28 ذي القعدة, 1447

فريضة الحج 28/11/2026م

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين، مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ؛ لِيَغْفِرَ لَهُمُ الذُّنُوبَ وَالسَّيِّئَاتِ، وَيُجْزِلَ لَهُمُ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، رَبُّ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، دَلَّنَا عَلَى الْخَيْرَاتِ، وَالْأَيَّامِ المعْلُومَاتِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَعَظِّمُوهُ فِي أَعْظَمِ أَيَّامِ الدُّنْيَا، تَزَوَّدُوا فِيهَا مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَجَانِبُوا الْإِثْمَ وَالْهَوَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:30].

عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا أَنَّنَا مُقْدِمُونَ علَى خَيرِ أَيَّامِ الدُّنْيا، وَهِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهَا، قال صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ أيَّامٍ العمَلُ الصَّالِحُ فيها أَحَبُّ إلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ” يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قالوا: يا رسُولَ اللهِ، وَلا الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قالَ: “وَلا الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا ‌رَجُلٌ ‌خَرَجَ ‌بِنَفْسِهِ ‌وَمالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني، فَالْمُوَفَّقُ مَنِ اغْتَنَمَها بِالطَّاعَاتِ، وَالْمَغْبونُ مَنْ فَرَّطَ فِيهَا وَمَلَأَهَا بِالسَّيِّئَاتِ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ الحَجَّ مِنْ أَعْظَمِ الْعِباداتِ، فَهُوَ مِنْ أَركانِ الإسلامِ وَمَبانيهِ العِظامِ، جَعَلَهُ اللهُ فَرْضَ عَيْنٍ علَى المكَلَّفِ المسْتَطِيعِ مَرَّةً واحِدَةً في الْعُمُرِ، قالَ تعَالى:﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:97]، وقالَ صلى الله عليه وسلم: «بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ: شَهادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقامِ الصَّلاةِ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، وَصَوْمِ رَمَضانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ» [متفق عليه]، وَحَجَّ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الْوَداعِ بِالمسْلِمِينَ في السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» [رواه مسلم]

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الْحَجُّ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ؛ فَهُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» [متفق عليه]، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمالِ، وَأَجَلِّ الْقُرُباتِ؛ سئل صلى الله عليه وسلم: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» [متفق عليه]، وَفِي الْحَجِّ تَطْهِيرٌ مِنَ الذُّنُوبِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [رواه البخاري] وَالْحَجُّ يَعْدِلُ الجِهادَ في سَبِيلِ اللهِ؛ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلاَ نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لاَ، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» رواه البخاري وَالحَجُّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَه مِنَ المعاصِي قالَ صلى الله عليه وسلم: «.. وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ…» رواه مسلم وَالحَجُّ وَالعُمْرَةُ يَنْفِيانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ بَيْنَهُمَا، تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ، خَبَثَ الْحَدِيدِ» [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني].

عِبادَ اللهِ: إِنَّ بِلَادَنَا الْمُبَارَكَةَ حُكُومَةً وَشَعْبًا، قَدْ حَمَلَتْ عَلَى عَاتِقِهَا مَسْؤُولِيَّةَ تَنْظِيمِ الْحَجِّ وَخِدْمَةِ الْحَجِيجِ وَسَلَامَتِهِمْ، حَتَّى يُتِمَّ اللَّهُ لَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَهِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَدَرَتِ التَّعْلِيمَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْمُنَظِّمَةِ لِلْحَجِّ، كَالْأَجْهِزَةِ الْأَمْنِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْجِهَاتِ الْخِدْمِيَّةِ، وَهِيَ تَهْدِفُ إِلَى تَحْقِيقِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَحِفْظِ الْأَنْفُسِ، وَتَيْسِيرِ أَدَاءِ النُّسُكِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَنْ يَلْتَزِمَ بِهَذِهِ التَّعْلِيماتِ، وَمِنْ ذَلِكَ عَدَمُ أَدَاءِ الْحَجِّ دُونَ تَصْرِيحٍ نِظَامِيٍّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةٍ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ، وَإِضْرَارٍ بِالْحُجَّاجِ، وَتَعْرِيضِ الْأَنْفُسِ لِلْخَطَرِ، قَالَ تَعَالَى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء:59]، وَيُعَدُّ المخالِفُ لِذَلِكَ مُعْتَدِيًا، قالَ عز وجل: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:190]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه أبو داود، وابن ماجه].

