21 جمادي أولI, 1447
*ما عاد في العمر متسع للعتاب*
كبرنا… نعم ، بلغنا من العمر ما يجعلنا نحطّ الرحال في “ منطقة العقل ”؛ تلك المساحة الصامتة التي تُفضّل السلام على الجدال ، وتختار السكينة بدل أن تشتعل بوهج الغضب أو أن تتعب نفسها في شرح ما لا يُفهم.
صرنا نرى الأشياء من الأعلى … لا لأننا أصبحنا أفضل، بل لأننا ابتعدنا عن الزحام الذي يعكر صفو القلب .
لم نعد نحمل قلوبنا إلى طاولات النقاش … لا نعاتب ، لا نكرر، لا نسأل “ لماذا ؟” ولا “ كيف ؟”.
لقد استهلكنا من أرواحنا بما يكفي .
نحن الآن نمرّ ، نراقب ، نبتسم ، ونصمت …
ليس جبناً ، بل وعياً ، ونضجاً ، وحرصاً على راحة لم تعد تُشترى بالجدال .
فما عادت الأوقات تحتمل الغرق في التفاصيل …
تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تهمنا كثيراً ، باتت الآن جسوراً نمرّ فوقها دون أن ننظر حتى للأسفل .
نُسلّم بما كتبه الله ، ونفهم أن الحياة ليست مسرحاً دائماً نحتاج فيه لتفسير أدوار الآخرين ، أو حتى دورنا .
نُسامح … بقدر ما نستطيع .
ليس لأنهم يستحقون ، بل لأن قلوبنا لا تطيق حمل الأذى أكثر .
نسامح الأعداء ، فالله كفيل بهم .
ونسامح الأحباب ، لأننا لا نريد أن نخسرهم في قلوبنا ، حتى لو خسرناهم في الواقع .
نُدرك أن كل لحظة تمضي ، لن تعود .
وأن اليوم بعد 24 ساعة ، سيُدفن في صندوق الذكريات دون رجعة .
فلماذا نحشوه بالحزن والخصام ؟!
لماذا نرهق أنفسنا بمحاولة إصلاح ما لا يُصلح ، أو إثبات ما لا يهم أحداً سوانا ؟
لا وقت لدينا لحمل الضغائن …
فالذين يخطئون ، سيخطئون دائماً .
والذين يخذلونك ، لن يتغيّروا بكثرة العتاب .
دعهم … ودعك منهم .
ابنِ شيئاً جديداً في حياتك …
مشروعاً ، فكرة ، حلماً ، دعاءً .
إن كان للدنيا فسيثمر ، وإن كان للآخرة فهو خير ما يُنتظر .
أما العتاب فقد صار ترفاً لا يليق بمن عرف قيمة الزمن .
*عش ببساطة ، سامح بعمق ، وابتعد بصمت.*
*فمن يراك اليوم صامتاً … لا يعلم كم من الحروب قد أطفأتها بداخلك كي لا تؤذي أحداً*
*ما عاد في العمر متسع للعتاب*