7 محرم, 1448

شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّم وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ 4/1/1448ه

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الحَمْدُ للهِ مُصَرِّفِ الأَيَّامِ وَالشُّهُوْرِ، يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ، وَهُوَ عَلِيْمٌ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ مَا تَعَاقَبَتِ السَّنَوَاتُ وَالشُّهُوْرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الحَسِيْبُ الرَّقِيْبُ وَهُوَ الغَفُوْرُ الْوَدُودُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الشَّافِعُ الـمُشَفَّعُ يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُوْرِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:36]، هَا قَدْ أَظَلَّنا آخِرُ هَذِهِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وَهُوَ شَهْرُ اللهِ الـمُحَرَّمُ الَّذِيْ لَهُ مِنَ الـمَنْزِلَةِ الْعَظِيمَةِ فِي دِينِنا.

مَعَاشِرَ المسْلِمِينَ: قالَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]؛ قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَصْلٌ فِي مُحَاسَبَةِ الـمُسْلِمِ نَفْسَهُ، وَلا يَرْتَبِطُ ذَلِكَ بِتَوْقِيْتٍ مُعَيَّنٍ، ولَيْسَ لِبِدَايَةِ عَامٍ أَو نِهَايَتِهِ عِبَادَةٌ مَشْرُوْعَةٌ، وَلَا ذِكْرٌ وَارِدٌ، وَلَا دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ، وَلَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ مَعَ تَصَرُّمِ الْأَعْوامِ وَنُقْصانِ الْأَعْمارِ يَجْدُرُ بِالـمُسْلِمِ أَنْ يُحاسِبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ، ونِهَايَةُ العَامِ وَبِدَايَةُ غَيْرِهِ تُذَكِّرُنَا بِهَذِهِ المحاسَبَةِ، فَالتَّاجِرُ يَرْصُدُ فِي كُلِّ عَامٍ أَرْبَاحَهُ وَخَسَائِرَهُ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي عَامِهِ الَّذِي انْصَرَمَ، أَوْ شَهْرِهِ الَّذِي مَضَى، أَوْ يَوْمِهِ الَّذِي انْقَضَى؛ مَاذَا كَسَبَ فِيْهِ مِنْ الحَسَنَاتِ، فَيَسْأَلَ اللهَ الْقَبُولَ، وَيَتَذَكَّرُ مَا اقْتَرَفَ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَالتَّقْصِيرِ، فَيَسْتَغْفِرَ اللهَ وَيَتُوْبَ إلَيْهِ، وَيَعْزِمَ أَلَّا يَعُودَ، وَمَا أَصْدَقَ الشَّاعِرَ:

فَلَوْ أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا

وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا

لَكَانَ المَوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيّ

وَنُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيّ

 

