28 شوال, 1447
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى كَمَا أَمَرَكُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102] فَتَقْوَى اللهِ هِيَ النَّجاةُ فِي الدُّنْيا مِنْ شُرُورِها وَأَنْكادِها، وَأَمْراضِها وَتَعَبِها، وَفِي الْآخِرَةِ مِنَ النَّارِ وَمِنْ غَضَبِ الْجَبَّارِ سُبْحانَهُ.
هِيَ التَّقْوَى فَلَاحُ الْمَرْءِ دَوْمَا *** بِهَا يَجْتَازُ أَهْوَالَ الصِّعابِ
أَيُّهَا الـمُسْلِمُوْنَ: اِقْتَضَتْ حِكْمَةُ رَبِّنا أَنْ تَتَلَبَّسَ الدُّنْيا بِالِابْتِلاءاتِ وَالمصائِبِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٍ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٍ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحانَهُ وَتَعالَى لِذَلِكَ أَسْبابًا، وَأَكْثَرُها الْعَينُ وَالحَسَدُ، قالَ ﷺ: «أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي -بَعْدَ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ- بِالْعَيْنِ» [أخرجه البزار والطياليسي، وحسنه الألباني]، قالَ تَعالَى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، وَتَغَيَّظَ ﷺ عَلَى الصَّحابِيِّ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ؛ لَمَّا أَصابَ بِعَيْنِهِ سَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- وَقالَ ﷺ: «عَلامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخاهُ؟!» [أخرجه ابن ماجه، والنسائي، رجاله رجال الشيخين]، وَقالَ ﷺ: «الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ» [أبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني]، وَيَنْتَشِرُ الْحَسَدُ وَالْعَيْنُ إِذَا ضَعُفَتِ التَّقْوَى، فَتَرَى شابًّا فِي رَيْعانِ شَبابِهِ سَقِيمًا، قَدْ زارَ كُلَّ طَبِيبٍ، وَجَرَّبَ كُلَّ دَواءٍ، وَطالِبًا كانَ مِنْ أَوائِلِ الطُّلَّابِ، فَإِذَا بِهِ يَكْرَهُ الدِّراسَةَ، وَيَتَأَخَّرُ دِراسِيًّا، وَشابًّا أَوْ فَتاةً لا يُوفَّقُ أَحَدُهُما لِلْخِطْبَةِ، رُغْمَ تَمَتُّعِهِ بِصِفاتٍ يَتَمَنَّاها كُلُّ خاطِبٍ، وَيَكُونُ الرَّفْضُ بِلا أَسْبابٍ وَاضِحَةٍ، وَتَرَى كُرْهًا شَدِيدًا بَيْنَ الْأَزْواجِ، مَعَ تَوَفُّرِ الصِّفاتِ الرَّائِعَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَبَعْضُهُمُ اعْتَرَتْهُ الْأَمْراضُ النَّفْسِيَّةِ وَالْكآبَةُ وَالْحُزْنُ، كُلُّ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ تُسَبِّبُهُ نَفْسٌ مَرِيضَةٌ حاسِدَةٌ حاقِدَةٌ خَبِيثَةٌ، لَمْ تَرْتَضِ قِسْمَةَ رَبِّها فِي أَرْزاقِ عِبادِهِ، هَذِهِ الْأَنْفُسُ باعَتْ دِينَها، فَالْعَيْنُ حَقٌّ، وَإِصابَتُها شَيْءٌ ثَابِتٌ مَوْجُود، وآثارُها ظاهِرَةٌ، وَلَا يُنْكِرُها عاقِلٌ، وَلَها تَأْثِيرٌ فِي الْأَبْدانِ وَالْأَرْواحِ وَالممْتَلَكاتِ، حَتَّى الْجَماداتِ؛ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- قَالَتْ: قَالَ ﷺ: «اِسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنَ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ» [أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني]، وَقالَ ﷺ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» [أخرجه مسلم]، فَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَسْبِقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ فِي إِفْنَاءِ شَيْءٍ وَزَوَالِهِ لَكَانَتِ الْعَيْنُ، لَكِنَّهَا لَا تَسْبِقُ الْقَدَرَ، فَإِنَّ اللَّهَ قدَّرَ مَقادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَكْثَرُ مَنْ يُصابُونَ بِالْعَينِ هُمُ الْأَطْفالُ وَالنِّساءُ، وَمَنْ رُزِقَ جَمالَ الْخِلْقَةِ، وَمَنْ هُوَ عَذْبُ الْكَلامِ؛ يُعْجِبُ مَنْ يَراهُ أَوْ يَسْمَعُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَغْنِياءُ.
