26 رمضان, 1447
فضل رَمَضانَ وَتَصْحِيحُ المفاهِيمِ 3/ 9/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعْينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعَينَ .أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].
عِبَادَ اللهِ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ رَمَضانَ، يَتَزَوَّدُ فِيهِ المؤْمِنُ مِنَ التَّقْوَى، وَكَفَى بِها زَادًا لِلْمِيعادِ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَمَدَّ في أَعْمارِنا إلى الشهْرِ الَّذي اخْتَصَّهُ، وَاخْتارَهُ لِنزولِ الوَحْي على نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم، واخْتَصَّهُ بِنزولِ أَعْظَمِ كِتابٍ، قالَ تَعالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وَاخْتَصَّهُ بأَفْضَلِ الأعْمالِ، وَأَحبِّها إِلَيْه سُبْحانَهُ؛ الصِّيامِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «قالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وَأَنا أَجْزِي بِهِ» [رواه مسلم، وابن ماجه]، شَهْرٌ فيهِ أُمَّهاتِ الطاعاتِ: صيامٌ، وَصلاةٌ، وَدُعاءٌ، وَتِلاوةُ الْقُرْآنِ، وَالبِرُّ وَالصَّدَقَةُ، شَهْرٌ يُعانُ الْعَبْدُ عَلَى الطّاعَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»[رواه البخاري، والنسائي]، شهرٌ تُغْفَرُ فِيهِ الذُّنوبُ وَالسَّيِّئاتُ، وللهِ عُتَقاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ للَّهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقاءَ، وَذلِك في كُلِّ لَيلةٍ»[رواه الترمذي، وابن ماجه]، شهرٌ يُكَرَّمُ فيه الصائِمونَ، فَخَلُوفُ فَمِ الصائِمِ أَطْيَبُ عندَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، وَإِذَا فَطَّرَ المسلمُ صائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»[رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه]، وَلِصَّائِمِ دَعَواتٌ مُسْتَجاباتٌ لا تُرَدُّ، وَيشْفَعُ له الصيامُ والقرآنُ يومَ القيامَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ» قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ» [رواه أحمد، والطبراني، والحاكم، وصححه]. وَيَدْخُلُ الصائِمونَ الجنَّةَ مِنْ بابِ الرَّيَّانِ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ غَيْرُهُمْ، وَيُعْطِيهِمْ رَبُّهُمْ وَيَفِيضُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
عِبادَ اللهِ: كَثِيرٌ مِنَ المسْلِمين في رَمَضانَ تَجِدْهُ مُهْتَمًّا بِخَتْمِ القُرآنِ، وَقِيامِ اللَّيلِ، لَكِنَّهُ يَغْفُلُ عن عِبادةٍ عَظِيمَةٍ، أَلَا وَهِيَ الصَّدَقَةُ، فَشَهْرُ رَمَضَان، شَهْرُ الموَاسَاةِ وَالتَّرَاحُمِ، وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَالتَّكَافُلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى بَذْلِ المالِ؛ سَدًّا لِحَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ خَاصَّةً فِي رَمَضَان، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ تَفْرِيجِ الْكُرُوبِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» [رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني]، وفي الصَّدَقَةِ اقْتِداءٌ بِنَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم، فَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: “كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ” [رواه البخاري، ومسلم]. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “أُحِبُّ لِلرَّجُلِ الزِّيادَةَ بِالْجُودِ فِيْ شَهْرِ رَمَضَانَ، اقتداءً بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلِحَاجَةِ النَّاسِ فِيْهِ إِلَى مَصَالِحِهِم، وَلِتَشَاغُلِ كثيرٍ مِنْهُمْ بِالْصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ عَنْ مَكَاسِبِهِم”.
لكنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَفْهَمُ الصَّدَقَةَ علَى أَنَّها تَوْزِيعُ الأَمْوالِ علَى المتَسَوِّلِينَ في الطُّرُقاتِ، ولا يَتَفَقَّدُ أَهْلَهُ وَجِيرانَهُ، وَالمتَعَفِّفِينَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تعالَى فِيهِمْ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾[البقرة: 273]، وقالَ تعالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: 26]، قالَ صلى الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ علَى المسْكينِ صَدَقَةٌ، وعلَى ذِي القَرابةِ اثنتان: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» [رواه الترمذي والنسائي]؛ فَسَارِعُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَالصَّدَقَاتِ فِي شَهْرِ الْبِرِّ وَالْخَيْرَاتِ؛ وَلَا يَسْتَحْقِرَنَّ أَحَدَكُمْ مَا يُنْفِقُهُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْه].
