19 ذي القعدة, 1445

يوم الجمعة
بين المعاني الروحية والمعالم الحضارية

بقلم/ أ.د.حسن أبوغدة

تمهيد:
يوم الجمعة أحدُ أيام الأسبوع, كان يسمى في الجاهلية: يوم العُروبة. ثم سُمِّي بيوم الجمعة؛ لأن آدم – عليه السلام- جُمع خلقه فيه, أي: كان خلقه في يوم الجمعة. وقيل: لأن أهل الإسلام يجتمعون فيه للصلاة، وللتواصل الاجتماعي… وقيل غير ذلك…

منزلة يوم الجمعة:
ليوم الجمعة منزلة عالية في الإسلام, فهو سيد أيام الأسبوع وأفضلها, وبه اختُصت أمة الإسلام دون غيرها. روى مسلم وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة, فيه خُلِق آدم, وفيه أدخل الجنة…”.
وروى مسلم وابن ماجه والبزَّار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أضلَّ الله تبارك وتعالى عن الجمعة من كان قبلنا, كان لليهود يوم السبت, والأحد للنصارى, وهدانا الله ليوم الجمعة, فهم لنا تبع إلى يوم القيامة, نحن الآخِرون من أهل الدنيا, والأولون يوم القيامة, المقضيُّ لهم قبْل الخلائق “.

إجابة الدعاء في يوم الجمعة:
خص الله تعالى يوم الجمعة بساعة مباركة يستجاب فيها الدعاء, روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: ” فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم, وهو قائم يصلي, يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله إياه, وأشار بيده يقلُّلُها “.
قال بعض العلماء: وقت هذه الساعة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقال جماعة: هي عند زوال الشمس وقت خطبة وصلاة الجمعة. وقال آخرون: هي من بعد زوال العصر إلى غروب الشمس.
والذي يبدو: أن الله تعالى أخفى وقتها, وجعلها غير معروفة بالتحديد؛ ليزيد الناس من إقبالهم على تحريها وطلبها في عموم اليوم, فتزداد أعمالهم خيرا وصلاحاً, وتوثق صلتهم بالله تعالى, فتُسعَدَ حياتهم، ويرقى مجتمعهم.

معاني روحية ومعالم حضارية:
إذا كانت هذه منزلة يوم الجمعة, فجدير بالفرد المسلم أن يتحرى المعاني الروحية والمعالم الحضارية المشروعة في هذه المناسبة الأسبوعية، وهي عبارة عن أحكام وآداب وتراتيب اجتماعية حضارية، هي أشبه بجدول أعمال, يُقْصَد به تحقيق أعلى قدر من السمو الروحي والتواصل الاجتماعي. ومن هذه التراتيب والآداب والمعالم ما يلي:

1ـ سلوك صحي ومظهر اجتماعي:
شرع الله تعالى ليوم الجمعة مجموعة من الآداب والفضائل، التي يتجلى فيها السلوك الصحي السليم، والمظهر الاجتماعي الكريم في حياة كل فردٍ مسلم, ومن ذلك أنه دعا إلى غسل الجسم في يوم الجمعة, ولبس الملابس الحسنة، ورغب في النظافة والتطيب، والظهور للناس بهيئة حسنة ومظهر جميل. روى ابن خزيمة في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسَّل رأسه, ثم تطيَّب من أطيب طيبه, ولبس من صالح ثيابه, ثم خرج إلى الصلاة, ولم يفرق بين اثنين, ثم استمع إلى الإمام, غُفِر له من الجمعة إلى الجمعة, وزيادة ثلاثة أيام “.
وبهذا فتح الإسلام للمسلمين مبدأ الحرص على الصحة العامة بالاغتسال وإزالة الأدران عن الأجسام، والسعي إلى تحسين المظاهر في كل وقت وحين, وخاصة عند التقائهم ببعضهم واجتماعهم في المساجد والمحافل والمنتديات.

2ـ فضلُ ليلة الجمعة وفجرها:
فضلَّ الله الأوقات بعضها على بعض, وخصَّ كلاً منها بمزية وثواب, ومن ذلك ليلة الجمعة وصباحها, ففي ليلتها تعرض الأعمال على الله تعالى, وفي فجرها يغفر للمصلين. روى البخاري في تاريخه وأحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن أعمال بني آدم تعرض علـى الله عشية كل خميس ليلة الجمعة, فلا يقبل عمل قاطع رحم “.
وروى الطبراني والبيهقي أن رسول الله قال: ” ليس من الصلوات صلاة أفضل مـن صلاة الفجر يوم الجمعـة في الجماعة, وما أحسب من شهدها منكم إلا مغفوراً له “. فأين من هذه المغفرة؟ وأين من ذاك الثواب؟ أولئك الذين يطيلون السهر ليلة الجمعة, ثم ينامون عن صلاة الفجر التي تشهدها ملائكة الرحمن؟!.

