12 رمضان, 1447

رمضان والدعاء.. آداب وأحكام 10/9/1447ه

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى مَعْشَرَ الصَّائِمِينَ، فَإِنَّ الصِّيَامَ إِنَّمَا شُرِعَ لِتَحْقِيقِ التَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:183]، فَامْتَثِلُوا أَوَامِرَ رَبِّكُمْ، وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ، وَاحْذَرُوا الْهَوَى وَدَوَاعِيَهُ، فَلَا رَاحَةَ لِلنَّفْسِ، وَلَا سَعَادَةَ لَهَا، وَلَا طُمَأْنِينَةَ إِلَّا فِي طَاعَةِ رَبِّهَا، وَالتَّعَلُّقِ بِهِ وَحْدَهُ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا.

عِبَادَ اللهِ: قالَ تَعالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:4]، فَالْإِنْسانُ يُواجِهُ فِي دُنْياهُ الْأَكْدارَ، وَالشَّدائِدَ، وَالِابْتِلاءاتِ، فَوْقَ ما يَنْتَظِرُهُ في الْآخِرَةِ مِنْ أَهْوالٍ وَأُمُورٍ عِظامٍ، وَالْإِنْسانُ ضَعِيفٌ، قالَ تَعالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:28] فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الِاسْتِعانَةِ باللهِ عزَّ وجلَّ:

إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى*** فَأَوَّلُ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ

وَالدُّعاءُ أَقْوَى أَسْبابِ الِاسْتِعانَةِ، وَهُوَ مِنْ قَدَرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، أَمانُ الْخَائِفِينَ، وَمَلْجَأُ المضْطَرِّينَ، يَدْفَعُ الْبَلاءَ، وَيُعَالِجُهُ، وَيَمْنَعُ نُزُولَهُ، فَيَرْفَعُهُ، أَوْ يُخَفِّفُهُ إِذَا نَزَلَ، وَهُوَ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ؛ لِذَا دَعَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ، بَلْ جَعَلَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، قالَ تَعالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. فَالدُّعاءُ سَبِيلُ كُلِّ الْأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ، فَآدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْراهِيمُ وَأَيُّوبُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَنَبِيُّنا صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ كانَ دَيْدَنُهُمُ الدُّعاءَ، يَضْرَعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخاءِ وَالْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، فَلَيْسَ الدُّعاءُ لِطَلَبِ الْعَوْنِ فَقَطْ، بَلْ إِنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ، قَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» [صححه الألباني]. قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعاءِ» [رواه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني]، وَقالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لا يَرُدُّ الْقَضاءَ إِلَّا الدُّعاءُ، وَلا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» [الترمذي، وحسنه الألباني]، وَقالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خائِبَتَيْنِ» [أبو داوود، وابن ماجه].

أيها المؤمنون: أَلَا وَإِنَّ الصِّيَامَ وَالدُّعَاءَ عِبَادَتَانِ جَلِيلَتَانِ، وَمَقَامَانِ عَظِيمَانِ مِنْ مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبَيْنَهُمَا ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ، وَمِمَّا يُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الْعَلَاقَةِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:186]. جَاءَ ضِمْنَ آيَاتِ الصِّيَامِ، وكَذَلِكَ الصِّيَامُ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ المظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المسَافِرِ» [صححه الألباني]. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ فِطْرِهِ أنْ يَقُولَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» [أخرجه أبو داود وحسنه الألباني]. وَقَوْلُهُ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، وإِذَا أَفْطَرَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نَاسٍ قَالَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» [رواه أحمد]. فَهَذِهِ النُّصوصُ تُفِيدُ أَنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَعَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ فَرَبُّنا سُبْحانَهُ قَرِيبٌ سَمِيعٌ مُجِيبٌ مَنّانٌ.

عِبَادَ اللهِ: الرُّوحُ في رَمَضانَ تَسْمُو وَتُقْبِلُ، وَالْقَلْبُ يَرِقُّ وَيَخْشَعُ، وَتَنْدَحِرُ النَّفْسُ وَالْهَوَى وَوَساوِسُ الشَّيْطانِ؛ وَيَتَهيَّأُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَقُومَ داعِيًا بَيْنَ يَدَي رَبِّهِ بِيَقِينٍ، وَذُلٍّ وَإِلْحاحٍ، قالَ تَعالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:62]، وقَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ ‌هَلْ ‌مِنْ ‌دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ» [رواه مسلم]. فَلَكَ الحَمْدُ رَبَّنا خَلَقْتنا مِنْ عَدَمٍ، وَهَدَيْتَنا مِنْ ضَلالَةٍ، وَعَلَّمْتَنا مِنْ جَهْلٍ، وَدَعَوْتَنا لِسُؤَالِكَ، وَأَوْقَفْتَنا بِبابِكَ، وَوَعَدْتَنا بِالْإِجابَةِ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ مَنْ يَدْعُو اللهَ عزَّ وجلَّ لا يَخِيبُ أَبَدًا؛ قَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ما مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها مَأْثَمٌ، وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطاهُ إِحْدَى ثَلاثٍ: إِمَّا أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ دَعْوَتَهُ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها، أَوْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَها» قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، إِذًا نُكْثِرُ قالَ: «اللهُ أَكْثَرُ» [رواه مسلم].

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضِيقُ بِها الْفَتَى *** ذَرْعًا وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ

وَإِنَّ لِعِبَادَةِ الدُّعاءِ آدَابًا شَرْعِيَّةً وَأَحْكَامًا مَرْعِيَّةً، مِنْها: أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُخْلِصًا في دُعائِهِ، وَاثِقًا بِاللهِ، وَأَنَّهُ لا يَقْضِي حاجَتَهُ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ، فَيُفْرِدُ اللهَ بِالدُّعَاءِ، وَلا يَدْعُو غَيْرَهُ دُعَاءَ عِبَادَةٍ، أَوْ تَوَسُّلٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:14]. فَمَنْ دَعَا مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا، نَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا، مَلَكًا أَوْ جِنًّا، فِي حَالِ رَخَاءٍ أَوْ شِدَّةٍ فَقَدِ أَشْرَكَ عِيَاذًا بِاللهِ.

