19 ذي القعدة, 1445

إن الحديث عن النَّقْد يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن الكتابة، إذ أن علاقة النَّقْد بالكتابة علاقة تلازمية، بمعني أن كلاهما وجهان لعملة واحدة، برغم الجدل البيزنطي الذي يثور بين فينة وأخرى بين أنصار الفريقين، حيث أن بعض الكُتّاب يقللون من أهمية النَّقْد الأدبي ومضامينه، وفي المقابل يدافع النُقّاد عن مهنتهم، ويؤكدون على أهمية دورها الثقافي، والتي استطاعوا من خلال طرائق وأساليب النَّقْد المتعددة، تعديل الكثير من المسارات الكتابية، وبالتالي إثراء الساحة الأدبية.

ولو تجاوزنا السؤال الجدلي الذي يدور بين أروقة الفريقين عن أيهما أفاد الآخر؟ فإن الكتابة تظل -في تقديري الخاص- مُتَنَفِّسٌ وتعبير حقيقي عما يدور في أعماق النفس البشرية بصرف النظر عن تباين وتفاوت ذلك التعبير من حيث الوضوح والغموض، أو البساطة والتعقيد، ويظل النَّقْد أو يجب أن يظل مجرد انعكاس ذوقي للممارسة الكتابية، لا عملية محاسبة أو مقاضاة لها.

وإذا كانت المدارس النَّقْدية قد وضعت معايير ومواصفات للشروط التي يجب توافرها في الناقد؛ كالتمكن من الأدوات اللغوية المختلفة، والثقافة الواسعة، والذكاء الشخصي المتقد، إلاّ أن الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن أذهان النُقّاد؛ هي أن المعالجة النَّقْدية مهما بلغت درجاتها الموضوعية، إلاّ أنها تظل تراوح في المجال الذاتي المحض القائم على اعتبارات ذوقية خالصة، كما قال بذلك ستانلي هايمن في كتابه المدارس الأدبية الحديثة. وإقامة المُعْوَجّ منه دون المساس بشخص الكاتب أو الإشارة إليه بالانتقاص أو التجريح.

وأما فيما يتعلق بمعيار الثقافة لدى النُقّاد، فإن المدارس الأدبية، تكاد تجمع على أنه يجب أن تكون ثقافة الناقد في مستوى أعلى من ثقافة الكاتب نفسه، أو مساوية له على أقل تقدير، إذ أنه مسؤول وشريك في الارتقاء بالذائقة الحسية والجمالية لدى القراء، وهذا ما كان موجوداً في الأزمنة الغابرة، إذ كان النَّقْد وقفاً على المشاركين في العمل الإبداعي ذاته؛ فقد كان الفيلسوف هو من ينقد فيلسوفاً آخر، كما كان يفعل بلاتو مع سقراط، والأديب هو من يكتب نقداً لعمل أديب آخر كما يفعل مارلو مع شكسبير.

والناقد المثقف هو من يمتلك القدرة على التفريق بين النّص الجيد، والنّص الرديء. بين الزائف والأصيل، بما يمتلك من أدوات، مما يجعل ثقافة الناقد تحت المجهر، فإن كان قليل الثقافة، أو لا يمتلك علماً أو درايةً بالموضوع، فإن ذلك يرتد على النص بالسلب حيث يظلمه، وينتقص من حقه، ويقلل من قدره، بعكس ما إذا كان الناقد مثقفاً وواسع الإطلاع إيجابي المقصد، حيث ينعكس على النص بالإيجاب، فيسبغ عليه بعداً جمالياً آخر، فيخرج من روح النص نصاً جديداً لا يقل عن النص الأصلي جمالاً وروعة، بالإضافة إلى المساهمة في صقل موهبة الكاتب، وتطوير أدواته الكتابية.

ومن هنا نستطيع تصنيف النُقّاد بشكل عام إلى ثلاثة فئات:

1ـ ناقد إيجابي يتَحَلَّى بالثقافة والإنصاف والحيادية.

2ـ ناقد سلبي يتَّسَمَ بالتطرف والتحيز لفكر معين أوفئة محددة.

3ـ ناقد مستهتر ميّال لشّخصنة نقده يلقي بالأحكام والتعليقات جزافاً واعتباطاً.

وأخيراً! ونحن إذ نطالب الأديب بتوخي الكمال فيما يكتب، فكذلك يحسن بنا أن نطالب الناقد بأن يكون أكثر حرصاً على ذلك الكمال فيما يتناوله من نقد؛ وذلك بانتهاج الموضوعية والحيادية، والابتعاد عن التحيزات بجميع أنواعها وأشكالها، وأن يبتعد -وهذا الأهم- عن فرض الوصاية على الآخرين بحجة النَّقْد، والابتعاد أيضا عن إلصاق النقائص والمعايب بالآخرين؛ فيما يعرف في علم النفس بنظرية “الإسقاط النفسي” إذ أنه لا ينقصنا مزيد من الفُرقة والتَشرذُم؛ لاسيما والموضوع يختص بالشأن الأدبي والثقافي.