13 رمضان, 1447

النزاهةُ وحِفْظُ الأَمَانَةِ وَمُحَارَبَةُ الفَسَادِ 14/60/1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَمَرَ بِأَدَاءِ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، نَحْمَدُهُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِنْعَامِهِ، وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ عَلَى أَدَاءِ الحُقُوْقِ لِأَصْحَابِهَا، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ كُلِّ تَقْصِيْرٍ فِيْ حَقِّهِ سُبْحَانَهُ، وَنَعُوْذُ بِهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَأَهْوَائِهَا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الصَّادِقِ الأَمِيْنِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ. أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوْا اللهَ وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ قَدْ عَرَضَ أَمَانَةَ التَّكْلِيْفِ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ بِظُلْمِهِ وَجَهْلِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:72].
وَالأَمَانَةُ هِيَ صِفَةُ أَكْرَمِ الخَلْقِ عَلَى اللهِ، وَهُمْ الأَنْبِيَاءُ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم؛ حَيْثُ كَانَ قَوْمُهُ يُلَقِّبُوْنَهُ بِالأَمِيْنِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ، وَوَصَفَ اللهُ الـمُؤْمِنِيْنَ بِصِفَاتٍ جَلِيْلَةٍ كَانَ مِنْهَا رِعَايَتُهُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:1] إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:8] وَفَرَضَ اللهُ عَلَيْنَا أَدَاءَ الأَمَانَةِ وَالقِيَامَ بِحَقِّهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾[النساء:58] وَأَوْصَانَا نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» [رواه أبو داودَ والترمذيّ وصححه الألباني].
أَدَاءُ الأَمَانَةِ يَا عِبَادَ اللهِ يَعْنِيْ رِعَايَةَ الحُقُوْقِ وَارْتِفَاعَ النُّفُوْسِ عَنْ الدَّنَايَا، وَالعَلاقَةُ بِيْنَ الِإيْمَانِ وَالأَمَانَةِ لَا تَنْفَكُّ، فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَدَاءَ الأَمَانَةِ وَرِعَايَتَهَا عَلَامةٌ لِلْإِيْمَانِ؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا إِيْمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» [رواه أحمد والمنذري وصححه الألباني]. وَفي الـمُقَابِلِ؛ فَإِنَّ تَضْيِيْعَ الأَمَانَةِ وَالاسْتِهَانَةَ بِهَا وَخِيَانَتَهَا عَلَامَةٌ لِلنِّفَاقِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «آيَةُ الـمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه]. وَتَضْيِيْعُ الأَمَانَةِ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» [رواه البخاري]. أيها المسلمون: اعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللهُ أَنَّ الأَمَانَةَ تَدْخُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَهِيَ أَصْلٌ فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ وَالـمُعَامَلَاتِ، فَإِنَّ دِيْنَ اللهِ أَمَانَةٌ، وَالدَّعْوَةَ إِلَيْهِ أَمَانَةٌ، وَكِتَابَ اللهِ أَمَانَةٌ، وَتَبْلِيْغَهُ أَمَانَةٌ، وَهَكَذَا جَمِيْعُ العِبَادَاتِ الـمَفْرُوْضَةِ، فَالصَّلَاةُ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِكَ، تُؤَدِّيْهَا فِي أَوْقَاتِهَا كَامِلَةَ الشُّرُوْطِ وَالوَاجِبَاتِ، وَالصِّيَامُ أَمَانَةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ، وَالزَّكَاةُ أَمَانَةٌ، وَالأَيْمَانُ وَالعُهُوْدُ وَالموَاثِيْقُ وَالـمُبَايَعَاتُ بَيْنَ النَّاسِ أَمَانَةٌ، وَالالْتِزَامَاتُ وَالحُقُوْقُ وَالموَاعِيَدُ أَمَانَةٌ كَذَلِكَ، وَالصِّحَّةُ أَمَانَةٌ، وَتَرْبِيَةُ الأَوْلَادِ أَمَانَةٌ، وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالقَلْبَ وَسَائِرُ الجَوَارِحِ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ، وَسَوْفَ تُسْأَلُ عَنْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36] وَأَدَاءُ هَذِهِ الأَمَانَاتِ مَعَ أَنَّهُ مَطْلُوْبٌ شَرْعًا؛ فَإِنَّهُ مِنْ شِيَمِ كِرَامِ الرِّجَالِ طَبْعًا، كَمَا قَالَ الصَّحَابِيٌّ الشَّاعِرُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ رضي الله عنه:
أَرْعَى الأَمَانَةَ، لَا أَخُوْنُ أَمَانَتِيْ *** إنَّ الخَؤُوْنَ عَلَى الطَّرِيْقِ الأَنْكَبِ
عِبادَ اللهِ: قَدْ نَهَانَا اللهُ عَنْ خِيَانَةِ الأَمَانَةِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، وَلَقَدِ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْخِيَانَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ: «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ» [رواه مسلم]،
وَمِنْ أَعْظَمِ الخِيَانَةِ فِي الأَمَانَاتِ خِيَانَةُ عِبَادِ اللهِ الـمُؤْمِنِينَ؛ بِأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالبَاطِلِ، أَوْ الكَذِبِ عَلَيْهِمْ أَوْ خِدَاعِهِمْ أَوْ غِشِّهِمْ أَوْ مُمَاطَلَتِهِمْ في حُقُوْقِهِمْ.
وَمِنْ الأَمَانَاتِ العَظِيْمَةِ تَحَمُّلُ الوِلَايَاتِ العَامَّةِ، كَالِإمَارَةِ وَالقَضَاءِ وَسَائِرِ الوِلَايَاتِ، كَمَنْ اسْتَأْمَنَهُمْ اللهُ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ أَوْ تَعْلِيْمِهِمْ أَوْ صِحَّتِهِمْ، وَتَحَمُّلُ هَذِهِ الوِلَايَاتِ أَمْرٌ عَظِيْمٌ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِيْ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيْفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِيْ عَلَيْهِ فِيْهَا» [رواه مسلم]، وَيُقْصَدُ بِالضَّعْفِ هُنَا: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ الْإِمارَةِ وَتَبِعاتِها. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “هَذَا الحَدِيْثُ أَصْلٌ عَظِيْمٌ فِي اجْتِنَابِ الوِلَايَاتِ، لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيْهِ ضَعْفٌ عَنْ القِيَامِ بِوَظَائِفِ تِلْكَ الوِلَايَةِ”.
وَمِنْ تَضْيِيْع ِالأَمَانَةِ اسْتِغْلَالُ الرَّجُلِ مَنِصَبَهُ الَّذِيْ عُيِّنَ فِيْهِ لِـتَحْصِيْلِ مَنْفَعَةٍ لَهْ، أَوْ لِقَرَابَتِهِ بِمَا لَا يَحِقُّ لَهُمْ، وَمِنْ الصُّوَرِ الظَّاهِرَةِ لِذَلِكَ التَّشَبُّعُ مِنْ الـمَالِ العَامِّ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، وَهَذَهِ جَرِيْمَةٌ وَفَسَادٌ لَا يَرْضَاهُ اللهُ تَعَالَى، وَشَاهِدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزْقْنَاهُ رِزْقًا؛ فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُوْلٌ» [رواه أبو داود، وصححه الألباني]. وَاسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِ بَنِيْ سُلَيْمٍ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَهَلَّا جَلَسْتَ فِيْ بَيْتِ أَبِيْكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟» [رواه البخاري ومسلم].