عِبادَ اللهِ: إِنَّ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً، وَالْحَجِيجِ خَاصَّةً، الدُّعَاءَ لِوُلَاةِ أَمْرِ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ، الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، الَّذِينَ يَبْذُلُونَ بِسَخَاءٍ كُلَّ غَالٍ وَنَفِيسٍ فِي خِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَقَاصِدِيهِمَا مِنْ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ عَبْرَ مَا يُقَدَّمُ مِنْ خِدْمَاتٍ لِلْحَجِيجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ، مِنْ تَطَوُّرٍ مُتَوَاصِلٍ وَتَوَسُّعٍ كَبِيرٍ فِي الْمَشْرُوعَاتِ وَالْبُنَى التَّحْتِيَّةِ، وَتَسْخِيرٍ لِلْتِّقْنِيَاتِ الْحَدِيثَةِ، وَتَنْظِيمٍ دَقِيقٍ لِلْحُشُودِ، وَارْتِقَاءٍ بِمُسْتَوَى الْخِدْمَاتِ الصِّحِّيَّةِ وَالْأَمْنِيَّةِ وَالْإِرْشَادِيَّةِ؛ بِمَا يُيَسِّرُ عَلَى الْحُجَّاجِ أَدَاءَ نُسُكِهِمْ بِطُمَأْنِينَةٍ وَيُسْرٍ، فِي ظِلِّ تَوْجِيهَاتِ خَادِمِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكِ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ، وَمُتَابَعَةِ وَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ رَئِيسِ مَجْلِسِ الْوُزَرَاءِ صَاحِبِ السُّمُوِّ الْمَلَكِيِّ الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ -أَيَّدَهُمَا اللَّهُ، وَالشُّكْرُ مَوْصُولٌ لِوِزَارَةِ الشُّؤُونِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالدَّعْوَةِ وَالْإِرْشَادِ، وَمَنْسُوبِي الْوِزَارَةِ كَافَّةً، عَلَى مَا يَقُومُونَ بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ مُبَارَكَةٍ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ؛ مِنْ تَوْعِيَةِ الْحُجَّاجِ، وَنَشْرِ الْعِلْمِ، وَتَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ، وَالْعِنَايَةِ بِالْمَسَاجِدِ وَالْمَوَاقِيتِ، وَتَوْزِيعِ الْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ، وَبَذْلِ الْجُهُودِ الدَّعْوِيَّةِ وَالْإِرْشَادِيَّةِ بِلُغَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ سَائِلِينَ اللَّهَ أَنْ يَجْزِيَ الْجَمِيعَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَأَنْ يُبَارِكَ فِي الْجُهُودِ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَى بِلَادِنَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا وَرَخَاءَهَا، فَالْحَجُّ فُرْصَةٌ لِعِبَادَةِ الدُّعَاءِ لِهَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ حَاضِنَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَلِرِجَالِ أَمْنِهَا، وَالْقَائِمِينَ عَلَى خِدْمَةِ الْحَجِيجِ وَتَيْسِيرِ حَجِّهِمْ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ لِسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِالْحِفْظِ وَالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالرَّخَاءِ.

