8 محرم, 1448
أعزائي هذا المقال البديع لمعالي السفير علي بن سعيد بن عواض عسيري.
إلى المقال ..👇👇
*لسنا مجرد “كبار سن” بل كبار تجربة ، وكبار قيمة ، وكبار حكاية ..*
نحن أبناء جيل وُلد في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي جيل فتح عينيه على عالم بسيط لكنه كان مليئًا بالدفء والمعنى .
كبرنا في زمن كانت فيه الحياة تمضي على مهل وكانت العلاقات تُبنى بالكلمة الصادقة واللقاء المباشر وكانت الفرحة تأتي من أبسط الأشياء .
عشنا طفولتنا في الخمسينيات والستينيات وشبابنا في السبعينيات والثمانينيات وقطفنا ثمار أعمارنا في التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة .
شهدنا تحولات لم يشهدها أي جيل آخر وعبرنا جسور الزمن بين عالمين مختلفين تمامًا .
وُلدنا في عالم تناظري حيث كانت الرسائل تُكتب بخط اليد وتُنتظر أيامًا وربما أسابيع وحيث كان الاتصال الهاتفي حدثًا يحتاج إلى صبر وترتيب .
ثم عشنا لنرى العالم يتحول إلى قرية صغيرة نتحدث فيها بالصوت والصورة مع من يبعد عنا آلاف الكيلومترات بضغطة زر .
شهدنا رحلة التكنولوجيا بكل تفاصيلها ؛ من الراديو إلى البث الفضائي ومن التلفاز الأبيض والأسود إلى الشاشات الذكية فائقة الدقة ومن أسطوانات الفينيل وأشرطة الكاسيت إلى الموسيقى الرقمية التي ترافقنا أينما ذهبنا .
عشنا زمن المكتبات الورقية ثم رأينا المعرفة كلها تنتقل إلى شاشة صغيرة نحملها في جيوبنا
عرفنا أولى أجهزة الحاسوب الضخمة والأقراص المرنة والبطاقات المثقبة ثم شاهدنا كيف أصبحت الهواتف الذكية أقوى من أعظم الحواسيب التي عرفناها في شبابنا .
رأينا السيارات تتطور من محركات بسيطة إلى مركبات كهربائية وذكية وعشنا مراحل تطور الطب والعلوم والاتصالات بصورة لم يكن يتخيلها أكثر الناس تفاؤلًا
لم نعبر العقود مرورًا عابرًا بل عشنا أحداثها وتحدياتها .
واجهنا أمراضًا وأوبئة وتجاوزنا أزمات وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى
تعلمنا كيف نقف بعد كل عثرة وكيف نتأقلم مع كل جديد وكيف نصنع من التحديات فرصًا للاستمرار .
إنه جيل لم يقرأ التاريخ فقط بل عاشه .
جيل شهد الانتقال من البساطة إلى التعقيد ومن البطء إلى السرعة ومن الندرة إلى الوفرة .
وربما لهذا السبب اكتسب قدرة فريدة على التكيف والصبر وفهم قيمة الأشياء .
نحن الجيل الذي ما زال يحتفظ بذكريات اللعب في الشوارع واجتماعات العائلة الطويلة ورسائل الحب المكتوبة بخط اليد وفي الوقت نفسه يتعامل مع الهواتف الذكية والتطبيقات والمنصات الرقمية .
جمعنا بين أصالة الماضي وأدوات الحاضر وحملنا أفضل ما في العالمين .
ومع مرور السنوات ندرك حقيقة لا يمكن تجاهلها الزمن يمضي أسرع مما نظن .
ففي لحظة تجد أن النهار قد أوشك على الانتهاء وفي أخرى تكتشف أن أسبوعًا كاملًا قد مضى .
تمر الشهور ثم السنوات ثم تستيقظ ذات يوم لتدرك أن نصف قرن أو أكثر أصبح خلفك وكأنه كان بالأمس القريب .
تنظر حولك فتجد أن بعض الوجوه التي كانت تملأ أيامك قد غابت وأن كثيرًا من الأصدقاء سلكوا طرقًا مختلفة وأن بعض الأحبة رحلوا إلى رحمة الله تاركين في القلب فراغًا لا يملؤه شيء
وتدرك أن أجمل ما نملكه في النهاية ليس المال ولا المناصب بل الذكريات الجميلة والعلاقات الصادقة والأوقات التي عشناها بصدق ومحبة
لذلك لا تؤجل فرحتك ولا تؤخر أحلامك ولا تحرم نفسك من عمل تحبه بحجة ضيق الوقت
تمسك بمن تحب وامنحهم من وقتك واهتمامك ما تستطيع
فالأبناء يكبرون والأحفاد ينشغلون بحياتهم والأيام تمضي بلا استئذان ولا يبقى للإنسان في نهاية الرحلة إلا ما زرعه في القلوب وما تركه من أثر طيب
اليوم هو يومك استمتع به واصنع منه ذكرى جميلة وقل الكلمات الطيبة قبل أن يفوت أوانها وافعل ما يسعد روحك ما دمت قادرًا فهناك حقيقة واحدة لا تتغير مهما تغير العالم
الوقت لا يعود إلى الوراء والعمر لا ينتظر أحدًا
ولهذا لم نعد في عمر التأجيل بل في عمر الاستمتاع بكل لحظة وتقدير كل نعمة والعيش بامتنان لكل يوم جديد