عِبَادَ اللهِ إِنَّ الْمَالَ الْعَامَّ يَحْرُمُ أَخْذُهُ بِأَيِّ صُورَةٍ؛ فَالْأَخْذُ مِنْهُ غُلُولٌ، وَقد حَذَّرَنا رَبُّنا منه، قالَ تَعالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران:161]، وَإِنَّ لِلْغُلُولِ مِنَ المالِ الْعامِّ صُورًا كَثِيرَةً، مِنْها: اسْتِغْلَالُ الْمَرْكَبَاتِ وَالْمُنْشَآتِ لِلمَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّغاضِي عَنْ بَعْضِ الْأَخْطاءِ فِي تَنْفِيذِ الْعُقُودِ مُقَابِلَ مَصَالِحَ شَخْصِيَّةٍ، وَتَسَاهُلُ بَعْضِ النَّاسِ فِي صِيَانَةِ الْمُنْشَآتِ، وَعَدَمُ الْعِنَايَةِ بِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ اللَّامُبَالَاةُ فِي اسْتِعْمالِ أَجْهِزَةِ التَّكْيِيفِ وَالْأَنْوَارِ، فَتُكَلِّفُ خِزَانَةَ الدَّوْلَةِ فَوَاتِيرَ طَائِلَةً، وَمِنْهُ الْقِيامُ بِتَوْظِيفِ مَنْ لَهُمْ بِهِمْ صِلَةٌ، وَتَقْدِيمِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، مُقَابِلَ مَبَالِغَ مَالِيَّةٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنَ الظُّلْمِ وَاسْتِغْلَالِ السُّلْطَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.
اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ ضَياعَ الْأَمانةِ لا يُعَدُّ خُسارَةً مادِيَّةً فَقَطْ، بَلْ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ، بَلْ يُوجِبُ عَذابَ اللهِ، فَفِي يَوْمِ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ غَلَّهَا»[أخرجه مسلم]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَومٍ، فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فيَقول: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ»
[متفق عليه، واللفظ لمسلم]. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْعُهَدُ الْعَسْكَرِيَّةُ وَغَيْرُها مِنَ الْمُمْتَلَكَاتِ وَالمالِ الْعامِّ.
وَمِمَّا يُذْكَرُ فَيُشْكَرُ فِي هَذَا الـمَقَامِ حَزْمُ وُلَاةِ أَمْرِنَا -وَفَّقَهُمْ اللهُ- فِي مُحَاسَبَةِ الفَاسِدِيْنَ وَمُضَيِّعِيْ الأَمَانَةِ، وَالأَخْذُ عَلَى أَيْدِيْهِمْ، وَرَدُّ الحُقُوْقِ لَأَصْحَابِهَا، فَجَزَى اللهُ عَنَّا وُلَاةَ أَمْرِنَا خَيْرَ الجَزَاءِ عَلَى هَذَا العَمَلِ الصَّالِحِ وَالـمَسْلَكِ الرَّشِيْدِ.
وَيَنْبَغِي عَلَيْنَا جَمِيعًا ألَّا نَتَرَدَّدَ فِي ِإبْلَاغِ الجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الـمُخْتَصَّةِ عَنْ الفَسَادِ وَالـمُفْسِدِيْنَ؛ فَإِنَّ هَذَا الاحْتِسَابَ مِنْ إِنْكَارِ الـمُنْكَرِ. والْمَالِ الْعَامِّ مَسْؤُولِيَّةٌ عامَّةٌ؛ فِي ذِمَّةِ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ .وَفَّقَنَا اللهُ لَأَدَاءِ الحُقُوْقِ وَحِفْظِ الأَمَانَةِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّيْ وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهُ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوانِهِ، أَمَّا بَعدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تَقوَاهُ، وَأدُّوا الأَمَانَةَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَقْوَى اللهِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡما تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡس مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ: بِحِفْظِ الأَمَانَةِ يُحْفَظُ الدِّيْنُ، وَتُصَانُ الأَعْرَاضُ وَالأَمْوَالُ، وَتَسْلَمُ الأَوْطَانُ، وَالأَجْسَامُ وَالأَرْوَاحُ، وتُضْبَطُ الـمَعَارِفُ وَالعُلُومُ، وَالوِلَايَةُ وَالوِصَايَةُ، وَالشَّهَادَةُ وَالقَضَاءُ وَالكِتَابَةُ، وَكُلُّ أَمْرٍ مَحْمُوْدٍ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثَا هَنِيئًا مَرِيعًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا عَامًّا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، اللَّهُمَّ لِتُحْيِيَ بِهِ الْبِلَادَ، وَتُغِيثَ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلَهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا غَرَقٍ، يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.