4 شوال, 1445

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد :
إن منزلة (حُسن الخلق) منزلة عظيمة، وأكثرنا يعلم بفضل الله، هذه المنزلة العظيمة لحُسن الخلق عند الله، وكفى بها منزلة عليا، أن وصف الله بها نبيه ، وهو سيد الخلق أجمعين، عليه الصلاة والسلام.
وإن من أعظم مناقب سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذه المنقبة، وهذا التشريف العظيم له من الله جل جلاله، بهذا الوصف، ولقد تحدث علماء الأمة وأكابر المربين والمعلمين عبر الأجيال عن (حُسن الخلق)، وقد انتقيت لك من كتاب (مدارج السالكين – بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ) لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية، المعروف ب : ابن القيم – رحمه الله، بعض ما قاله وذكره وصنفه عن (حُسن الخلق)، مع بعض التصرف اليسير جدا، لتوضيح بعض المعاني.
وأسأل الله أن يعينك، أخي القاريء وأختي القارئة، على الاطلاع على هذا الانتقاء (اليسير حجما، العظيم فائدة) من كتاب ابن القيم – رحمه الله، وأن يعينكم على قراءته مع استحضار نية الاستزادة من العلم النافع، بعد توفيق الله عز وجل. وأسأل الله جل جلاله، أن يتقبل منكم هذا الاطلاع وأن يجزيكم عليه خير الجزاء إنه ولي ذلك والقادر عليه وأن ينفع به العباد والبلاد .. وإنها لكلمات يسيرة ذكرها ابن القيم – رحمه الله، تنفع بإذن الله – لو أننا اقتطعنا جزءا يسيرا من وقتنا لقراءتها بنية التقرب إلى الله.
وأحب أن أشير إلى أن هذا المنشور جاء بتوفيق الله أولا وآخرا، وإنني أرجو من الله وأحتسب أجره لكل من قرأه ونشره و اقتبس منه وأعاد صياغته او اختصره لتعم الفائدة.
وأسأل الله أن يكون هذا الجهد البسيط خالصا لوجهه الكريم، اللهم آمين.

أورد ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين)، فصل [في منزلة الخُلُق].. وذكر في بدايته قوله :

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) – [القلم] قال ابن عباس ومجاهد : لعلى دين عظيم، لا دين أحب إليّ ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام.

وقال الحسن رضي الله عنه : هو آداب القرآن.

وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من أمر الله، وينتهي عنه من نهي الله. والمعنى إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن.

وفي [صحيح مسلم] : أن سعد بن حكيم بن عامر (سأل عائسة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت : كان خُلُقُه القرآن، فقال : لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا)

وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله تعالى : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) – [الأعراف] قال جعفر بن محمد – رضي الله عنهما – : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وقد ذكر أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : (ما هذا؟ قال : لا أدري حتى أسأل، [فسأل]. ثم رجع إليه، فقال : إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك)

ثم أضاف ابن القيم في موضع آخر :

وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أن البر : حُسن الخُلُق)، ففي (صحيح مسلم) عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم؟ فقال : البر حُسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس).

وفي (الصحيحين) عنه صلى الله عليه وسلم (خياركم أحاسنكم أخلاقا)
وفي (الترمذي) عنه صلى الله عليه وسلم (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حُسن الخُلق، وإن الله تعالى ليُبغض الفاحش البذيء) قال الترمذي : حديث حسن صحيح.

وفيه أيضا – وصححه – (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال : تقوى الله، وحُسن الخُلُق، وسُئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال : الفم والفَرْج).

وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلقا، وخياركم خياركم لنسائهم).

وفي (الصحيح) عنه صلى الله عليه وسلم (إن المؤمن لَيُدرك بحسن خُلقه درجة الصائم القائم).
[رواه أبو داود]

و(فيهما) عنه صلى الله عليه وسلم [قوله] : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المِراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خُلُقه) [رواه الطبراني] وإسناده صحيح.

يقول ابن القيم :
فجعل البيت العلوي جزاءً لأعلى المقامات الثلاثة، وهي حسن الخلق، والأوسط لأوسطها، وهو ترك الكذب، والأدنى لأدناها، وهو ترك المماراة، وإن كان معه حق، ولا ريب أن حسن الخلق مشتملٌ على هذا كله.

وفي (الترمذي) عنه صلى الله عليه وسلم [قال] : (إن مِن أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمُتَشَدِّقون والمُتَفَيهقون، قالوا : يا رسول الله. قد علمنا الثرثارون والمتشدقون. فما المتفيهقون؟ قال : المتكبّرون).

قال ابن القيم – رحمه الله

الثرثار : هو كثير الكلام بغير فائدة دينية، والمتشدق : المتكلم بملء فيه تفاصحا وتعاظما وتطاولا، وإظهارا لفضله على غيره …

ثم ذكر ابن القيم – رحمه الله – عن أركان حُسن الخلق، التالي :

الدين كله خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الدين…
وقد قيل : حسن الخلق : بذل الجميل، وكف القبيح.
وقيل : التخلي من الرذائل، والتحلي بالفضائل.

وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يُتصور قيام ساقه إلا عليها : الصبر، والعِفة، والشجاعة، والعدل.

فالصبر : يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحِلم والأناة والرفق، وعدم الطيش والعجلة.

والعفة : تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله على الحياء. وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحش، والبخل والكذب، والغيبة والنميمة.

والشجاعة : تحمله على عِزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم،…. وتحمله على كظم الغيظ والحلم، فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). وهذه حقيقة الشجاعة، وهي مَلَكة يقتدر بها على قهر خصمه.

والعدل : يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط. فيحمله على خُلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الإمساك والإسراف والتبذير، وعلى خُلق الحياء الذي هو توسطٌ بين الذل والقِحَة [والقحة هي قلة الحياء والجرأة على فعل القبائح، نسأل الله السلامة] وعلى خُلق الشجاعة الذي هو توسطٌ بين الجبن والتهور، وعلى خُلق الحِلم، الذي هو توسطٌ بين الغضب والمهانة وسقوط النفس.
ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة.

انتهى

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.