفوري رحمه الله في المرعاة: «وفي الحديث دليل على أن هذه الكلمات المذكورة في الحديث إذا قالها العبد في مرضه ومات في ذلك المرض على تلك الكلمات -أي كانت خاتمة كلامه الذي يتكلم به عاقلا مختاراً- لم تمسه النار، ولم يضره ما تقدم من المعاصي، وأنها تكفِّر جميع الذنوب».
• وقال الشيخ العثيمين رحمه الله في شرحه لرياض الصالحين: «فينبغي للإنسان أن يحفظ هذا الذكر، وأن يكثر منه في حال مرضه حتى يُختم له بالخير إن شاء الله تعالى، والله الموفق».
• وأملى عليّ الوالد الشيخ عبد المحسن البدر حفظه الله فقال: «هذا الذكر العظيم جاء في حديث رواه بعض أهل السنن وغيرهم ، وصححه جماعة من أهل العلم، وهو مشتمل على خمس تهليلات مضاف إليها ثناء على الله بما هو أهله، وقد ختم الإمام البخاري رحمه الله صحيحه بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ »، وهذه التهليلات الخمس يصلح أن توصف بهذه الصفات الثلاث التي جاءت في هذا الحديث. وقد أحسن الابن عبد الرزاق حفظه الله بالتذكير بهذا الحديث ونشره، والذكرى تنفع المؤمنين، فحري بالمسلم العناية بهذا الذكر، ولا سيما في حال مرضه، والله ولي التوفيق».
• وكان الشيخ أحمد أبا عبيدة المحرزي المراكشي رحمه الله كثير الوصية به ويسميه «ورد الاحتضار»
وكان يقول: «لا تَغفل عن ورد الاحتضار     واجعله دائمًا في الاعتبار» ويقول في بيان الفرق بين هذا الورد وحديث: « مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ». «يمكن أن تكون الجنة بعد سابقة عذاب وهذا ليس هناك سابقة عذاب لأن فيه “لم تمسه النار”» ويقول: «هذه الخمسة عند الموت أعظمُ رزق وأجلُّ رزق» وقد أكرمه الله بأن كانت آخر كلامه من الدنيا، بل ولقنها محتضرا إلى جواره فخُتم له بها، فاتفق له أن كان محتضرا يُلقن محتضرا غفر الله لهما ولجميع موتى المسلمين.

فهذا ذكرٌ عظيمٌ مباركٌ ينبغي أن يعتني به المسلم وأن يكثر من تكراره، وأن يجعله هدفًا ومطمعًا يرجو الله عز وجل أن يمكنه من الإتيان به عند احتضاره؛ لينال من حسن الخاتمة ما يدخل به الجنة دخولًا أوليًا مع الأبرار دون أن تمسه النار.
والله الموفق وحده لا شريك له.