3ـ عدم إفراد الجمعة بالصوم:
من صفات يوم الجمعة أنه يوم التقاء المسلمين وتواصلهم, فيه يجتمعون ويتزاورون, ويحتفي بعضهم ببعض, وهو بهذا الوصف لا يصلح أن يفرد بالصوم, لما قد يسـببه من وحشـة في نفوس المضيفيـن المحتفين بزوارهم, وفي هذا روى البزار بإسناد حسـن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن يوم الجمعة عيدكم، فلا تصوموه إلا أن تصوموا قبله أو بعده “.

4ـ قراءة بعض سُوَر القرآن:
من السلوك الإسلامي المرغوب فيه يوم الجمعة، قراءة بعض سُوَر القرآن, والتدبـر في مضامينها والاعتبار بمـا فيها, ومن هذه السور: سـورة هود, وسورة الكهف, وسورة يس, وسـورة الدخان. روى البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” اقرؤوا سورة هود يوم الجمعة “. وفي رواية أخرى له: ” من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين “. وروى الأصبهاني أن رسول الله قال: ” من قرأ سورة يس في ليلة الجمعة غُفر له “. وروى الطبراني حديث: ” من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتاً في الجنة “.
ومما يجدر ذكره هنا: أن هذه السور الأربع مكية, وهي تعنى بالبناء العقائدي للمسلم, وتمنحه مزيداً من المشاعر الإيمانية, وتعرِّفه بحياة النبيين ودعاة الخير والإصلاح في الأمم السابقة، وما عانوه من ابتلاء وشدة, بسبب تمسكهم بتعاليم الله وشرائعه، ودعوتهم إلى الخير، حتى كتب الله تعالى لهم ولدعواتهم التأييد والنصر. فجدير بالمسلم أن يستلهم هذه العبر والعظات من تلك السور, ليتقوى بها على مصابرة الحياة ومجالدة المصاعب والنهوض بالمجتمعات في كل زمان ومكان.

5ـ الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
وردت أحـاديـث عديـدة فيها دعوة المسـلم إلـى الإكثار من الصلاة علـى النبي صلى الله عليه وسلم فـي ليلة الجمعـة ويـومها, ومـن ذلـك حديـث البيهـقي: ” أكثروا من الصلاة عليَّ في ليلة الجمعة ويوم الجمعة, فمن فعل ذلك كنت له شهيداً وشافعاً يوم القيامة “.
ولا شك أن للنبي صلى الله عليه وسلم حقاً على عموم المسلمين, لأنه هاديهم إلى الخير ومرشدهم إلى الجنة, فكان الواجب على كل مسلم أن يصلي على هذا النبي الكريم ويثني عليه خيرا, وبخاصة في هذه المناسبة الأسبوعية، التي يتصاعد فيها السلوك الإسلامي، وترتقي الأحاسيس والمشاعر الدينية؛ لتتوافق مع دعوات القرآن: ” يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ً”. الأحزاب / 56.

فضلاً عما في الإكثار من الصلاة عليه من وجوه الدلالة على شدة محبته، والرغبة في القرب منه، والتأسي بسلوكه ، ومن المقولات الشائعة ذات الدلالات المسلَّمة: ” من أحب شيئا أكثر من ذكره “. فهلا حرص المسلمون على الالتزام بذلك في كل حال ووقت, وبخاصة ليلة الجمعة ويومها، اللذين سماهما النبي بالليلة الزهراء, واليوم الأزهر.

6ـ التبكير إلى المساجد وتجنب تخطى الرقاب:
من الأمور التي تدل على محبة القرب من الله تعالى التبكير إلى المساجد، والجلوس إلى الله تعالى في بيوته التي أذن أن يُرفع شأنها على غيرها, حيث تتوارد عليها الملائكة, وتحفها السكينة, ويُستجلَب فيها الخشوع, ويزيد فيها الإيمان. روى أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا كان يوم الجمعة خرجت الشياطين يُؤخِّرون الناس في أسواقهم, وقعدت الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الناس على مقدار منازلهم: السابق والمصلي والذي يليه.. حتى يخرج الإمام “. وفي رواية: ” تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد، معهم الصحف يكتبون الناس, فإذا خرج الإمام طويت الصحف “.

