12 جمادي أول, 1448

في مثل هذا اليوم، 22 أكتوبر 1997م، توفي بالمدينة النبوية محدِّثُها العلّامة الشيخ حمّاد بن محمد الأنصاري الخزرجي السعدي، أحد العلماء البارزين في الحديث وعلومه، ومن أهل العناية بالكتب والمخطوطات، الذين جمعوا بين التحصيل العلمي، والتعليم، وخدمة تراث المسلمين.

وُلد الشيخ سنة 1925م الموافق 1344هـ، في بلدة «تاد مكة» بمالي، في أسرة عُرفت بالعلم والفتيا والقضاء. ونشأ محبًّا للعلم، فحفظ القرآن الكريم، وأخذ عن علماء بلاده علوم العربية والفقه والحديث والتفسير وغيرها، وأقبل على حفظ المتون ودراسة فنون العلم.

ثم هاجر إلى الحجاز، قاصدًا مكة المكرمة، فجلس إلى حلق العلم في المسجد الحرام، وأخذ عن عدد من علمائه، منهم الشيخ عبد الرزاق حمزة والشيخ حسن المشاط. وواصل رحلته العلمية بالمدينة النبوية، ثم انتقل إلى الرياض، فدرّس في معاهدها وكلياتها، قبل أن يستقر بالجامعة الإسلامية في المدينة، حيث درّس في كلياتها، وأسهم في تعليم أجيال من طلاب العلم، وتولى التدريس في الدراسات العليا.

وكان الشيخ شديد العناية بالكتب والمخطوطات، مولعًا بجمع نفائس التراث ونسخها، حتى غدت مكتبته بالمدينة النبوية مقصدًا للباحثين وطلاب الدراسات العليا. وقد فتح لهم أبوابها، وأتاح لهم الانتفاع بما حوته من كتب ومخطوطات، ولم يبخل عليهم بما لديه من معرفة وخبرة.

ومن أخبار حرصه على العلم أنه كان يقول: «كنت كلما رأيت مخطوطة نسختها»، ويصف اجتهاده في شبابه بقوله: «كنت أقرأ وأكتب إلى الفجر، ولا أنام إلا شيئًا قليلًا من الظهر». وهي كلمات تكشف عن صلته الوثيقة بالكتاب، وما بذله من وقت وجهد في تحصيل العلم وخدمة مصادره.

وقد انتفع بعلمه عدد من أهل العلم وطلابه، ومنهم الشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ بكر أبو زيد، والشيخ علي الفقيهي، والشيخ صالح آل الشيخ، والشيخ صالح السحيمي، والشيخ عبد الرزاق البدر، وغيرهم. وكان الشيخ يعتني بتعليم طلابه، ويتيح لهم الإفادة من مكتبته ومجالسه العلمية.

وله مؤلفات وبحوث في فنون متعددة، منها: «إتحاف ذوي الرسوخ بمن رُمي بالتدليس من الشيوخ»، و«الأجوبة الوفية على أسئلة الألفية»، و«عقيدة أبي الحسن الأشعري»، و«سبيل الرشد في تخريج أحاديث بداية ابن رشد»، وغيرها من المصنفات.

ومع ما عُرف به من العلم والاشتغال بالتدريس والبحث، كان متواضعًا، ومن كلماته الدالة على ذلك: «أنا لست بمفتٍ، أنا خادم طلبة العلم».

توفي رحمه الله يوم الأربعاء 21 جمادى الآخرة 1418هـ، الموافق 22 أكتوبر 1997م، وصُلّي عليه في المسجد النبوي، ودُفن بالبقيع، بعد حياة حافلة بطلب العلم وتعليمه، والعناية بالسنة النبوية، وخدمة الكتب والمخطوطات.

رحم الله الشيخ حمّاد الأنصاري رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، ونفع بما خلّف من علم وآثار.

✍️ سير أعلام المعاصرين