أيها المؤمنون: إِنَّ مِنْ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ، فَعَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَسْبَابِ الصِّحِّيَّةِ وَالْوَقَائِيَّةِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَمِنْ ذَلِكَ: أَخْذُ اللَّقَاحَاتِ الْمُوصَى بِهَا قَبْلَ الذَّهَابِ لِلْحَجِّ، وَتَجَنُّبُ التَّعَرُّضِ الْمُبَاشِرِ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَاتِّخَاذُ مَا يَقِي مِنْهَا، وَالْحِرْصُ عَلَى شُرْبِ الْمَاءِ بِقَدْرٍ كَافٍ، وَالِالْتِزَامُ بِالْإِرْشَادَاتِ الصِّحِّيَّةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ، فَحِفْظُ النَّفْسِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:299]، وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾[البقرة: 195].

عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْحَجِّ الِالْتِزَامُ بِالسَّكِينَةِ وَالرِّفْقِ فِي الْمَشَاعِرِ وَالطُّرُقَاتِ، وَالْبُعْدُ عَنِ التَّدَافُعِ وَتَعْرِيضِ النَّفْسِ وَالْغَيْرِ لِلْخَطَرِ، وَالتَّقَيُّدُ بِتَنْظِيمَاتِ التَّفْوِيجِ وَمَسَارَاتِ الْحَرَكَةِ، وَالتَّحَلِّي بِالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ، وَمُرَاعَاةُ حُقُوقِ الْآخَرِينَ، فَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي حَجَّتِهِ: «أَيُّها الناسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» [رواه مسلم:1218]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «المسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه]. وَلْيَجْتَهِدْ فِي ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قالَ تَعالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾[الحج:28]. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» رواه مسلم، وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ صِيَاْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رواه مسلم. وَيُشْرَعُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَاْرَكَةِ الْتَّكْبِيْرُ الْمُطْلَقُ طِوَالَ أَيَّامِ الْعَشْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَكَذَلِكَ الْتَّكْبِيْرُ الْمُقَيَّدُ وَيَكُوْنُ بَعْدَ الْصَّلَوَاْتِ الْمَكْتُوْبَةِ، وَيَبْدَأُ مِنْ فَجْرِ يَومِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحاجِّ، وَمِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِلْحَاجِّ إِلَى عَصْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَشْرِيقِ، فَيُكَبِّرُ الْمُسْلِمُوْنَ بَعْدَ الْصَّلَاْةِ وَيَرْفَعُوْنَ أَصْوَاْتَهُمْ بِهِ، وَمِنْ صِيَغِهِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَاْ إِلَهَ إَلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ النَّجَاةِ لِلْعَبْدِ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؛ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَطِيعِ أَنْ يُبَادِرَ لِأَدَاءِ الْفَرِيضَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْمُسْلِمُ لِعُذْرٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَلَمْ يَحُجَّ، فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمُ، وَعَلَى وَرَثَتِهِ أَنْ يَحُجُّوا عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ إِنْ تَرَكَ مَالًا، أَوْ يَتَطَوَّعَ بَعْضُ أَقَارِبِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَيَحُجُّوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ، وَمَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ وَهُوَ قَادِرٌ مُسْتَطِيعٌ، وَلَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ لِهَذَا التَّأْخِيرِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96، 97].

باركَ اللهُ لي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظيمِ، وَنَفَعَنِي وَإيَّاكُمْ بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ، فَاسْتَغْفِروا اللهَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أمَّا بَعْدُ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ الْفائِزَ حَقًّا مَنِ اغْتَنَمَ هَذِهِ الْأَيَّامَ المبارَكَةَ في الذِّكْرِ وَالطّاعَةِ، وَاجْتَنَبَ اللَّغْوَ وَالْآثامَ، وَمِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ عز وجل: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ، وَالْتِزَامُ طَاعَةِ اللهِ، وَالْبُعْدُ عَنْ كُلِّ مَا يُخَالِفُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وكَذَلِكَ المحافَظَةُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَأَدَائِهَا بِإِتْقانٍ، فَفَي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ يَقُولُ عز وجل: «وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِليَّ مِمَا افتَرَضْتُهُ عَلَيهِ» صحيح الجامع. ومِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ذَبْحُ الْأَضْاحِيْ فَهِيَ سُنَّةُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهَدْيِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.