أما تخطي الرقاب وإيذاء الناس وهم جلوس في المساجد مندمجون في العبادة بصفاء ونقاء وطهر نفس, فذلك من أبغض الأعمال عند الله تعالى, لما يتضمنه من إضاعة لوقار المسجد, وتعدٍّ على مقامات الناس فيه, حيث تتساوى الأرجل والمناكب، ويؤذَى الناس في مشاعرهم ونفوسهم. روى الترمذي وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من تخطَّى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً إلى جهنم “. وروى أحمد وغيره أن رجلاً جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة, والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب, فقال له: ” اجلس, فقد آذيت وآنيت “. ومعنى آنيت: تأخرت في المجيء ثم آذيت الناس بهذا الفعل.

7ـ الإنصات لخطبة الجمعة:
شرع الله تعالى خطبة الجمعة نقطة انطلاق لدراسة المشكلات الاجتماعية الأسبوعية ومعالجتها, وتوعية الناس والارتقاء بهم وتبصيرهم بأمور الدين والدنيا, وتحديد موقف الإسلام مما يجد في الحياة من أحداث ووقائع. ودعا المسلمين إلى الإنصات لخطيب الجمعة ومتابعة كلامه والاستفادة منه, وذلك لتحقيق أعلى قدر من أهداف خطبة الجمعة، وما تتضمنه من توعية وتوجيه ومعالجة لقضايا المجتمع وبناء لحاضره ومستقبله. فضلاً عما في الاستماع والإنصات من دلالة على قوة الاستقبال عند المستمع، وتطلعه للاستفادة من كل ما يلقى عليه من توجيه وموعظة.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من الإعراض عن خطيب الجمعة أو التشاغل عن سماع كلامه, إذ إن ذلك قد يحبط العمل ويضيع الثواب. ففي حديث للشيخين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت “. أي: لم تنل ثواب صلاة الجمعة. وروى أحمد والبزار والطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب, فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً, والذي يقول له: أنصت, ليس له جمعة “. وذلك لأن كلاً منهما انشغل عن متابعة خطبة الجمعة والاستفادة مما فيها. فضلاً عما في توسع الحديث وانتشاره بين الحاضرين – والإمام يخطب- من انتشار للضوضاء والفوضى, وتعطيل لأهداف خطبة الجمعة وإخلال بمكانة المسجد ووقار المناسبة.
ومثلُ ما تقدم م في المؤاخذة وقلة الثواب، التأخرُ عمداً عن حضور بداية خطبة الجمعة, والغفلة أو النوم حال خطبة الإمام، أو الانشغال عن سماع الخطبة بأي شاغل أو صارف؛ لأن هذه الأمور ونحوها مما لا يتحقق معها الهدف المنشود من مشروعية خطبة الجمعة.

8ـ معالم أخرى في يوم الجمعة:
يشتمل يوم الجمعة على معالم حضارية أخرى، ترتقي بالفرد المسلم وبالمجتمع المسلم نحو الكمال والعزة والسمو, ومن ذلك: أن يوم الجمعة يمثل منارة في النظام الاجتماعي الذي يمارسه المسلمون بسمو واحترام, فكل شيء فيه له وقته، ومناسبته، وترتيبه، من نظافة، ولبس ثياب حسنة، ثم تطيب، ثم تبكير إلى المسجد, ثم قراءة للقرآن، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنصات لخطبة الجمعة…
ومن تلك المعالم الحضارية أنه في يوم الجمعة تتجلى الوحدة الإنسانية بين الجميع, لا فرق بين كبير وصغير, وغني وفقير, وقريب وغريب، الكل سواسية, يمارسون عبادتهم بحرية كاملة وصفاء مشهود, دون تعصب أو تفرقة, أكرمُهم عند الله أتقاهم.
ومن ذلك أن يوم الجمعة مناسبة كريمة لتجديد العلاقات وتوثيق الصلات بين أهل الحي بعضهم ببعض, وبين الأصحاب والمعارف، الذين قد لا تمكِّنهم ظروفهم وأحوالهم من الالتقاء ببعضهم إلا في صلاة الجمعة في المسجد الجامع…

الخاتمـة:
وهكذا إذا تأملنا فيما سبق، تبين لنا أن ليوم الجمعة أهدافاً ومقاصد ومعاني روحية، وقيماً ومعالم تربوية وصحية واجتماعية حضارية، حرص عليها الإسلام، وتحرَّاها في جملة أحكامه وآدابه وتوجيهاته التي شرعها في هذا اليوم, ومن هنا كان يوم الجمعة سيد أيام الأسبوع وأفضلها.