4 شعبان, 1447

شهر الله المحرم ويوم عاشوراء 9/ 1/ 1447 ﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ؛ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يا أَيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْ عِدَّةِ الشُّهُوْرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ [التوبة:36] وَآخِرُ هَذِهِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ شَهْرُ اللهِ الـمُحَرَّمُ، الَّذِيْ أَظَلَّنا قَبْلَ أَيَّامٍ، وَهُوَ أَوَّلُ شُهُوْرِ السَّنَةِ الِهجْرِيَّةِ، وَلَهُ مِنَ الـمَكَانَةِ مِثْلُ ما لبَقِيَّةِ الشُّهُوْرِ الحُرُمِ قَبْلَهُ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لقَدْ أَوْصَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصِّيَامِ فِي شَهْرِ اللهِ الـمُحَرَّمِ، وَجَعَلَ لِلصَّوْمِ فِيْهِ فَضْلًا عَلَى الصَّوْمِ فِي غَيْرِهِ مَا عَدَا صَوْمِ رَمَضَانَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الـمُحَرَّمُ»[رواه مسلم]. فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَبْدَأَ عَامَنَا بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْهَا صَوْمُ بِضْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الـمُبَارَكِ؛ لِعِظَمِ ثَوَابِهِ عِنْدَ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ صِيَامُ عَاشُوْرَاءَ: وَهُوَ اليَوْمُ العَاشِرُ مِنْ الشَّهْرِ، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ فِيِهِ نَبِيَّهُ مُوْسَى عليه السلام وَقَوْمَهُ مِنْ فِرْعَونَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم:6]، وَلِهَذَا؛ سَنَّ لَنَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم صِيَامَ هَذَا اليَوْمِ، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: “قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ” رواه البخاري. وَأَخْبَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ صَوْمَهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ السَّنَةِ الـمَاضِيَةِ، فَعَنْ أَبِيْ قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَة َالَّتِي قَبْلَهُ» رواه مسلم. وَصِيَامُ التَّاسِعِ مَعَ العَاشِرِ مُسْتَحَبٌّ مُخَالَفَةً لِلْيَهُوْدِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَئِنْ بَقِيْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُوْمَنَّ التَّاسِعَ» رواه مسلم وأبو داود وغيرهما. وَلَا بُدَّ لَنا مَعَ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ وَقَفَاتٍ:

وَأُوْلَى هَذِهِ الوَقَفَاتِ: أَنَّ نَجَاةَ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مِنْ فِرْعَوْنَ فِي عَاشُوْرَاءَ تُعَلِّمُنَا أَنْوَاعَ التَّوْحِيْدِ الثَّلَاثَةَ: فَتَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي تَدْبِيْرِ اللهِ لِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ الخَالِقُ، يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مَتَى شَاءَ، وَكَيْفَ شَاءَ، فَقَدْ حَوَّلَ اللهُ البَحْرَ طَرِيْقًا يَابِسًا؛ لِيَجْعَلَهُ سَبَبًا لِنَجَاةِ عِبَادِهِ، وَتَوْحِيْدُ الأُلُوْهِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ القِصَّةِ بِالدُّعَاءِ وَصِدْقِ التَّوَكُلِ، وَالخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالتَّعْظِيْمِ للهِ، وَتَوْحِيْدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يَتَجَلَّى عِنْدَ اسْتِحْضَارِ كُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى، مِمَّا يُنَاسِبُ أَحْدَاثَ هَذِهِ القِصَّةِ، فَاللهُ هُوَ القَادِرُ أَمَرَ البَحْرَ فَانْفَلَقَ، وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ العَلِيْمُ سَمِعَ دَعَوَاتِ عِبَادِهِ الـمُسْتَضْعَفِينَ، وَرَأَى عَدُوَّهُمْ يُطَارِدُهُمْ، وَعَلِمَ بِحَالِهِمْ، وَهُوَ الرَّؤُوْفُ الرَّحِيْمُ بِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ القَرِيْبُ الـمُجِيْبُ لِدُعَائِهِمْ، وَهُوَ العَزِيْزُ الجَبَّارُ انْتَقَمَ لَهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهُ، فَأَغْرَقَهُمْ فِيْ اليَمِّ.

الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ دِيْنَ اللهِ مَنْصُورٌ، وأَنَّ الحَقَّ غَالِبٌ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ، أوْ اسْتَبْطَأَ بَعْضُ الـمُؤْمِنِيْنَ ذَلَكَ النَّصْرَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:21]. فَقَدِ اسْتَبْطَأَ بَعْضُ بَنِيْ إسْرَائِيْلَ النَّصْرَ، وَاشْتَكَوْا إِلَى مُوْسَى عليه السلام لَكِنْ حِيْنَمَا أَذِنَ اللهُ بِنَصْرِهِمْ؛ جَاءَهُمْ الفَرَجُ، وَأَهْلَكَ اللهُ عَدُوَّهُمْ، وَمَكَّنَهُمْ فِي الأَرْضِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُوْنَ.

الوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ شُكْرَ اللهِ عَلَى النِّعْمَةِ؛ إِنَّمَا يَكُوْنُ بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ بِمَا شَرَعَ، وَلَا يَكُوْنُ بِمَعْصِيَتِهِ وَلا بِالابْتِدَاعِ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَامَ ذَلِكَ اليَوِمَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَقَبْلَهُ فَعَلَ نَبِيُّ اللهِ مُوْسَى عليه السلام مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْرَعِ اللهُ سُبْحَانَهُ وَلَا نَبِيُّهُ صلى الله عليه وسلم لَنَا فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ وَلَا فِي غَيْرِهِ أَنْ نُظْهِرَ الفَرَحَ بِارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنَ الـمَعَاصِيْ، وَلَا بِمُخَالَفَةِ الشَّرْعِ وَفِعْلِ البِدَعِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.

الوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ لَا يَعْنِي التَّوَاكُلَ، فَتَرْكُ الأَسْبَابِ نَقْصٌ فِي العَقْلِ، وَخَلَلٌ فِي تَطْبِيْقِ الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالأَسْبَابِ وَحْدَهَا نَقْصٌ فِي الدِّينِ، وَدِيْنُنُا يُعَلِّمُنَا الوَسَطِيَّةَ؛ فَاللهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ السَّبَبَ وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُنَا وَخَالِقُ الأَسْبَابِ، وَأَنَّ الأَسْبَابَ مُؤَثِّرَةٌ لَكِنْ بَقَدَرِ اللهِ وَمَشِيْئَتِهِ، وَنُلاحِظُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوْسَى عليه السلام فَقَدْ كَانَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الْبَحْرَ طَرِيْقًا مِنْ غَيْرِ ضَرْبَةِ عَصَا، أَوْ أَنْ يُهْلِكَ فِرْعَونَ وَهُوَ فِي قَصْرِهِ، قَبْلَ أَنْ يُطَارِدَهُمْ أَصْلًا، لَكِنَّ اللهَ يُعَلِّمُ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ وَيُعَلِّمُنَا أَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا قَدَّرَهَا لَنَا، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّخِذَهَا دُوْنَ أَنْ نُعَلِّقَ قُلُوْبَنَا بِهَا.

الوَقْفَةُ الخَامِسَةُ: الخَوْفُ مِنَ الأَخْطَارِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ وَطَبِيْعَةٌ بَشَرِيَّةٌ، وَهُوَ الشُّعُوْرُ الَّذِيْ رَاوَدَ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ، حِيْنَمَا رَأَوْا جَيْشَ فِرْعَوْنَ يَقْتَرِبُ مِنْهُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾[الشعراء:62]. لَكِنَّ الإِيْمَانَ بِاللهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ يَصْرِفُ هَذَا الخَوْفَ، وَيُرْشِدُ الإِنْسَانَ إِلَى التَّصَرُّفِ السَّلِيْمِ حِيْنَمَا يَثِقُ بِوَعْدِ اللهِ وَحُسْنِ تَدْبِيْرِهِ، وَلِهَذَا كَانَ جَوَابُ مُوْسَى عليه السلام لِقَوْمِهِ وَاضِحًا لَا لَبْسَ فِيْهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ بِكُلِّ ثِقَةٍ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّيْ سَيَهْدِيْنِ﴾[الشعراء:62]. اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الفّزَعِ الأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ الجَزِيْلَةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَطَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَزِيْدِ فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، والصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّهِ الهَادِيْ إِلَى رِضْوَانِهِ، أَمَّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنِ اسْتَرْشَدَهُ هَدَاهُ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16].

الوَقْفَةُ السَّادسةُ مِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: أَنَّ الـمُعَلِّمَ الصَّالِحَ، وَالـمُرَبِّيَ الفَالِحَ يَسْتَثْمِرُ الـمَوَاقِفَ، وَيُوَظِّفُهَا لِخِدْمَةِ دِيْنِ اللهِ تَعَالَى، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لـَمَّا هَاجَرَ لِلْمَدِيْنَةِ، وَوَجَدَ اليَهُوْدَ يَصُوْمُونَ عَاشُوْرَاءَ، اسْتَثْمَرَ هَذَا الحَدَثَ، وَسَأَلَ عَنْهُ وَعَنْ سَبَبِهِ، ثُمَّ أَبْلَغَ صَحَابَتَهُ الكِرَامَ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِمُوْسَى عليه السلام مِنْ أُوْلَئِكَ اليَهُوْدِ، الَّذِينَ خَالَفُوْا شَرْعَهُ، وَحَرَّفُوا كِتَابَهُ، ثُمَّ أَمَرَ الصَّحَابَةَ بِصِيَامِ ذَلِكَ اليَوْمِ شُكْرًا للهِ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» إِشارَةٌ إِلَى أَنَّ المؤْمِنينَ الْمُوَحِّدِينَ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ إِخْوَةٌ مُتَحابُّونَ، وَجَسَدٌ وَاحِدٌ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْداءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.