عِبادَ اللهِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لَنا مِنْ كُلِّ داءٍ دَواءً، وَجَعَلَ لَنَا مِنْ كِتابِ رَبِّنا وَسُنَّةِ نَبِيِّنا ﷺ حِصْنًا نَتَحَصَّنُ بِهِ مِنَ الْحَسَدِ وَالْعَيْنِ، وَمِمَّا يُتَحَصَّنُ بِهِ:
تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلاصِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْبُعْدُ عَنِ الشِّرْكِ وَالمعاصِي.
وَكَذَلِكَ اجْتِنابُ أَسْبابِ الْحَسَدِ وَالْعَيْنِ: بِأَنْ يَبْتَعِدَ المسْلِمُ عَنِ الْعَدَاواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَلَّا يُظْهِرَ نِعَمَ اللهِ أَمامَ مَنِ عُرِفَ بِالْحَسَدِ أَوِ الْعَيْنِ، وَأَنْ يَسْتُرَ مَحَاسِنَ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَيْنِ؛ فَقَدْ خافَ يَعْقُوبُ عليه السلام عَلَى أَبْنائِهِ الْأَحَدَ عَشَرَ مِنَ الْحَسَدِ؛ فَقالَ: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: 67].
فَإِنْ خَشِيَ أَحَدٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَمْرٍ يَخُصُّهُ، فَلْيَكْتُمِ الْأَمْرَ وَلْيُخْفِهِ، وَلَا يَنْشُرُهُ، فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اِسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ» [صححه الألباني]، وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّكَ تَرَى بَعْضَ النَّاسِ الْيَوْمَ يَنْشُرُونَ مَحاسِنَ أَوْلادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، حَتَّى أَطْعِمَتِهِمْ عَلَى وَسائِلِ التَّواصُلِ، وَالنَّاسُ فِيهِمْ مَنْ حُرِمَ بَعْضَ هَذَا أَوْ كُلَّهُ؛ فَيُعَرِّضُونَ كُلَّ ذَلِكَ لِلْعَيْنِ وَالْحَسَدِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ عِبادَ اللهِ.
وَمِنْ أَسْبابِ التَّحَصُّنِ التَّعَوُّذُ وَالرُّقَى: أَتَى جِبْرِيلُ عليه السلام النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اِشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ» [أخرجه مسلم]، وَكانَ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، يَقُولُ: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»، وَكَلِماتُ اللهِ التَّامَّةُ: هِيَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ، وَيَقُولُ ﷺ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ» [صحيح على شرط البخاري]، وَكَلِماتُ اللهِ لا تَنْتَهِي، وَالْهَامَّةُ: الدَّوابُّ ذَواتُ السُّمِّ؛ كَالْعَقارِبِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَيْنُ اللَّامَّةُ: تُلِمُّ بِالْإِنْسانِ فَتُصِيبُهُ بِسُوءٍ، وَكانَ مِنْ رُقْيَتِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اِشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» [أخرجه البخاري]، وَمِنْ ذَلِكَ الرُّقْيَةُ بِالْفاتِحَةِ؛ لِمَا وَرَدَ فِي الْبُخارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي الرَّهْطِ مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ، وَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ، وَلَمْ يَجِدُوا لَهُ عِلاجًا، فَسَأَلُوا جَماعَةَ المسْلِمِينَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إنِّي لَأَرْقِي، فَاتَّفَقَا عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ مُقابِلَ الرُّقْيَا، فَرَقاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتابِ، فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقَالٍ، فَلَّما رَجَعُوا المدِينَةَ أَخْبَرُوا الرَّسُولَ ﷺ؛ فَضَحِكَ، وَقالَ مُتَعَجِّبًا: «وَما يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟».
