14 جمادي أولI, 1447

بِرُّ الوَالِدَيْنِ 21/2/1447هـ

﴿الخطبة الأولى﴾

الحَمْدُ للهِ الآمِرِ بِالبِرِّ وَالإِحْسَانِ، النَّاهِيْ عَنِ الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ هَدَانَا لِلْإِيمَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءًۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ ‌كَانَ ‌عَلَيۡكُمۡ ‌رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] أَمَّا بَعْدُ .. عِبَادَ اللهِ: جُبِلَتِ النُّفُوْسُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وَالتَّعَلُّقِ بِمَنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ أَعْظَمُ إِحْسَانًا وَلَا أَكْثَرُ فَضْلًا -بَعْدَ إِحْسَانِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَفَضْلِهِ- مِنْ إِحْسَانِ الْوالِدَيْنِ وَفَضْلِهِمَا؛ فَقَدْ فَطَرَهُما اللهُ عَلَى الْحُبِّ وَالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالشَّفَقَةِ، فَقامَا بِأَعْظَمِ مُهِمَّةٍ فِي حَياتِكَ؛ فاجْتَهَدا فِي رِعايَتِكَ وَأَحْسَنا تَرْبِيَتَكَ، وَزَرَعا فِيكَ الْأَخْلاقَ الطَّيِّبَةَ، وكَمْ نَصَبَا لِتَسْتَرِيحَ، وَسَهِرَا لِتَرْقُدَ، وَجَاعَا لِتَشْبَعَ، وَعَطِشَا لِتَرْتَوِيَ، وَتَجَشَّمَا المخاوِفَ لِتَطْمَئِنَّ، فَلَنْ تَجِدَ أَصْدَقَ حُبًّا لَكَ مِنْهُما، وَلَا أَرْحَمَ بِكَ مِنْ قَلْبَيْهِما، كَيْفَ لا؟ وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَثَلًا لِرَحْمَةِ اللهِ بِرَحْمَتِهِما؛ فَقَدْ رَأَى صلى الله عليه وسلم امْرَأَةً فِي السَّبْيِ، وَجَدَتْ وَلَدَها فَأَخَذَتْهُ فألْصَقَتْهُ ببَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ المرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا في النَّارِ؟» قالُوا: لَا، وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بوَلَدِهَا» [متفق عليه]. لِذَلِكَ قَرَنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الوَالِدَيْنِ بِحَقِّهِ، فَأَوْجَبَ سُبْحَانَهُ عِبَادَتَهُ وَتَوْحِيْدَهُ وَالبَرَاءَةَ مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ ثَنَّى بِبِرِّ الْوالِدَيْنِ؛ وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِعِظَمِ حَقِّهِمَا، وَجَزِيْلِ فَضْلِهِمَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾[النساء: 36]. وَمَدَحَ -سُبْحَانَهُ- أَنْبِياءَهُ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- بِبِرِّ الْوالِدَيْنِ، قالَ تَعالَى عَنْ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14]، وَقالَ سُبْحانَهُ وَتَعالَى عَنْ عِيْسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]، جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهادِ، فَقالَ لَهُ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَفِيهِما فَجاهِدْ» [رواه البخاري: 3004، ومسلم: 2549]. وَجاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ الْجِهادَ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ صلى الله عليه وسلم: «حَيَّةٌ أُمُّكَ؟»، فَقالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اِلْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنّةُ» [صححه الألباني]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «الْوالِدُ أَوْسَطُ أَبْوابِ الْجَنَّةِ» [صححه الألباني]. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبْوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُما أَوْ كِلَيْهِما فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» [رواه مسلم]، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ‏:‏ سَأَلْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: «الصَّلاةُ علَى وقْتِها»، قالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: «برُّ الوالِدَيْنِ»، قالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ».‏ ‏[متفق عليه]‏. فِي هَذَا الحَدِيْثِ الشَّرِيْفِ تَصْرِيْحٌ وَاضِحٌ بِأَنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيْلِ اللهِ، الَّذِيْ هُوَ ذِرْوَةُ سَنَامِ الِإسْلَامِ، وَالَّذِيْ رَتَّبَ لَهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ الأُجُوْرِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ.

إِخْوَةَ الإِيْمَانِ: الوَالِدَانِ الـمُسْلِمَانِ بِرُّهُمَا وَاجِبٌ، وَالإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا مُتَعَيِّنٌ، وَطَاعَتُهُمَا مُتَحَتِّمَةٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ الوَالِدَانِ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْشَدَنَا إِلَى عَدَمِ طَاعَتِهِمَا فِي الـمَعْصِيَةِ، مَعَ مُصَاحَبَتِهِمَا بالمعْرُوْفِ، حَتَّى لَوْ كَانَا يَأْمُرَانِ أَوْلَادَهُمَا بِمَا لَا يُرْضِي اللهَ تَعَالَى، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [ لقمان: 15].

