13 رمضان, 1447
عِبادَةُ الِاسْتِعانَةِ 7/6/1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. أمَّا بعدُ.. عِبادَ اللهِ لا مُعِينَ لِلعَبدِ عَلَى مَصالِحِ دِينِهِ وَدُنياهُ إِلَّا اللهُ عز وجل، فَمَنْ أَعانَهُ اللهُ فَهُو الْمُعانُ، وَمَنْ خَذَلَهُ فَهُو المخْذُولُ، وَهَذا تَحْقِيقُ مَعْنَى قَوْلِ: “لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ”؛ يَقُولُها المؤْمِنُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ، وَعِنْدَ النِّداءِ لِلصّلاةِ “حَيِّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيِّ عَلَى الْفَلاحِ” فَسُبْحانَكَ رَبُّنا وَبِحَمْدِكَ! لم تَتْرُكْ عِبادَكَ لِعَجْزِهِمْ وَفَقْرِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، بَلْ دَلَلْتَهُمْ إِلى الِاسْتِعانَةِ بِكَ، فَكُلُّ الْخَلْقِ فُقَراءُ إِلى اللهِ لِتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالتَّدْبِيرِ وَالضَّرِّ والنَّفْعِ وَالْعَطاءِ وَالمنْعِ، وَأَنَّهُ ما شاءَ كانَ، وَما لم يَشَأْ لم يَكُنْ، قالَ صلى الله عليه وسلم لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «يا غُلامُ إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ، اِحْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، اِحْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تِجاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، فَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنْ لا نَجاةَ لِلْعَبْدِ مِنْ فِتَنِ الدُّنْيا، وَأَحْداثِ الزَّمانِ، وَتَسَلُّطِ الْعَدُوِّ، وَشَرِّ النُّفُوسِ، وَسَيِّئِ الْأَسْقامِ وَالْأَمْراضِ إِلَّا بِالِاسْتِعانَةِ باللهِ، الَّتِي هِيَ: طَلَبُ الْعَوْنِ مِنَ اللهِ تَعالَى، مَعَ كَمالِ الذُّلِّ، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ للهِ وَحْدَهُ، وَاعْتِقادِ كِفايَتِهِ سُبْحانَهُ وَقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
عِبادَ اللهِ: مِنْ أُصُولِ الْإِيمانِ أَنْ نَسْتَعِينَ بِاللهِ وَحْدَهُ، كَمَا نَعْبُدُهُ وَحْدَهُ سُبْحانَهُ، قالَ ابْنُ رَجَبٍ-رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى- “الْعَبْدُ مُحْتاجٌ إِلَى الِاسْتِعانَةِ باللهِ فِي فِعْلِ الْمَأْمُوراتِ وَتَرْكِ المحْظُوراتِ وَالصَّبْرِ عَلى المقْدُوراتِ، وَلا يَقْدِرُ عَلى اﻹْعانَةِ عَلى ذَلِكَ إِلَّا اللهُ عز وجل وَمَنْ تَرَكَ الِاسْتِعانَةَ بِاللهِ وَاسْتَعانَ بِغَيْرِهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى مَنِ اسْتَعانَ بِهِ فَصارَ مَخْذُولًا”، فَشَأْنُ الِاسْتِعانَةِ عَظِيمٌ؛ فَوَحْدَها الَّتِي قُرِنَتْ بالْعِبادَةِ، وَجُعِلَتْ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَواتِ، فَالْعِبادَةُ هِيَ الْغَايَةُ، وَالِاسْتِعانَةُ هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَيْها، فَسَعادَةُ الْعَبْدِ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى تَحْقِيقِهِما: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة: 5]، أَيْ: لا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ ولا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ، فَكَمالُ غِنَى الْعَبْدِ في التَّبَرُّؤِ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَالِاسْتِعانَةِ باللهِ وَحْدَهُ. قالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَتَقْدِيمُ الْعِبادَةِ عَلَى الِاسْتِعانَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبادَةَ غايَةُ الْعِبادِ، الَّتِي خُلِقُوا لَها، وَالِاسْتِعانَةَ وَسِيلَةٌ إِلَيْها، وَلِأَنَّ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وَ(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَذَلِكَ يَتَناسَبُ مَعَ تَقْدِيمِ اسْمِ (اللهِ) عَلَى لَفْظِ (الرَّبِّ)، وَﻷِنَّ الْعِبادَةَ الْمُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعانَةَ، فَالِاسْتِعانَةُ جُزْءٌ مِنَ الْعِبادَةِ، وَﻷِنَّ الِاسْتِعانَةَ طَلَبٌ مِنْهُ سُبْحانَهُ، وَالْعِبادَةَ طَلَبٌ لَهُ فَقَدَّمَ مَا هُوَ لَهُ عَلَى ما هُوَ مِنْهُ، وَالْعِبادَةَ لا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُخْلِصٍ، وَالِاسْتِعانَةَ تَكُونُ مِنْ مُخْلِصٍ وَغَيْرِ مُخْلِصٍ، وَالْعِبادَةَ حَقُّ اللهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَالِاسْتِعانَةَ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبادَةِ، وَالْعِبادَةَ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وَاﻹْعانَةَ فِعْلُهُ بِكَ وَتَوْفِيقُهُ لَكَ، وَﻷِنَ َّ(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) للهِ، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) بِهِ سُبْحانَهُ وَالَّذِي لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى ما بِهِ وَلِهَذا لا يَسْتَقِرُّ في النَّارِ شَيْءٌ للهِ أَبَدًا”، يَقُولُ السّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ: “وَتَقْدِيمُ الْعِبادَةِ عَلَى الِاسْتِعانَةِ لِاحْتِياجِ الْعَبْدِ في جَمِيعِ عِباداتِهِ إِلى الِاسْتِعانَةِ باللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ إِنْ لم يُعِنْهُ اللهُ لم يَحْصُلْ لَهُ ما يُرِيدُ مِنْ فِعْلِ الْأَوامِرِ وَاجْتِنابِ النَّواهِيْ”، قالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى- “الِاسْتِعانَةُ تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ: الثِّقَةَ بِاللهِ، وَالِاعْتِمادَ عَلَيْهِ”، وَلا تُنافِي الْأَخْذَ بِالْأَسْبابِ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «اِحْرِصْ عَلَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلا تَعْجَزْ» [أخرجه مسلم]، يَعْنِي: لا تَعْتَمِدْ علَى الْحِرْصِ فَقَطْ، وَلَكِنْ مَعَ الحِرْصِ اسْتَعِنْ باللهِ سُبْحانَهُ؛ لِأَنَّهُ لا غِنَى لَكَ عَنِ اللهِ، وَمَهْمَا بَذَلْتَ مِنَ الْأَسْبابِ فَإِنَّها لا تَنْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ عز وجل.
وَقَدِ اهْتَمَّ أَنْبِياءُ اللهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِالِاسْتِعانَةِ باللهِ عز وجل؛ فَهذَا نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم يَدْعُو رَبَّهُ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلى الْكُفّارِ الْمُكَذِّبينَ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 112]، وَيأْخُذُ بِيَدِ مُعاذٍ رضي الله عنه ثُمَّ يقَولُ: «يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ مُعَاذٌ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ؛ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رواه أحمد، وصححه الألباني]، وَيَأْمُرُ مُوسَى عليه السلام قَوْمَهُ أَنْ يَسْتَعِينُوا باللهِ في مُواجَهَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]، وَيَعْقُوبُ عليه السلام يَسْتَعِينُ باللهِ مِنْ شَرِّ أَفْعالِ بَنِيهِ: ﴿قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرًاۖ فَصَبۡرٌ جَمِيلٌۖ وَٱللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]، وَيُوَجِّهُ اللهُ عِبادَهُ المؤْمِنينَ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ إِلى الْتِزامِ الِاسْتِعانَةِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وَيُونُسُ عليه السلام يُنادِي في الظُّلُماتِ مُسْتَعِينًا باللهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، فَنَجَّاهُ رَبُّهُ، وَهَذا ابْنُ نُوحٍ عليه السلام اِسْتَعانَ بِغَيْرِ اللهِ عز وجل فَهَلَكَ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 42، 43]، وَمِنْ دُعاءِ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم «رَبِّ أَعِنِّي، وَلا تُعِنْ عَلَيَّ» [رواه ابن حبان، وصححه الألباني]، وَإِذَا غَزَا قالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي، وَأَنْتَ نَصِيرِي، وَبِكَ أُقاتِلُ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، وَكانَ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ المسْتَعانُ، وَبِكَ المسْتَغاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلانُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ”، وَقِيلَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: مَا لَكِ وَلِلدَّيْنِ؟ قالَتْ: “أَلْتَمِسُ عَوْنَ اللهِ لِلْعَبْدِ، يَسْتَدِينُ عَلَى نِيَّةِ اﻷْدَاءِ”، وَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ لِابْنِهِ عَبْدُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في وَصِيَّتِهِ لِقَضاءِ دَيْنِهِ: “إِنْ عَجَزْتَ فَاسْتَعِنْ بِمَوْلايَ” قالَ: يا أَبَتِ مَنْ مَوْلاكَ؟ قالَ: اللهُ”، وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “يا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ، كَيْفَ يَسْتَعِينُ بِغَيْرِكَ؟”.
