29 رجب, 1447

الأسْبَابُ الشَّرعِيَّةُ الجَالِبةُ لِلرِّزْقِ

10/7/1446هـ

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

الْحَمْدُ للهِ الْغَنِيِّ الْوَهَّابِ، الْكَرِيمِ التَّوَّابِ، لَهُ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يَداهُ سُبْحانَهُ وَتَعالَى مَلْأَى، لا يُغِيضُهُما شَيْءٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، لَوْ أَنَّ الْعِبادَ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، وَإِنْسَهُمْ وَجِنَّهُمْ قامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ، ما نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئًا.

أَحْمَدُهُ تَعَالَى وَأَشْكُرُهُ، وَأَسْتَعِيْنُهُ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ َنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالـمُرْسَلِيْنَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْ آلِ بَيتِهِ وَصَحَابَتِهِ وَالتَّابِعِيْنَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَتَمَسَّكُوا مِنَ الإسْلَامِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى، كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنا فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

أَيُّهَا الـمُسْلِمُوْنَ: إنَّ الإِنْسَانَ مَجْبُوْلٌ بِفِطْرَتِهِ، وَمَأْمُورٌ بِشَرِيْعَةِ رَبِّهِ، أَنْ يَسْعَى فِيْ طَلَبِ الرِّزْقِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].

الِانْشِغالُ بِطَلَبِ الرِّزْقِ هَمُّ كَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ، إِلَّا أَنَّ البَعْضَ مِنْهُمْ بَالَغَ فِي بَذْلِ أَسْبَابِ طَلَبِ الرِّزْقِ، الـمَشْرُوْعِ مِنْهَا وَغَيْرِ الـمَشْرُوْعِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي أَرْزاقِهِمْ، وَتَشَاغَلُوا بِطَلَبِ الرِّزْقِ عَمَّا خُلِقُوْا مِنْ أَجْلِهِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]، وَبَعْضُ الْخَلْقِ تَرَكَ الْأَخْذَ بِالْأَسْبابِ، وَقَعَدَ فِي بَيْتِهِ يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْتِيَهُ ما قُدِّرَ لَهُ مِنْ رِزْقٍ، وَكِلَا الْفَرِيْقَيْنِ جانَبَهُ الصَّوابُ؛ وَالمشْرُوعُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ، وَيَأْخُذَ بِالْأَسْبابِ، وَيُوقِنَ بِأَنَّ رِزْقَهُ كَأَجَلِهِ، لَنْ يَفُوتَهُ شَيْءٌ مِنْهُ، ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْنَعَ بِما قَسَمَهُ اللهُ لَهُ مِنْ رِزْقٍ، وَيَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الرِّزْقِ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ الَّذِيْ خَلَقَنا قَدْ تَكَفَّلَ بِأَرْزاقِنا، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:22]. فَالرِّزْقُ مَكْتُوْبٌ وَمُقَدَّرٌ مَعَ نَفْخِ الرُّوْحِ، قَبْلَ أَنْ نُوْلَدَ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعيدٍ» [رواه البخاري ومسلم].

وَشَأْنُ الرِّزْقِ شَأْنٌ عَجِيْبٌ؛ فَقَدْ تَكَرَّرَ الحَدِيْثُ عَنِ الرِّزْقِ فِي القُرْآنِ الكَرِيْمِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِيْنَ مَوْضِعًا، يُخْبِرُنا فِيها رَبُّنا أَنَّ أَمْرَ الرِّزْقِ مَوْكُوْلٌ إِليْهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ، وَكَيْفَ يَشَاءُ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَشاءُ، بِالقَدْرِ الَّذِي يَشَاءُ، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا رَبُّنَا هَذَا الـمَفْهُوْمَ فِي القُرْآنِ الكَرِيْمِ فِي مَوَاضِعَ عَدِيْدَةٍ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُوْلِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[آل عمران:26-27]. قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ رَحِمَهُ اللهُ: “أَيْ تُعْطِيْ مَنْ شِئْتَ مِنْ الـمَالِ مَا لَا يُعَدُّ وَلا يُقْدَرُ عَلَى إِحْصَائِهِ”. وَقَالَ السِّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “أَيْ تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ رِزْقًا وَاسِعًا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَلَا يَكْتَسِبُ”.

وَلَوْ تَأَمَّلَ العَبْدُ الـمُؤْمِنُ هَذِهِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيْثَ لَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَسَكَنَ قَلْبُهُ، وَلَمْ تَذْهَبْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ عَلَى فَوَاتِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا.

قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “عَلِمْتُ بِأَنَّ رِزْقِي قَدَ تَكَفَّلَ اللهُ لِيْ بِهِ؛ فَلَمْ أَتَشَاغَلْ بِهِ، وَعَلِمْتُ بِأَنَّ عَمَلِيْ لَنْ يَقُوْمَ بِهِ غَيْرِيْ؛ فَاشْتَغَلْتُ بِهِ”.

