1 ذي القعدة, 1447

[الدعاء في رمضان] ﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى مَعْشَرَ الصَّائِمِينَ، فَإِنَّ الصِّيَامَ إِنَّمَا شُرِعَ لِتَحْقِيقِ التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183]، فَامْتَثِلُوا أَوَامِرَ رَبِّكُمْ، وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ، وَاحْذَرُوا الْهَوَى وَدَوَاعِيَهُ، فَلَا رَاحَةَ لِلنَّفْسِ، وَلَا سَعَادَةَ لَهَا، وَلَا طُمَأْنِينَةَ إِلَّا فِي طَاعَةِ رَبِّهَا، وَالتَّعَلُّقِ بِهِ وَحْدَهُ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الصِّيَامَ وَالدُّعَاءَ عِبَادَتَانِ جَلِيلَتَانِ، وَمَقَامَانِ عَظِيمَانِ مِنْ مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبَيْنَهُمَا ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ، وَلَعَلَّ مِمَّا يُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الْعِلَاقَةِ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالدُّعَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:186]. وَمِنْ أَعْظَمِ نَفَحاتِ رَمَضانَ مُصادَفَةُ ساعَةِ إِجابَةٍ، يَسْأَلُ الْعَبْدُ فِيها رَبَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّجاةَ مِنَ النَّارِ، فَيُعْطَى سُؤْلَهُ، فَيَنْعَمُ بِسعادَةِ الْأَبَدِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فاز﴾ [آل عمران: 185]، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم:«ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ المظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المسَافِرِ» [صححه الألباني]. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ نَاسٍ قَالَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» [رواه أحمد]. وَكَانَ يَقُولُ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ فِطْرِهِ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» [أخرجه أبو داود وحسنه الألباني]. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ بِمَجْمُوعِهَا تُفِيدُ أَنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَعَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَسْتَغِلَّ زَمَنَ صِيَامِهِ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي صَالِحِ الدُّعَاءِ؛ لَعَلَّ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُجِيبَ دُعَاءَهُ. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنْهُما قالَ: «كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو: رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْني وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِني وَيَسِّرْ هُدَايَ إِلَيَّ، وَانْصُرْني عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شاكِرًا، لَكَ ذاكِرًا، لَكَ راهِبًا، لَكَ مِطْواعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا -أَوْ مُنِيبًا-، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتي، وَاهْدِ قَلْبي، وَسَدِّدْ لِسانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صدري» [صححه الألباني].

عِبادَ اللهِ: هَذا الدُّعاءُ الْعَظِيمُ اشْتَمَلَ عَلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سُؤَالًا وَمَطْلَبًا، هِيَ مِنْ أَهَمِّ مَطالِبِ الْعَبْدِ، وَأَسْبابِ صَلاحِهِ وَسَعادَتِهِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. وَهُوَ مِنْ جَوامِعِ كَلِمِهِ صلى الله عليه وسلم وَجَوامِعِ الدُّعاءِ، يَجْمَعُ لِلْعَبْدِ الْخَيْرَ كُلَّهُ، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:186] فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: (رَبِّ أَعِنِّي) يَطْلُبُ الْعَوْنَ مِنَ اللهِ؛ أَيْ: وَفِّقْنِي لِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ، وَفِي مُقابَلَةِ الْأَعْدَاءِ أَمِدَّنِي بِمَعُونَتِكَ وَتَوْفِيقِكَ.

إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى *** فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ

