27 شوال, 1447
يخطئ من يظن أن إلغاء برامج العلوم الإنسانية قرارٌ أكاديمي عابر، لأن ما يُمسّ هنا ليس مجرد بنية تخصصات، بل بنية وعي، ولا مجرد خطط دراسية، بل فلسفة جامعةٍ كاملة في فهم الإنسان والمعرفة ودورهما في صناعة الحضارة.
فالجامعة، في جوهرها، ليست معملًا لإنتاج المهارات وحدها، بل فضاءٌ لصياغة الإنسان، وتكوين العقل، وبناء الرؤية التي تربط العلم بمعناه، والمعرفة بغاياتها. ومن هنا، فإن العلوم الإنسانية لا تُعد ترفًا يمكن تجاوزه، ولا فائضًا معرفيًا يُستغنى عنه تحت ضغط التحولات، بل هي الحقل الذي تتشكل فيه البصيرة، وتُفهم من خلاله المجتمعات، ويُعاد عبره تأويل التجربة الإنسانية في سياقها الأعمق.
وإذا كانت العلوم التطبيقية تمنح الإنسان أدوات الفعل، فإن العلوم الإنسانية تمنحه وعي الفعل، وتُبصره بعواقبه، وتربطه بسؤال الغاية، حتى لا يتحول التقدم إلى حركةٍ بلا اتجاه، ولا الإنجاز إلى قيمةٍ منفصلة عن معناها.
ويظل التاريخ في قلب هذا البناء، بوصفه الفقه الحضاري للأمم، والمختبر الأصدق لصواب الفعل البشري. ففيه تُقرأ تجارب الشعوب، وتُمحّص القرارات، وتُفهم التحولات، وتنكشف سنن النهوض والانكسار. وليس التاريخ سجلًا للماضي بقدر ما هو ميزانٌ للحاضر، وبوصلةٌ للمستقبل، وذاكرةٌ حية تحفظ للأمم قدرتها على الفهم والتصحيح.
ولا خلاف على أن تطوير التخصصات ضرورة، لكن الإلغاء ليس دائمًا مرادفًا للتطوير، لأن الفرق بين البناء والإقصاء هو الفرق بين من يُجدّد المعنى ومن يُفرغه. فالجامعة التي تُضعف حضور الأدب والتاريخ والفلسفة، قد تُخرّج كفاءاتٍ ماهرة، لكنها تُخاطر بإنتاج وعيٍ منقوص، أقل فهمًا للإنسان، وأضعف صلةً بالهوية، وأبعد عن إدراك السياق الحضاري.
إن النهضة لا تُقاس بكمّ ما نُنتج، بل بمدى ما نفهم، ولا بقدرتنا على الفعل وحدها، بل بقدرتنا على إدراك صوابه من خطئه. وحين يُقصى المعنى، تبهت الغاية، وحين يُهمَّش التاريخ، يُفقد الدرس، وحين تغيب البصيرة، قد تتقدم الخطى… لكنها لا تعرف إلى أين تمضي.
https://www.makkahnews.sa/5499515.html