وَلَا يَعْنِي هَذَا أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ عَدَمَ السَّعْيِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَتَرْكَ الأَسْبَابِ، بَلْ يَعْنِي بَذْلَ السَّبَبِ مَعَ كَمَالِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَتـَمَامِ الثِّقَةِ فِي أَنَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ الـمُدَبِّـــرُ. قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “كَثِيْرًا مَا وَجَدْنَا مَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّنَا لَمْ نَجِدْ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا وَأَتَتْهُ الآخِرَةُ”.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهَرَبُ مِنَ الْمَوْتِ؛ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ» [أخرجه أبو نعيم وابن عساكر وصححه الألباني].

وَالرِّزْقُ يَا عِبَادَ اللهِ لا يَزِيدُ وَلَا يَدُومُ بِالدَّهَاءِ وَالْحِيلَةِ، وَلَا بِالقُوَّةِ وَشِدَّةِ السَّعْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَقْسُوْمٌ مِنْ مُقَسِّمِ الأَرْزَاقِ. وَصَدَقَ القَائِلُ:

كَمْ مِنْ قَوِيٍّ، قَوِيٍّ فِيْ تَقَلُّبِهِ وَكَمْ ضَعْيْفٍ، ضَعِيْفِ الرَّأْيِ تُبْصِرُهُ

مُهَذَّبِ الرَّأْيِ، عَنْهُ الرِّزْقُ مُنْحَرِفُ كَأَنَّهُ مِنْ خَلِيْجِ البَحْرِ يَغْتَرِفُ

 

فَإِذَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا أَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، بَقِيَ أَنْ نَعْرِفَ الأَسْبَابَ الجَالِبَةَ لِلرِّزْقِ مِمَّا شَرَعَهُ اللهُ لَنَا لِنَطْلُبَ بِهَا الرِّزْقَ الحَلَالَ.

وَأَوَّلُ تِلْكَ الأَسْبَابِ وَأَعْظَمُهَا: تَحْقِيْقُ التَّوْحِيْدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [الأعراف:96].

وَثَانِيْهَا: تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:3،2].

وَثَالِثُ الأَسْبَابِ الجَالِبَةِ لِلرِّزْقِ: الاسْتِغْفَارُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:10 – 12]. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَكْثَرَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ». [رواه أحمد وصححه أحمد شاكر].

وَرَابِعُ الأَسْبَابِ: الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبَبٌ لِتَفْرِيجِ الْهُمُومِ، وَقَضاءِ الْحَوائِجِ كُلِّها، وَقَدْ قالَ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ  لِمَّا قالَ لَهُ أَجْعَلُ لَكَ صَلَّاتِي كُلَّها؟ يَقْصِدُ الدُّعاءَ، قالَ ﷺ: «إِذًا تُكْفَى هَمُّكَ، وَيُغْفَرُ ذَنْبُكَ» [حديث حسن رواه الترمذي وغيره].

وَخامِسُ الْأَسْبَابِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:3]. وَيَقُوْلُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُوْنَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقُكْم كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُوْ خِمَاصًا، وَتَرُوْحُ بِطَانًا» [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني].

وَالسادِسُ: صِلَةُ الرَّحِمِ، قَالَ ﷺ: «مَنْ سَرَّه أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رواه البخاري.

وَسَابِعُهَا: الِإنْفَاقُ أَوِ الصَّدَقَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:39]

وَثَامِنُهَا: الـمُتَابَعَةُ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، قَالَ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنْوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيْرُ خَبَثَ الحَدِيْدِ». [رواه النسائي وصححه الألباني].

أمَّا السَّبَبُ التَّاسِعُ مِنْ أَسْبَابِ جَلْبِ الرِّزْقِ: فَهُوَ الزَّوَاجُ، حَيْثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:32]. وَكَانَ عُمَرُ ابْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُوْلُ: “عَجَبًا لـِمَنْ لَمْ يَلْتَمِسْ الغِنَى فِي النِّكَاحِ، وَاللهُ يَقُوْلُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:32].

وَعاشِرُ هَذِهِ الأَسْبَابِ: الدُّعَاءُ، فَفِيْ حَدِيْثِ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَآهُ جَالِسًا فِي الـمَسْجِدِ مَهْمُومًا فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا الَّذِي أَجْلَسَكَ فِي المسْجِدِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، هُمُومٌ أَصَابَتْنِي وَدُيُوْنٌ غَلَبَتْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ وَقَضَى دَيْنَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: «قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِن البُخْلِ وَالجُبنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِن غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجالِ» قَالَ أَبُو أُمَامَةَ رضي الله عنه: فَقُلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللهُ عزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عنِّي دَيْنِي. رواه أبو داود والبيهقي وصححه الألباني.

