1 محرم, 1448
خواطر أصولية:
(أربعة مختصرات في أصول الفقه اشتملت على عصارة قرائح الأصوليين)
(منهاج الوصول للبيضاوي)و(مختصر ابن الحاجب)و(جمع الجوامع لابن السبكي)و(أصول البزدوي): أربعة مختصرات في أصول الفقه اشتملت على عصارة قرائح الأصوليين واتجاهاتهم، ولخصت أقوالهم، ومآخذها، والاعتراضات الواردة عليها وجواباتها، واعتبر العلماء تلك المختصرات عمدة الدارسين والشارحين في علم أصول الفقه خلال قرونٍ عديدة.
وهذه المختصرات لا يمكن أن يفيد منها الدارس على وجه التحقيق والكمال إلا إذا كان قد حصل من قبل دراستها أهم المقدمات المنطقية والكلامية التي امتزجت بعض مباحثها ببعض المسائل والأدلة ومناقشاتها الواردة في تلك المختصرات.
وكلما كان الشارح لهذه المختصرات الأربعة أو أحدها ضليعاً في علوم المنطق والكلام والجدل، إضافةً إلى علم الأصول=تمكن من إيضاح عبارات تلك المتون على وجه يكشف المراد بها بعبارة واسعة قريبة إلى الأذهان، وكان قادراً على الاستدراك والتحقيق في تلك المسائل المشوبة ببحث المقدمات المنطقية والكلامية والجدلية.
وليس عيباً مطلقاً في مباحثات العلم مزج العلوم ببعضها وتوظيفها في مسائله وأدلته ومناقشاته، عند الحاجة إلى ذلك، وبقدر الحاجة، بل هذا هو المطلوب، وهو صورة من صور التكامل بين العلوم، فالعلوم الاستدلالية والاحتجاجية على وجه الخصوص متصلة ببعضها، وبعضها يخدم بعض، ولا يمكن فصلها عن بعضها مطلقاً أثناء البحث في هذا العلم، ولكن العيب كما أوضح الشاطبي هو استجلاب تلك المباحث برمتها وخلافياتها في هذا العلم وكأنها من صلب موضوعاته، فهذا يفسد العلوم ولا يصلحها، ولاسيما إذا كانت تلك المقدمات المستجلبة من تلك العلوم باطلة.
وعلم أصول الفقه له جانبان: منقول ومعقول، والمعقول ينبغي أن يكون مركباً على المنقول، وهو الأكثر في مسائل هذا العلم، ولهذا احتيج إلى العلوم العقلية الاستدلالية، فامتزجت ببعض مسائل هذا العلم وموضوعاته، ثم تمادى بعض المشتغلين بهذه العلوم العقلية وأمعنوا في استجلابها إلى علم أصول الفقه، وهو مسلكٌ لا يُقَرُّ عليه أصحابه، ولا يُسلَّم لهم بنتائجه في كثيرٍ من المواضع، لكن كما قال الغزالي: (والفطام عن المألوف شديد)، فمن ارتاضت نفسه علماً من العلوم، وربا عليه عقله، واستولى على وقته، لابد وأثناء تأليفه في علمٍ من العلوم أن يستجلب عند أدنى مناسبة ما يهوى من مسائل ذلك العلم وأدلته ومقدماته، ولاسيما إذا كان غرضه الانتصار لاتجاهٍ كلامي ينتسب إليه ويتعصب له، فيكون ذلك الموضع مناسباً في نظره لتحقيق ذلك الغرض.
وهذه أحوالٌ علمية، ينبغي أن يتفهمها طالب العلم، ولا تأنف نفسه من ذلك الصنيع، فيترك الانتفاع بالمصنفات الجليلة التي حصل فيها شيء من تلك المسالك، وما أكثرها!!
بل ينبغي ألا نغلو كثيراً في الانتقاد الحاصل لهذه الظاهرة في علم أصول الفقه، فهي ظاهرة علمية طبيعية اقتضتها بعض خصائص هذا العلم والأحوال العلمية التي شاع فيها الجدل العلمي والكلامي والمناظرات، وأضحت تلك صناعة علمية امتزجت بسائر العلوم.
والمسلك الوسط هو الإفادة المبصرة من هذه الصناعات العلمية التي امتزجت بتلك العلوم، وتمييز ما يصلح أن يكون منها من مقدمات هذا العلم وما لا يصلح، بناءً على مقاصد هذا العلم وأدلته، إضافةً إلى تعميق النقد العلمي في المواضع التي امتزج فيها علم الأصول بمقدمات منطقية أو كلامية أو جدلية، وبيان منطلقات المدارس الأصولية في ذلك، ونقدها، وترجيح ما قوي دليله، وتوهين ما ضعف مستنده، واطراح ما تهافت مسلكه.