13 رمضان, 1447

الأسوة والقدوة 23/ 5/ 1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. أما بعد..الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لَنَا مِنَ الْأنبيَاءِ والصَّالحِينَ قُدوَةً وَمَثَلًا، وَسُبْحانَ مَنْ جَبَلَ النُّفُوسَ عَلَى الْقُدْوَةِ، فَتَرَى النَّاسَ يُقَلِّدُونَ بَعْضَهُمْ فِي الْخَيرِ أَوِ الشَّرِّ، لَكِنَّ اللهَ أَمَرَنا بِالْقُدْوَةِ فِي الْخَيرِ، فَأَمَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِياءِ، فَقَالَ تَعالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، ولَمَّا اشْتَدَّ بِهِ صلى الله عليه وسلم البَلاءُ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِالصَّبرِ كَإِخْوانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وَلَقدْ تَحَقَّقَ هَذَا فِي خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَفِي يَوْمِ حُنَيْنٍ أَعْطَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشْرَافَ الْعَرَبِ مِنَ الْغَنائِمِ يَتَأَلَّفُ قُلُوبَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَلَمَّا أُخْبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»[متفق عليه]، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قُدْوَةً لَنا، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]، أَيْ يا مَعْشَرَ الموَحِّدِينَ عَلَيْكُمْ بِالِاقْتِداءِ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خُلُقِهِ، وَاجْتِهادِهِ فِي الْعِبادَةِ، وَصَبْرِهِ وَمُصَابَرَتِهِ، وَمُرَابَطَتِهِ، وَانْتِظَارِهِ الْفَرَجَ مِنْ رَبِّهِ عز وجل؛ فَالقُدْوَةُ الْحَسَنَةُ تَأْخُذُ بِيَدِ الْإِنْسانِ إِلَى المعالِي، وَتُبْعِدُهُ عَنِ سَفاسِفِ الْأُمُورِ.

أَيُّها المؤمِنونَ: إِنَّ مِنْ أَهَمِّ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ التَّربِيَةَ بِالْقُدْوَةِ؛ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا مِنَ الْأَقْوالِ وَالتَّوْجِيهاتِ، فَالطِّفْلُ يَتَعَلَّمُ مِنْ وَالِدَيْهِ وَمُعَلِّمِهِ بِنَظَرِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ بِأُذُنَيْهِ، فَيَبْدَأُ بِتَقْلِيدِهِما فِي الْحَرَكَاتِ، أَوْصَى أَحَدُ السَّلَفِ مُعَلِّمَ وَلَدِهِ قَائِلًا: “لِيَكُنْ أَوَّلَ إِصْلاحِكَ لِوَلَدِي إِصْلاحُكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ عُيُونَهُ مَعْقُودَةٌ بِعَينِكَ، فَالْحَسَنُ عِنْدَهُ ما صَنَعْتَ، وَالْقَبِيحُ عِنْدَهُ ما تَرَكْتَ”، فَالْأَبْناءُ عُيُونُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ عَلَى مَحَلِّ اهْتِمامِ وَالِدِيهِمْ، فَعِنْدَما يَرَوْنَ أَباهُمْ يَسْتَعِدُّ لِلصَّلاةِ قَبْلَ الْأَذانِ، أَوْ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ سَماعِهِ الْأَذانَ تَرَكَ ما فِي يَدِهِ وَذَهَبَ يَتَوَضَّأُ، وَيَرَوْنَهُ يُكْرِمُ ضَيْفَهُ، وَيَفْزَعُ لِجارِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبابِ صَلاحِهِمْ، وَالْبَناتُ اللَّاتِي يُشاهِدْنَ الْأُمَّ تُحافِظُ عَلَى صَلاتِها، وَتُطِيعُ زَوْجَها، وَتُكْرِمُ جِيرانَها، فَسَيَنْشَأْنَ عَلَى هَذِهِ الصِّفاتِ الْحَمِيدَةِ؛ لِهَذَا كانَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم حَرِيصًا عَلَى هَذَا الأُسلُوبِ منَ التَّرْبِيةِ، حتَّى نشَّأَ جِيلًا من الصَّحَابَةِ كالنُّجُومِ وَسْطَ الظَّلامِ، اقْتَدَتْ بِأَخْلاقِهِمُ الْأُمَمُ؛ وَمِنَ السَّهْلِ عَلَى النَّاسِ الْكَلامُ عنِ الْمُثُلِ الْعُلْيَا، لكنَّهُم لاَ يسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعِيشُوهَا. قَامَ أعرابيُّ يَبُولُ فِي مَسْجِدِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَثَارَ إلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا به، فَقالَ لهمْ صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ، وأَهْرِيقُوا علَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ -أوْ سَجْلًا مِن مَاءٍ- فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» وَفِي رِوايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الرَّسُولَ  قالَ لِلْأَعْرابِيِّ: «إنَّ هذِه المساجِدَ لا تَصْلُحُ لِشيءٍ مِن هَذا البَوْلِ، ولا القَذَرِ إنَّما هي لِذِكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ»، وَكانَ صلى الله عليه وسلم يمشِي يُسَلِّمُ علَى الصِّبْيَانِ، ويسْتَمِعُ للإِمَاءِ؛ مَرَّ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ، [متفق عليه]، قالَ أَنَسٍ رضي الله عنه: «إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ  فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ»، وَقامَ صلى الله عليه وسلم يَحْفِرُ مَعَ أَصْحابِهِ رضي الله عنهم فِي الْخَنْدَقِ وَيَحْمِلُ عَلَى عاتِقِهِ الشَّرِيفِ التُّرابَ، وَ«كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ» [أخرجه البخاري: 4837]، وَسُئِلَتْ أُمُّنا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها: ما كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالَتْ: «كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ- تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ» [أخرجه البخاري: 676]، وَفِي رِوايَةٍ: قالَتْ: «كانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ».