إِنَّ مَا فَاتَ لا يَمُوْتُ، وَسَيَلْقَاهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ، فَالتَّوْبَةَ التَّوْبَةَ، قالَ تَعالَى: ﴿يوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]، قالَ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: “مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِيْ عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ؛ نَقَصَ فِيْهِ أَجَلِيْ وَلَمْ يَزِدْ فِيْهِ عَمَلِيْ”. وَذَكَرَ الإمَامُ أَحْمَدُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَحِمَهُمَا اللهُ أَنَّهُ قَالَ: “مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: “حَقٌّ عَلَى العَاقِلِ أَلَّا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يُنَاجِيْ فِيْهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيْهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُوْ فِيْهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِيْنَ يُخْبِرُوْنَهُ بِعُيُوْبِهِ وَيَصْدُقُوْنَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يُخَلِّيْ فِيْهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيْمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ، فَإِنَّ فِيْ هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ وَإِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ”.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لقَدْ أَوْصَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصِّيَامِ فِي شَهْرِ اللهِ الـمُحَرَّمِ، وَجَعَلَ لِلصَّوْمِ فِيْهِ فَضْلًا عَلَى الصَّوْمِ فِي غَيْرِهِ مَا عَدَا صَوْمَ رَمَضَانَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الـمُحَرَّمُ» رواه مسلم. فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَبْدَأَ عَامَنَا بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْهَا صَوْمُ بِضْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الـمُبَارَكِ؛ لِعِظَمِ ثَوَابِهِ عِنْدَ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ صِيَامُ عَاشُوْرَاءَ: وَهُوَ اليَوْمُ العَاشِرُ، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى نَبِيّهِ مُوْسَى عليه السلام وَقَوْمِهِ حِيْنَ أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَونَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: 6]، وَلِهَذَا؛ سَنَّ لَنَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم صِيَامَ هَذَا اليَوْمِ، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: “قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ”. رواه البخاري. وَأَخْبَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ صَوْمَهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ السَّنَةِ الـمَاضِيَةِ، فَعَنْ أَبِيْ قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَة َالَّتِي قَبْلَهُ» رواه مسلم. وَصِيَامُ التَّاسِعِ مَعَ العَاشِرِ مُسْتَحَبٌّ مُخَالَفَةً لِلْيَهُوْدِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَئِنْ بَقِيْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُوْمَنَّ التَّاسِعَ» رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.

أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ: لَا بُدَّ لَنا مِنْ وَقَفَاتٍ مَعَ بَعْضِ الْعِظاتِ وَالْعِبَرِ في هَذِهِ القِصَّةِ العَظِيْمَةِ:

وَأُوْلَى هَذِهِ الوَقَفَاتِ: أَنَّ قِصَّةَ نَجَاةِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مِنْ فِرْعَوْنَ فِي عَاشُوْرَاءَ تُعَلِّمُنَا التَّوْحِيْدِ: فَتَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي تَدْبِيْرِ اللهِ لِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ الخَالِقُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ، فَقَدْ حَوَّلَ اللهُ البَحْرَ طَرِيْقًا يَابِسًا؛ لِيَجْعَلَهُ سَبَبًا لِنَجَاةِ عِبَادِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، وَتَوْحِيْدُ الأُلُوْهِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ القِصَّةِ بِالدُّعَاءِ وَصِدْقِ التَّوَكُلِ وَالخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالتَّعْظِيْمِ للهِ، وَتَوْحِيْدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يَتَجَلَّى عِنْدَ اسْتِحْضَارِ كُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى، فَاللهُ هُوَ القَادِرُ الَّذِي أَمَرَ البَحْرَ فَانْفَلَقَ، وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ العَلِيْمُ، الَّذِيْ سَمِعَ دَعَوَاتِ عِبَادِهِ الـمُسْتَضْعَفِينَ، وَرَأَى عَدُوَّهُمْ يُطَارِدُهُمْ، وَعَلِمَ بِحَالِهِمْ، وَهُوَ الرَّؤُوْفُ الرَّحِيْمُ بِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ القَرِيْبُ الـمُجِيْبُ لِدُعَائِهِمْ، وَهُوَ العَزِيْزُ الجَبَّارُ الَّذِيْ انْتَقَمَ لَهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَهْلَكَهُ وَقَوْمَهُ.

الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ دِيْنَ اللهِ مَنْصُورٌ، وأَنَّ الحَقَّ غَالِبٌ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة 21]. فَقَدْ اسْتَبْطَأَ بَعْضُ بَنِيْ إسْرَائِيْلَ النَّصْرَ، لَكِنْ حِيْنَمَا أَذِنَ اللهُ بِنَصْرِهِمْ، أَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ وَمَكَّنَهُمْ فِي الأَرْضِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُوْنَ.

الوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ شُكْرَ اللهِ عَلَى النِّعْمَةِ؛ إِنَّمَا يَكُوْنُ بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ بِمَا شَرَعَ، وَلَا يَكُوْنُ بِمَعْصِيَتِهِ وَلا بِالابْتِدَاعِ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَامَ ذَلِكَ اليَوِمَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَقَبْلَهُ فَعَلَ نَبِيُّ اللهِ مُوْسَى عليه السلام مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْعِ اللهِ فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ أَنْ نُظْهِرَ الفَرَحَ بِارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنَ الـمَعَاصِيْ، أَوْ فِعْلِ البِدَعِ الَّتِي تُخالِفُ شَرْعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ: إِنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ لَا يَعْنِي التَّوَاكُلَ، فَتَرْكُ الأَسْبَابِ نَقْصٌ فِي العَقْلِ، وَخَلَلٌ فِي تَطْبِيْقِ الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالأَسْبَابِ وَحْدَهَا شِرْكٌ، وَدِيْنُنُا يُعَلِّمُنَا الوَسَطِيَّةَ؛ فَاللهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ السَّبَبَ وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُنَا وَخَالِقُ الأَسْبَابِ، وَأَنَّ الأَسْبَابَ مُؤَثِّرَةٌ لَكِنْ بَقَدَرِ اللهِ وَمَشِيْئَتِهِ، فَقَدْ كَانَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لِبَنِي إِسْرَائِيْلَ البَحْرَ طَرِيْقًا يَبَسًا مِنْ غَيْرِ ضَرْبَةِ عَصَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ كَانَ سُبْحَانَهُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُهْلِكَ فِرْعَونَ وَهُوَ فِي قَصْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُطَارِدَهُمْ أَصْلًا، لَكِنَّ اللهَ يُعَلِّمُ عِبادَهُ الْأَخْذَ بِالْأَسْبابِ دُوْنَ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْقُلُوْبُ بِهَا.

الوَقْفَةُ الخَامِسَةُ: الخَوْفُ مِنْ الأَخْطَارِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ وَطَبِيْعَةٌ بَشَرِيَّةٌ، وَهُوَ الشُّعُوْرُ الَّذِيْ رَاوَدَ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ حِيْنَمَا رَأَوْا جَيْشَ فِرْعَوْنَ يَقْتَرِبُ مِنْهُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أصحاب مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 62]. لَكِنَّ الإِيْمَانَ بِاللهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ يَصْرِفُ هَذَا الخَوْفَ، وَيُرْشِدُ الإِنْسَانَ إِلَى التَّصَرُّفِ السَّلِيْمِ حِيْنَمَا يَثِقُ بِوَعْدِ اللهِ وَحُسْنِ تَدْبِيْرِهِ، وَلِهَذَا كَانَ جَوَابُ مُوْسَى عليه السلام لِقَوْمِهِ وَاضِحًا لَا لَبْسَ فِيْهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ بِكُلِّ ثِقَةٍ:﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّيْ سَيَهْدِيْنِ﴾[الشعراء: 62]. اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الفّزَعِ الأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ الجَزِيْلَةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَطَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَزِيْدِ فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، والصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّهِ الهَادِيْ إِلَى رِضْوَانِهِ، أَمَّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنِ اسْتَرْشَدَهُ هَدَاهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:35].

عِبادَ اللهِ: الوَقْفَةُ السَّادسةُ والأَخِيْرِةُ: إِنَّ الـمُعَلِّمَ وَالـمُرَبِّيَ الصَّالِحَ يَسْتَثْمِرُ الـمَوَاقِفَ لِخِدْمَةِ دِيْنِ اللهِ تَعَالَى، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لـَمَّا وَجَدَ اليَهُوْدَ يَصُوْمُونَ عَاشُوْرَاءَ، اسْتَثْمَرَ هَذَا الحَدَثَ، فَسَأَلَ عَنْ سَبَبِهِ، ثُمَّ أَبْلَغَ صَحَابَتَهُ الكِرَامَ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِمُوْسَى عليه السلام فَصام ذَلِكَ اليَوْمَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ؛ شُكْرًا للهِ عَلَى نِعْمَتِهِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفافَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.