وَمِنْها الدُّعاءُ بِالْبَرَكَةِ: قالَ ﷺ: «عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ» [صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين]؛ فَإِذَا نَظَرْتَ يا عَبْدَ اللهِ إِلَى ما يُعْجِبُكَ مِنْ نَفْسِكَ أَوْ مِنْ مالِكَ، أَوْ ما يُعْجِبُكَ مِنْ أَخِيكَ، فَادْعُ بِالْبَرَكَةِ، وَإِذَا زُرْتَ مُبْتَلًى فَادْعُ لَهُ؛ قالَ ﷺ: «ما مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عُوْفِيَ» [صحيح أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وأحمد]، وَكَذَلِكَ «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ، وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ ما أَجِدُ، وَأُحاذِرُ» [صححه الألباني]، وَكانَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- إِذَا شَرِبَ ماءَ زَمْزَمَ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمًا نافِعًا، وَرِزْقًا واسِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَشِفاءً مِنْ كُلِّ داءٍ” [أخرجه عبد الرزاق والحاكم والدار قطني].
وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبابِ التَّحْصِينِ المحافَظَةُ عَلَى الصَّلَواتِ الْخَمْسِ: خاصَّةً صَلاةَ الْفَجْرِ فِي جَماعَةٍ، قالَ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ» [أخرجه مسلم]، وَالصَّلَواتُ أَحَبُّ الْأَعْمالِ إِلَى اللهِ بَعْدَ الشَّهادَتَيْنِ؛ فَهِيَ مِفْتاحُ كُلِّ خَيْرٍ، وَوِقايَةٌ مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
وَكَذَلِكَ الْأَذْكارُ: خاصَّةً بَعْدَ الصَّلَواتِ، وَالصَّباحِ وَالمساءِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ، وَالنَّوْمَ عَلَى طَهارَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قِراءَةُ المعُوذَتَيْنِ، قالَ ﷺ: «يا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ ما تَعَوَّذَ بِهِ المتَعَوِّذُونَ؟» قالَ: قُلْتُ: بَلَى. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، هاتَينِ السُّورَتَينِ» [أخرجه النسائي، وأحمد]، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما لَقِيْتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ، قالَ ﷺ: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ، لَمْ تَضَرَّكْ» [أخرجه مسلم].
وَمِنْها دُعاءُ الْخُرُوجِ مِنَ المنْزِلِ: قالَ ﷺ: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَيُقالُ لَهُ: حَسْبُكَ، قَدْ هُدِيْتَ وَكُفِيْتَ وَوُقِيْتَ. فَيَتَنَحَّى لَهُ الشَّيْطانُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» [أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني]، وَدُعاءُ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ، أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» [صححه الألباني].
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوالَنا، وَارْزُقْنا تَقْواكَ، وَالْعَمَلَ بِمَرْضاتِكَ، وَجَنِّبْنا الْحَسَدَ وَالْحِقْدَ وَالْبَغْضاءَ.
أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ: إِذَا أَخَذَ المسْلِمُ بِأَسْبابِ التَّحْصِينِ، ثُمَّ أَصابَهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّما هُوَ قَدَرُ اللهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى مَوْلَاهُ، وَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ بِقَضائِهِ وَقَدَرِهِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَعَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ، وَقِراءَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالِاسْتِغْسالِ، أَيْ: يَطْلُبُ مِمَّنْ تَرَجَّحَ لَدَيْهِ أَنَّهُ أَصابَهُ بِالْحَسَدِ أَوْ بِالْعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ أَعْضاءَ وُضُوئِهِ، فَيَغْتَسِلَ بِهَذَا الماءِ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ» [صحيح على شرط الشيخين]، وَعَلَى مَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْغُسْلُ أَوِ الْوُضُوءُ لِأَخِيهِ أَلَّا يُمانِعَ فِي ذَلِكَ؛ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ: «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» أَيْ: إِذَا طُلِبَ مِنْكُمُ الِاغْتِسالُ فَاغْسِلُوا وَتَوَضَّئُوا لِلْمَعْيُونِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.