عِبادَ اللهِ: لَقَدِ الْتَزَمَ الصَّحَابةُ رضي الله عنهم بِكُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالتَّقْرِيرِيَّةِ، فَقَدْ كانَتْ عُيُونُهُمْ وَآذانُهُمْ عَلَى كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فَما أَعْظَمَها مِنْ قُدْوَةٍ، كانُوا يَتَسابَقُونَ فِي فِعْلِ الخَيْراتِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، لقدْ تَرَبَّوا فِي مَدْرَسَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَكانُوا خَيْرَ مِثالٍ لِأَبْنائِهِمْ، فَفِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحابِهِ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ» فقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؟” قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَالَ: “بَخٍ بَخٍ”، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ»، قَالَ: “لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا”، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: “لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ”، فَرَمَى بها، وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، وَإِنَّما أَرادَ صلى الله عليه وسلم مِنْ سُؤَالِهِ لِعُمَيْرٍ أَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنْ إِخْلاصِهِ فِي طَلَبِ الشَّهادَةِ، وَيُبَشِّرَهُ بِالشَّهادَةِ وَالْجَنَّةِ.

وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا *** عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ

عِبادَ اللهِ: القُدْوَةُ الحَسَنَةُ، لا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْإِخْلاصِ، وَالِالْتِزامِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمُوافَقَةِ الْعَمَلِ الْقَوْلَ، وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَالتَّحَلِّي بِالْأَخْلاقِ الْحَمِيدَةِ، كَالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَالصِّدْقِ، وَالشَّجاعَةِ وَالْوَفاءِ، وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَإِنَّ واقِعَ الممْلَكَةِ وَتارِيِخَها -بِفَضْلِ اللهِ سُبْحانَهُ- مَلِيءٌ بِالْقُدْواتِ الصَّالِحَةِ فِي شَتَّى المجالاتِ، الْعِلْمِيَّةِ، والِاجْتِماعِيَّةِ، وَالدِّينِيَّةِ، وَالصِّحِّيَّةِ، وَالِاقْتِصادِيَّةِ، وَغَيْرِها، فَوَجَبَ عَلَيْنا إِبْرازُ وَتَقْدِيمُ هَذِهِ النَّماذِجِ؛ لِيَكُونُوا -بِإِذْنِ اللهِ تعالَى- بُناةَ خَيْرٍ لِأُسَرِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ الذِي جَعلَ لنَا مِنَ الأنبيَاءِ والصَّالحِينَ قُدوَةً وَمَثَلاً، وَأَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ بفضلِهِ، ويُذِلُّ مَن يشَاءُ بِعدْلِهِ، وأشْهدُ أنَّ محمَّدًا عَبدُهُ ورسُولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ… أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ نَجَاةٌ، والخَوفَ مِنهُ أَمَانٌ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

واعْلَمُوا أَنَّ أَبْنَاَءَنَا أمَانَةٌ فِي أعنَاقِنَا، يَجِبُ عَليْنَا أَنْ نَكُونَ قُدْواتٍ حَسَنَةً، وَأَمْثِلَةً صالِحَةً لَهُمْ، وَلِكُلِّ مَنْ حَوْلَنا؛ فَلِكُلِّ مَنْ دَلَّ النَّاسَ إِلَى الْخَيْرِ أَجْرُهُ، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَذا الْخَيْرِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، يَجِدُ ذَلِكَ فِي مَوازِينِ حَسَناتِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَن دَعا إِلَى ضَلالَةٍ، كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا» [أخرجه مسلم: 2674]، وَالْقُدْوَةُ لا تُفِيدُ الْمُقْتَدِي فَقَطْ، بَلْ تُفِيدُ الْمُقْتَدَى بِهِ، فَتَجْعَلُهُ فِي ارْتِقاءٍ دَائِمٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَكانَةٍ رَفِيعَةٍ بَيْنَ النَّاسِ.

اِعْلَمْ يا رَعاكَ اللهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ حَوْلَكَ يُقَلِّدُونَكَ، فَكُنْ قُدْوَةً صالِحَةً لَهُمْ رَفِيقًا بِهِمْ، خاصَّةً مَعَ الضُّعَفاءِ، وَمَنْ هُمْ أَدْنَى مِنْكَ، وَضَعْ نَصَبَ عَيْنَيْكَ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159] فَاجْعَلْ أَفْعالَكَ وَتَصَرُّفاتِكَ أَداةَ بِناءٍ لِمَنْ حَوْلَكَ، وعَلَى الْوالِدَيْنِ والْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَكُونَوا في مُقَدِّمَةِ صُفُوفِ الْقُدْوَةِ الْحَسَنَةِ؛ لِأَنَّ النَاشِئَةَ الصِّغَارِ أَكْثَرُ ما يَتَأَثَّرُونَ بِأَخْلاقِهِمْ وَأَفْعالِهِمْ قَبْلَ أَقْوالِهمْ وَتَنْبِيهَاتِهمْ، فَلْيَكُونُوا كَالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقَدْ كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.