عِبادَ اللهِ: مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللهِ فِيما لا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ فَقَدْ أَشْرَكَ، كَالِاسْتِعانَةِ بِالْأَمْواتِ، وَالْغائِبِينَ، وَالْجَماداتِ، وَالْجِنِّ وَالشَّياطِينِ، أَمَّا الِاسْتِعانَةُ بِالمخْلُوقِ فَهِيَ جائِزَةٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ المسْتَعانُ بِه حَيًّا غَيْرَ مَيِّتٍ، حاضِرًا غَيْرَ غائِبٍ، قادِرًا غَيْرَ عاجِزٍ، فَهذا مِنَ التَّعاوُنِ عَلى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَيُثابُ المسْتَعانُ بِه، وَلِلنَّاسِ مَعَ الِاسْتِعانَةِ أَرْبَعَةُ أَحْوالٍ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ وَيَسْتَعِينُ بِغَيْرِ اللهِ، وَهَذا قَدْ وَقَعَ في الشِّرْكِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ لَكِنَّ اسْتِعانَتَهُ ضَعِيفَةٌ، وَهَؤُلاءِ قَدِ اسْتَحْوَذَتْ عَلَيْهِمُ الشَّهَواتِ، وَيَكْثُرُ اعْتِمادُهُمْ عَلى غَيْرِ اللهِ في كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَهُناكَ مَنْ يَسْتَعِينُ باللهِ عز وجل وَحْدَهُ، لَكِنَّهُ يَعْبُدُ غَيْرَهُ، وَهَذا يَقَعُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ عُبَّادِ الصُّوفِيَّةِ وَالْفَلاسِفَةِ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ عِبادَةِ اللهِ وَالِاسْتِعانَةِ بِهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، نَسْأَلُ اللهَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ نَكُونَ جَمِيعًا مِنْهُمْ.
يَجِبُ عَلى المسْتَعِينِ بِرَبِّهِ أَنْ يَسْلَمَ مِنَ الشِّرْكِ خاضِعًا مُتَذَلِّلًا لِمَوْلاهُ، وَأَنْ يَثِقَ في قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وَكِفايَتِهِ لِعِبادِهِ، مُفَوِّضًا أَمْرَهُ كُلَّهُ لِخالِقِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ: المجاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُكاتِبُ الَّذِي يُرِيدُ اﻷْداءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفافَ» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمدُ للهِ الواحِدِ القَهَّارِ، يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَيَخْلُقُ مَا يَشاءُ ويَخْتَارُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ رَحْمَةً للعالمينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَمَّا بَـعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَاسْتَعِينُوا باللهِ وَحْدَهُ عَلى أُمُورِكُمْ وَأَحْوالِكُمْ كُلِّها، في الْهِدايَةِ وَالِاسْتِقامَةِ وَصَلاحِ الْقَلْبِ، وَفِعْلِ الْمَأْمُوراتِ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ سُبْحانَهُ عَلى تَرْكِ المحْظُوراتِ، وَعَلى قَضاءِ الْحَوائِجِ وَالمصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، الَّتِي نَفْتَقِرُ إِلَيْها في مَعاشِنا ، وَتَمْتَدُّ الِاسْتِعانَةُ باللهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ الموْتِ، فَنَسْتَعِينُ بِهِ عز وجل مِنْ أَهْوالِ الْبَرْزَخِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ، فَمَنِ اسْتَعانَ باللهِ وَحْدَهُ جَعَلَ لَه مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرًا.
اِعْلَمُوا عِبادَ اللهِ أَنَّ الِاسْتِعانَةَ سَبَبٌ في الْقِيامِ بِالْقُرُباتِ وَالطَّاعاتِ، وَابْتِعادِ الْعَبْدِ عَنِ المحَرَّماتِ، وَهِيَ سَبَبُ عِلاجِ أَمْراضِ الْقُلُوبِ، كَالْعُجْبِ وَالرِّياءِ، وَهِيَ وَسِيلَةٌ لِلصَّبْرِ عَلى الْأَقْدارِ الْمُؤْلِمَةِ في النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالمالِ، وَهِيَ سَبَبٌ لِتَحَقُّقِ النَّصْرِ على الْأَعْداءِ، إِنَّ الِاسْتِعانَةَ مَظْهَرٌ مِنْ مَظاهِرِ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَتَنْفِي عَنِ الْعَبْدِ الشُّعُورَ بِالْعَجْزِ، وَتُصْلِحُ الْقَلْبَ، وَتَسُدُّ خُلَّةَ الرُّوحِ؛ ﻷِنَّ الْعَبْدَ المسْتَعِينَ لا يُواجِهُ المشاكِلَ وَحْدَهُ، بَلْ مَعَهُ رَبُّهُ.
قالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى-: “فَلا تَطْلُبِ الْعَوْنَ مِنْ أَيِّ إِنْسانٍ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ الْقُصْوَى، وَإِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى الِاسْتِعانَةِ بِالْمَخْلُوقِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ وَسِيلَةً وَسَبَبًا لا رُكْنًا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ! اِجْعَلِ الرُّكْنَ الْأَصِيلَ هُوَ اللهُ عز وجل”.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.