وَمِنْهَا تِكْرَارُ الدُّعَاءِ وَالْإِلْحَاحُ فِيهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِهِ، فَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: “كَانَ رَسُولُ اللهِ  إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا” [رواه مسلم]. وَأَنْ يَفْتَتِحَ الدُّعاءَ بِحَمْدِ اللهِ وَالثَّناءِ عَلَيهِ، وَالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَى النَّبيِّ، وَيَخْتَتِمَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَعْتادَ الدُّعاءَ في السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَلَيْسَ الدُّعاءُ كَالدَّواءِ لا يُؤْخَذُ إِلَّا عِنْدَ المصائِبِ، بَلِ الدُّعاءُ تَعَلُّقٌ بِاللهِ عزَّ وجلَّ عَلَى كُلِّ أَحْوالِكَ.

وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ حُضُورُ القلب، والْبُعْدُ عَنِ الْغَفْلَةِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ؛ إِظْهَارًا لِلتَّذَلُّلِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْحَاجَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ أنَّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَيَا حَبَّذَا الْوُضُوءُ وَاسْتِقْبالُ الْقِبْلَةِ.

وَمِنْهَا أَنْ يَقْرِنَ دُعَاءَهُ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا للِإِجَابَةِ، كَالتَّوَسُّلِ بَأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ، وَالتَّوَسُّلِ إِلَى اللهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا عَلَّمَنَا اللهُ تَعَالَى أَنْ نَقُولَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:193]. فَبَدَأَ بِذِكْرِ الْإِيمانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذِكْرِ الحاجَةِ، وَهِيَ طَلَبُ مغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، وَتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وَالْوَفاةِ مَعَ الْأَبْرَارِ، وَمِنْ أَسْبابِ الْإِجابَةِ أَكْلُ الحلالِ، وَالْبُعْدُ عَنِ الحَرامِ.

وَأَلَّا يَدْعُو بِإِثْمٍ وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَأَلَّا يَعْتَدِيَ فِي الدُّعَاءِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:55]، وَقَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ» [صححه الألباني].

وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يَجْزِمَ فِي الطَّلَبِ وَالْمَسْأَلَةِ، وَلَا يُعَلِّقَهَا عَلَى الْمَشِيئَةِ؛ لِقَوْلِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» [متفق عليه]، وَمِنْهَا أَلَّا يَسْتَعْجِلَ الْإِجَابَةَ، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» [رواه مسلم]، فَمِنَ مَوَانِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ الاستعجال وترك الدُّعَاءَ؛ لِتَأَخُّرِ الْإِجَابَةِ، وَمِنْ مَوانِعِ الإِجابَةِ: الشِّرْكِ وَالْإِصْرارِ عَلَى الذَّنْبِ، وَأَكْلِ أَوْ شُرْبِ الْحَرامِ.

وَمِنْ آدَابِهِ خَفْضُ الصَّوْتِ بَيْنَ الْمُخَافَتَةِ وَالْجَهْرِ، قَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اِرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ» [رواه البخاري ومسلم]. وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْتارَ أَوْقاتَ الْإِجابَةِ، وَمِنْها: عِنْدَ الْفِطْرِ، وَعَصْرُ الجُمُعَةِ، وَفي السُّجُودِ، وَالثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَعِنْدَما يَقُومُ لِلْسُّحُورِ، وَبَيْنَ الْأَذانِ وَالْإِقامَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا خَيْرَ المسْأَلَةِ وَخَيْرَ الدُّعاءِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْواتِ، يُجِيبُ مَنْ دَعاهُ، فَيَكْشِفُ السُّوءَ، وَيُقِيلُ الْعَثَراتِ، وَيَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الْعَالمينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنِ الصِّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: طُوبَى لِمَنِ الْتَزَمَ بِجَوامِعِ الدُّعاءِ، مِمّا كانَ يَدْعُو بِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِثْلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآَجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ تَقْضِيهِ لِي خَيْرًا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِمّا يَجِبُ ذِكْرُهُ في هَذا المقامِ: الدَّعَواتِ الَّتِي لا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الصائِمِ، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ» وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «وَالصَّائمُ حَتَّى يُفْطِرَ» [رواه والترمذي وابن ماجه]، وَدَعْوَةُ المظْلُومِ، وَالمسافِرِ، وَالوالِدِ لِوَلَدِهِ، والمضْطَرِّ، وَدَعْوَةُ ذِي النُّونِ، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] إِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» [رواه الحاكم: وقال: هذا حديث صحيح].

وَقَدْ حَذَّرَنا صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَدْعُوَ علَى أَنْفُسِنا، أَوْ أَبْنائِنا أَوْ أَمْوالِنا، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُم» [رواه مسلم].

وَنُذَكِّرُ أَيُّها الْإِخْوَةُ أَنَّ وِزارَةَ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَعْلَنَتْ عَنْ فَتْحِ بابِ الْحَجْزِ لِحُجّاجِ الدّاخِلِ، مِنَ المواطِنِينَ وَالمقِيمِينَ لِهذا العامِ بِدايَةً مِنْ 15 رَمَضانَ، وَحَتَّى نِهايَةِ شَوّالٍ، فَمَنْ أَرادَ الْحَجَّ فَلْيُبادِرْ بِالحَجْزِ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنّا جَمِيعًا.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِين، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.