أَيُّهَا الـمُسْلِمُوْنَ: وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ جَلْبِ الرِّزْقِ، وَهُوَ الْحادِيَ عَشَرَ: الاسْتِقَامَةُ عَلَى دِيْنِ اللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:‏﴿وَأَلَّوِ ٱسْتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَٰهُم مَّآءً غَدَقًا﴾ [الجن:16]. ‏وَمَفْهُوْمُ هَذِهِ الآيَةِ جَاءَ مَنْطُوقًا فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيْبُهُ». رواه المنذري والحاكم وغيرهما وصححه الألباني.

وَالسَّبَبُ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ: الصَّلَاةُ يَا عِبَادَ اللهِ، الصَّلَاةُ وَأَمْرُ الأَهْلِ بِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ‏﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:132]. وَفِيْهَا يَقُوْلُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: “مَا افْتَقَرَ وَلَا احْتَاجَ لِلْبَشَرِ مَنْ عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ”.

وَآخِرُ هَذِهِ الأَسْبَابِ الجَالِبَةِ لِلرِّزْقِ: شُكْرُ النِّعَمِ حَيْثُ وَعَدَنَا رَبُّنَا بِذَلِكَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7]. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ رَحِمَهُ اللهُ: “قَيِّدُوا نِعَمَ اللهِ بِشُكْرِ اللهِ، فَالشُّكْرُ قَيْدُ النِّعَمِ، وَسَبَبُ الْـمَزِيْدِ”.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رِزْقًا حَلَالًا وَاسِعًا لَا يُطْغِيْنَا، وَلَا يُلْهِيْنَا عَنْ حُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.

قَدْ قُلتُ مَا سَمِعْتُمْ.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلىَ رِزْقِهِ وَفَضْلِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.

أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللهَ عَبَادَ اللهِ، وَأَطِيْعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ دِينَنا يُحَرِّمُ طَلَبَ الرِّزْقِ بِالطُّرُقِ المشْبُوهَةِ، فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسْتَجْلِبَ الرِّزْقَ بِغَيْرِ الطُّرُقِ الَّتِي أَحَلَّها اللهُ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَرِزْقُ اللهِ لا يُنالُ إِلَّا بِطاعَتِهِ سُبْحانَهُ، وَمَنِ اسْتَعْجَلَ الرِّزْقَ بِالْحَرامِ مُنِعَ الْحَلالَ؛ وَبِئْسَ الْمَطِيَّةُ إِلَى النَّارِ المالُ الْحَرامُ، وَأَيُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، فَالْـمَعَاصِيْ وَالذُّنُوبُ -سَوَاءً كَانَتْ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى أَوْ فِي حَقِّ العِبَادِ- مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَمْنَعُ الرِّزْقَ وَتَحْجُبُهُ عَنِ الإِنْسَانِ، وَتُوْرِثُ فِي قَلْبِهِ الْهَمَّ وَالْغَمَّ وَالْكَدَرَ وَالضِّيْقَ، وَكُلَّمَا زَادَ الإِنْسَانُ فِي مَعَاصِيْهِ، وَاسْتَمَرَّ فِي اتِّبَاعِ سُبُلِ الِانْحِرَافِ وَالضَّلَالِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا رَئِيْسًا فِي ضِيْقِ رِزْقِهِ وَعَدَمِ اطْمِئْنَانِ قَلْبِهِ، وَنَزْعِ البَرَكَةِ مِنْ كُلِّ مَا يَأْتِيْهِ؛ قالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ‌ضَنكٗا﴾ [طه:124].

 

وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّهُ لَيْسَ الْـمَالُ وَالْعَقَارُ أَعْظَمَ النِّعَمِ، بَلْ نِعَمُ اللهِ عَلَى عِبادِهِ لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى؛ مِنْها المادِيَّةُ وَالمعْنَوِيَّةُ، بَلْ إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ الْخَفِيَّةِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الْفَقْرَ؛ إِذِ الْغِنَى لِهَؤُلاءِ فِتْنَةٌ وَبَوَّابَةُ الْبَغْيِ وَالطُّغْيانِ، فَمِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَلَوِ اغْتَنَى لَكَفَرَ؛ قالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: 27].

وَمِنْ نِعَمِ اللهِ الْعَظِيمَةِ: الْأَمْنُ وَالعَافِيَةُ، وَالتَّوْفِيْقُ لَلطَّاعَةِ، وَصَلَاحُ الأَوْلَادِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ، وَتَحْصِيْلُ العِلْمِ، وَالزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ، وَمَحَبَّةُ النَّاسِ، وَدَعَوَاتُهُمْ لَكَ أَيُّها الـمُسْلِمُ، وَإِحْسَانُ الظَّنِّ بِالنَّاسِ، وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ تِجَاهَهُمْ، وَحُبُّ الخَيْرِ لِلْغَيْرِ؛ كُلُّ هَذَا مِنَ الرِّزْقِ الَّذِيْ يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الرِّزْقِ، نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.