وَفِيْ الصَّحِيْحَيْنِ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّيْ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: “إِنَّ أُمِّيْ قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّيْ؟”، قَالَ: «نَعَمْ، صِلِيْ أُمَّكِ» [متفق عليه]. هَذَا فِي حَالِ الشِّرْكِ يَا عِبَادَ اللهِ؛ فَكَيْفَ يَكُوْنُ حَقُّهُمَا وَهُمَا مُسْلِمَانِ؟!

وَقَدْ أَعْظَمَ الصَّحابَةُ بِرَّ الْوالِدَيْنِ، وَسَطَّرَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ صَفَحاتٍ مُشْرِقَةٍ وَأَمْثِلَةً رائِعَةً؛ فَهَذا كِلابُ بْنُ أُمَيَّةَ الْكِنانِيُّ، كانَ بارًّا بِوالِدَيْهِ، وَلا يُقَصِّرُ فِي خِدْمَتِهِما، لَكِنَّهُ أَحَبَّ الْجِهادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَاسْتَأْذَنَ وَالِدَيْهِ، فَلَمْ يَأْذَنَا لَهُ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِما، فَأَذِنَ لَهُ أَبُوهُ عَلَى مَضَضٍ، فَابْتَعَدَ عَنْهُما مُدَّةً، فَاشْتاقَ لَهُ والِدَاهُ شَوْقًا عَظِيمًا، حَتَّى عَمِيَ أَبُوهُ مِنْ كَثْرَةِ حُزْنِهِ عَلَى فِراقِ وَلَدِهِ، وَقالَ: “أَشْتَهِي أَنْ أَضُمَّ وَلَدِي ضَمَّةً، وَأَشُمُّهُ شَمَّةً، ثُمَّ أَمُوتُ”، وقال منشدًا:

لِمَنْ شَيْخَانِ قَدْ نَشَدَا كِلاَبَا

أُنَادِيـــــهِ فَيُعْرِضُ فِي إِبـــــَاءٍ

تَرَكْــتَ أَبَاكَ مُرْعَشَةً يَدَاهُ

إِذَا نَعَبَ الحَمَامُ بِبَطْنِ وَجٍّ

  كِتَابَ اللهِ لَوْ قَبِلَ الكِتَابـَا

فَلاَ وَأَبَى كِلاَبٌ مَا أَصَابَا

وَأُمَّك مَا تَسِيغُ لَهَا شَرَابَا

عَلَى بَيْضَاتِهِ ذَكَرا كِلاَبَا

فَلَمَّا عَلِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه بِالْقِصَّةِ، أَحْضَرَ الْابْنَ إِلَى وَالِدِهِ، فَشَمَّهُ وَضَمَّهُ، وَبَكَى بُكاءً شَدِيدًا.

وَاشْتَهَتْ أُمُّ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ جُمَّارَ النَّخْلِ، وَكانَتِ النَّخْلَةُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى نَخْلَةً، وَنَقَرَهَا وَأَخْرَجَ جُمَّارَهَا، فَلَمَّا عاتَبَهُ النَّاسُ لِارْتِفاعِ سِعْرِ النَّخِيلِ قالَ: إِنَّ أُمِّي سَأَلَتْنِيهِ، وَلَا تَسْأَلُنِي شَيْئًا أَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهَا” [أخرجه الحاكم في المستدرك].

وَلَمَّا ماتَتْ أُمُّ إِياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ؟! قالَ: “كانَ لِي بابانِ مَفْتُوحانِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأُغْلِقَ أَحَدُهُما” [البداية والنهاية: 9/338].

وَهَذَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ تَابِعِيْ التَّابِعِيْنَ، وَشَيْخُ الدِّيَارِ الـمِصْرِيَّةِ، كَانَ يَقْعُدُ فِي حَلْقَتِهِ يُعَلِّمُ النَّاسَ، وَيَأْتِيْهِ الطُّلَّابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَتُنَادِيْهِ أُمُّهُ وَهُوَ بَيْنَ طُلَّابِهِ: “قُمْ يَا حَيْوَةُ فَاعْلِفِ الدَّجَاجَ”، فَيَقُوْمُ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَيُنَفِّذُ أَمْرَهَا، ثُمَّ يَعُوْدُ إِلَى طُلَّابِهِ إِذَا فَرَغَ مِمَّا طَلَبَتْهُ مِنْهُ أُمُّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الـمُنْكَدِرِ: “بَاتَ أَخِيْ عُمَرُ يُصَلِّيْ، وَبِتُّ أَغْمِزُ قَدَمَ أُمِّيْ” -يَعْنِيْ يُدَلِّكُهَا وَيُلَيِّنُهَا وَيُؤَانِسُهَا- قَالَ: “وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لَيْلَتِيْ بِلَيْلَتِهِ!”[سير أعلام النبلاء: 5/359]. وَهَذا أُوَيْسُ الْقَرَنِيُّ تابِعِيٌّ، رَفَعَهُ اللهُ بِبِرِّهِ بِأُمِّهِ، قال صلى الله عليه وسلم: «يَأْتي علَيْكُم أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كانَ به بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ علَى اللهِ لَأَبَرَّهُ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لكَ فَافْعَلْ»[مسلم:2542]، فَطَلَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مِنْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَفَعَلَ.

عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوْا أَنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ سَبَبٌ لِلسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيا، وَحُسْنِ الخَاتِمَةِ، والفَوْزِ فِي الآخِرَةِ: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ ‌أَلَّا ‌تَعۡبُدُوٓاْ ‌إِلَّآ ‌إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ [ الإسراء: 23-25].

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُوْنَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُوْنَ أَحْسَنَهُ.

أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَا.. وَأَستَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيْعُوهُ، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:281]. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِلْوَالِدَيْنِ حُقُوْقًا عَظِيْمَةً فِي حَياتِهِما وَبَعْدَ مَوْتِهِما، قالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟” قَالَ: «نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، -أَيِ الدُّعاءُ لَهُما- وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ َصَدِيقِهِمَا» [رواه ابن حبان في صحيحه]. وَمِنْ بِرِّهِما: خِدْمَتُهُما خاصَّةً عِنْدَ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ، وَتَفَقُّدُ حاجَتِهِما وَرَغَباتِهِما، وَالسَّعْيُ لِإِسْعادِهِما، وَالتَّنافُسُ فِي ذَلِكَ، وَالِاهْتِمامُ بِصِحَّتِهِما، وَمُرافَقَتُهُما عِنْدَ الطَّبِيبِ، وَمُتابَعَةُ تَناوُلِهِما الدَّواءَ.

وَمِنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ: الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا، قَدْرَ الـمُسْتَطَاعِ فِي وُجُوهِ البِرِّ وَالخَيْرِ، كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ، أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ، أَوْ طِبَاعَةِ مُصْحَفٍ، أَوْ إِنْشَاءِ وَقْفٍ، أَوْ إِطْعَامِ جَائِعٍ، أَوْ كِسْوَةِ مُحْتَاجٍ، أَوْ كَفَالَةِ يَتِيْمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَمِنْ حُقُوْقِ الوَالِدَيْنِ: إِجَابَةُ نِدَائِهِمَا، وَبَعْضُ العُلَمَاءِ يَرَى أَنْ يَقْطَعَ الإِنْسَانُ صَلاةَ النَافِلَةِ، لِيُجِيْبَ نِدَاءَ وَالِدَيْهِ.

وَمِنْ تِلْكَ الحُقُوْقِ: التَّوَاضُعُ لَهُمَا، وَمُعَامَلَتُهُمَا بِرِفْقٍ وَلِيْنٍ، وَتَقْدِيْمُهُمَا فِي الكَلَامِ وَالـمَشْيِ والطَّعَامِ والـمَجْلِسِ وَالـمَرْكَبِ؛ احْتَرَامًا لَهُمَا وَإِجْلَالًا لِقَدْرِهِمَا.

وَمِنْ حُقُوْقِهِمَا: خَفْضُ الصَّوْتِ عِنْدَهما، وَعَدَمُ إِزْعَاجِهِمَا إِنْ كَانَا نَائِمَيْنِ، وَاسْتِعْمَالُ أَعْذَبِ الكَلِمَاتِ مَعَهُما.

أَيُّهَا الـمُؤْمِنُوْنَ: بَعْضُ الأَبْناءِ يَسْتَكْثِرُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَ وَالِدَيْهِ ساعَةً، وَقَدْ شابَا في خِدْمَتِهِ، وَيَقُولُ: وَقْتِي ضَيِّقٌ! وَبَعْضُهُمْ يَتَثاقَلُ عَنْ إِجابَةِ وَالِدَيْهِ، أَوْ يُغْلِقُ الهاتِفَ فِي وَجْهَيْهِما، أَوْ يَتَأَفَّفُ مِنْ طَلَباتِهِما، وَيَعْصِي أَوامِرَهُما خاصَّةً لِلصَّلاةِ وَالدِّراسَةِ؛ وَبَعْضُ الْأَبْناءِ يُعامِلُ أَبَوَيْهِ بِالمثْلِ؛ وَيَكُونُ سَبَبًا فِي حُزْنِهِما، أَلَا فَلْيَعْلَمِ الْعاقُّ أَنَّ الْبِرَّ يُورِثُ الْبِرَّ، وَالْعُقُوقَ يُورِثُ الْعُقُوقَ، وَالْجَزاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَاللهَ اللهَ فِي بِرِّ وَالِدِيْكُمْ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، وَبادِرُوا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ تَقُوْلَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ، وَعَلَى مَا قَصَّرْتُ فِي حَقِّ وَالِدَيَّ؛ فَالْعُقُوقُ مِنَ الْكَبائِرِ الّتي يُعجَّلُ لِصاحِبِها الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيا قَبْلَ ما يَنْتَظِرُهُ فِي الآخِرَةِ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، ‌وَاليَمِينُ ‌الغَمُوسُ»[رواه البخاري].

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.