وَقَوْلُهُ: (وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ) أَيْ: لا تُغَلِّبْ عَلَيَّ مَنْ يَمْنَعُنِي مِنْ طاعَتِكَ مِنَ نَفْسٍ أَمَّارَةٍ بِالسُّوءِ، فَأَعِنِّي عَلَى كَبْحِ جِماحِها، وَأَعِنِّي عَلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، لا يُفْسِدُوا عَلَيَّ دِينِي وَدُنْيايَ، وَقَوْلُهُ: (وانْصُرْنِي): يَطْلُبُ النَّصْرَ، أَيْ لا تَجْعَلْنِي ذَلِيلًا مُهانًا مُنْكَسِرًا، وَقِيلَ انْصُرْنِي عَلَى نَفْسِي الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ؛ فَإِنَّها أَعْدَى أَعْدائِي. وقَوْلُهُ: (وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ): بِمَعْنَى لا تُسَلِّطْ عَلَيَّ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، وَالْعَبْدُ مُعَرَّضٌ لِلْخَطَأِ، مُعَرَّضٌ لِلزَّلَلِ، مُعَرَّضٌ أَنْ يَتَجاوَزَ الْحُدُودِ، لَكِنَّهُ إِذَا لَجَأَ إِلَى اللهِ سَتَرَهُ بِسِتْرِهِ سُبْحانَهُ، فَكَمْ مِنْ أُناسٍ يُخْطِئُونَ أَخْطاءً فَادِحَةً، وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَها، وَذَلِكَ لِسِتْرِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَتَصَيَّدُ أَخْطاءَ الآخَرِينَ، فَيُعاقِبُهُ اللهُ سُبْحانَهُ بِمِثْلِ عَمَلِهِ، وَتَظْهَرُ أَخْطَاؤُهُ، يَقُولُ الْإِمامُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: “أَدْرَكْتُ ناسًا بِالمدِينَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَتَكَلَّمُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ، فَأَحْدَثَ النَّاسُ لَهُمْ عُيُوبًا، وَأَدْرَكْتُ ناسًا بِالمدِينَةِ، كانَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ. فَسَكَتَ النَّاسُ عَنْ عُيُوبِهِمْ” اهـ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

اَلْحَمْدُ للهِ عَلىَ إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلىَ تَوْفِيْقِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ اِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الدَّاعِي إِلىَ رِضْوَانِهِ. أَيُّها المسْلِمُونَ: وَمِنَ الدُّعاءِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ قَوْلُه ُصلى الله عليه وسلم: (وَامْكُرْ لِي): أَيْ: أَلْحِقْ مَكْرَكَ بِأَعْدَائِي، وَارْزُقْنِي الْحِيْلَةَ السَّلِيمَةَ وَالْفِكْرَ الْقَوِيمَ؛ لِلسَّلَامَةِ مِنْ شَرِّهِمْ وَدَفْعِ كَيْدِهِمْ، وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ): أَيْ: وَلَا تَهْدِ عَدِوِّي إِلَى طَرِيقِ دَفاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ أَحَدٌ فِي صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ. وَقَوْلُهُ: (وَاهْدِنِي): أَيْ دُلَّنِي عَلَى أَبْوابِ الْخَيْراتِ، وَمُنَّ عَلَيَّ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَبَصِّرْنِي بِعُيُوبِ نَفْسِي. وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلاتِنَا نَدْعُو: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أَيْ: دُلَّنا عَلَى الصِّراطِ المسْتَقِيمِ وَأَرْشِدْنا إِلَيْهِ، وَأَرِنا طَرِيقَ هِدايَتِكَ الْمُوصِلَةَ إِلَى أُنْسِكَ وَقُرْبِكَ. وَقَوْلُهُ: (وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي)، أَيْ: سَهِّلْ لِيَ اتِّباعَ الْهِدايَةِ، وَسُلُوكَ طَرِيقِها، وَهَيِّءْ لِي أَسْبابَ الْخَيْرِ؛ حَتَّى لا أَسْتَثْقِلَ الطَّاعَةَ، وَلَا أَنْشَغِلَ عَنِ الْعِبادَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ): أَيْ انْصُرْنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي، وَتَعَدَّى عَلَيَّ، وَهَذا لَيْسَ انْتِقامًا، بَلْ عَدْلًا، فَهُوَ يُرِيدُ الْعَدْلَ. وَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا): أَيْ: أَلْهِمْنِي شُكْرَكَ عَلَى نَعْمائِكَ وَآلَائِكَ عَلَيَّ، وَهِيَ عِبادَةُ الشُّكْرِ؛ فَنِعَمُ اللهِ لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى، وَقَوْلُهُ: (لَكَ ذاكِرًا)، أَيْ: فِي كُلِّ الْأَوْقاتِ، وَعَلَى كُلِّ الْأَحْوالِ، قائِمًا وَقاعِدًا وَعَلَى جَنْبٍ، وَهِيَ مِنْ أَسْهَلِ الْعِباداتِ، وَهِيَ مِنَ تَوْفِيقِ اللهِ لِلْعَبْدِ، وَاللِّسانُ مِنَ الْجَوارِحِ الَّتِي لا تَتْعَبُ، فَيَسْتَشْعِرُ الْعَبْدُ قَوْلَهُ تَعالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الانعام:162]. وقَوْلُهُ: (لَكَ رَاهِبًا)، أَيْ: خائِفًا مِنْكَ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، وَفِي رِوايَةٍ (رَهَّابًا)، وَقَوْلُهُ: (لَكَ مِطْواعًا): أَيْ كَثِيرَ الطَّوْعِ، وَهُوَ الِانْقِيادُ وَالطَّاعَةُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. وَقَوْلُهُ: (لَكَ مُخْبِتًا): مِنَ الْإِخْباتِ، وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالتَّواضُعُ وَالْخُضُوعُ، وَالمعْنَى: اِجْعَلْنِي لَكَ خاشِعًا مُتَواضِعًا خاضِعًا. وَقَوْلُهُ: (إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا): الْأَوَّاهُ: كَثِيرُ الدُّعاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالْبُكاءِ، وَالْمُنِيبُ: التَّائِبُ الرَّاجِعُ إِلَى اللهِ فِي أُمُورِهِ كُلِّها.

وَقَوْلُهُ: (رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي)، أَيِ: اجْعَلْها صَحِيحَةً بِشَرَائِطِها وَاسْتِجْماعِ آدابِها. وَقَوْلُهُ: (وَاغْسِلْ حَوْبَتِي): أَيْ: اُمْحُ ذَنْبِي وَإِثْمِي، وَطَهِّرْ قَلْبِي مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَوْلُهُ: (وَأَجِبْ دَعْوَتِي)، أَيِ: اجْعَلْ دَعَواتِي مُسْتَجابَةً. وَقَوْلُهُ: (وَثَبِّتْ حُجَّتِي)، أَيْ: عَلَى أَعْدَائِكَ فِي الدُّنْيا وَالْعُقْبَى، وَثَبِّتْ قَوْلِي وَتَصْدِيقِي فِي الدُّنْيا، وَعِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ. وَقَوْلُهُ: (وَاهْدِ قَلْبِي)، أَيْ: إِلَى مَعْرِفَتِكَ وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالْهُدَى الَّذِي أَمَرْتَ بِهِ، وَبَعَثْتَ بِهِ رُسُلَكَ.

ثُمَّ قالَ: (وَسَدِّدْ لِسانِي)، أَيْ: صَوِّبْهُ وَقَوِّمْهُ؛ حَتَّى لا يَنْطِقَ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَالْقَوْلِ السَّدِيدِ. وَقَوْلُهُ: (وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي)، أَيْ: أَخْرِجْ غِشَّ وَحِقْدَ وَحَسَدَ صَدْرِي، وَنَحْوَها مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلاقِ. قالَ تَعالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:10]، قالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: “الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ؛ فَمَنْ زادَ عَلَيْكَ فِي الْخُلُقِ زادَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ”.

عِبادَ اللهِ: لَقَدِ اشْتَمَلَ هَذا الدُّعاءُ عَلَى مَسائِلَ عَظِيمَةٍ، وَمَطالِبَ جَلِيلَةٍ، يَتَبَيَّنُ مِنْ خِلالِها عِظَمُ هَذا الدُّعاءِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِهِ، وَمُلازَمَةُ التَّضَرُّعِ بِهِ إِلَى اللهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحافِظُ الْبَزَّارُ فِي تَرْجَمَةِ شَيْخِ الْإِسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أَنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ غَالِبَ دُعائِهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

حكمة اليوم

  • الإعتذار عن الخطأ لايجرح كرامتك بل يجعلك كبيرا بعين من أخطأت بحقه. .

استطلاع الرأي

من خلال اطلاعكم كيف تقيمون الموقع؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

القائمة البريدية