عِبادَ اللهِ: رَمَضانُ شَهْرُ تَأْدِيبِ النَّفْسِ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَكَبْحِ جِماحِ شَهْوَتِها، شَهْرٌ يَشْعُرُ فِيه المسْلِمُ الْغَنِيُّ بِحالِ أَخِيهِ الْفَقِيرِ وَيَعِيشُ لَحَظاتٍ مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ مِثْلَ ما يُعانِيهِ إِخْوانُهُ الْفُقَراءُ طُولَ الْعامِ، فَلْيَحْذَرِ المبَذِّرُونَ وَالمسْرِفُونَ وَالَّذِين يَتَباهَوْنَ بِكَثْرَةِ الْأَطْعِمَةِ وَاتِّسَاعِ الموائِدِ، فَهَذَا مِنْ إِهْدارِ نِعَمِ اللهِ، وَعَدَمِ شُكْرِها، وَيَظْهرُ ذَلِكَ فِيْ الْوَلائِم وَالأَعْرَاسِ، وَالكَمَالِيَّاتِ؛ وَبَعْضُهُمْ يُصَوِّرُ تِلْكَ الموائِدَ وَيَنْشُرُها في مَواقِعِ التَّواصُلِ؛ فَيَكْسِرُ قُلُوبَ الْفُقَراءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[الأعراف: 31]. وَهَذا الْإِسْرافُ مُخالِفٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَفِيهِ تَضْيِيعٌ لِلْحِكْمَةِ مِنَ الصِّيامِ.
عِبادَ اللهِ: هُنَاكَ مَنْ يَظَنُّ أَنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ الرَّاحَةِ وَالْكَسَلِ، وَهَذَا فَهْمٌ خَاطِئٌ، بَلْ شَهْرُ الْقُوَّةِ لَا شَهْرَ الْضَّعْفِ، فَالْصِّيَامُ لَا يُسَوِّغُ التَّقْصِيرَ فِي الْاِنْتِظَامِ الدِّرَاسِيِّ لِلْطُّلَّابِ، أَوِ التَّهَاوُنَ فِي أَدَاءِ الْمَهامِّ الْوَظِيفِيَّةِ لِلْمُوَظَّفِينَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَإِتْقَانِ عَمَلِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»[رواه الطبراني والبيهقي]، بَلْ كانَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم يَصُومُ رَمَضانَ، وَيَصُومُ أَغْلَبَ شَعْبانَ، وَيَصُومُ الاثْنَيْنَ وَالخَمِيسَ، وثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟»، فَإِذَا قُلْنَا: لَا، قَالَ: «إِنِّي صَائِمٌ» [رواه أبو داود، والنسائي]، وَمَعَ صِيامِهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُومُ بِأَعْباءِ الْقِيادَةِ دِينِيًّا وَاجْتِماعِيًّا وَسِياسِيًّا، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ تَعَبَّدَ لِرَبِّهِ، يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَماهُ، وَيَكُونُ فِي خِدْمَةِ أَهْلِهِ، وَيَتَفَقَّدُ أَحْوالَ أَصْحابِهِ، وَيُجَهِّزُ الْجُيوشَ، وَيَبْعَثُ السَّرايا، وَيَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ، يَعْمَلُ كُلَّ هَذا وَهُوَ صائِمٌ.
عِبادَ اللهِ: إِنَّ رَمَضانَ أَعْظَمُ مَدْرَسَةٍ؛ فَهُوَ يُعَوِّدُنا الْعاداتِ الْحَسَنَةَ الْإيجابِيَّةَ، وَيُرَبِّي فِينا رُوحَ المنافَسَةِ عَلَى فِعْلِ الخَيْراتِ، وَاكْتِسابِ الحَسَناتِ، وَعَدَمِ الرُّكُونِ إِلَى الرَّاحَةِ وَالْكَسَلِ، فَلا يَلِيقُ بِمَنْ أَعَدَّ اللهُ لَهُ شَهْرَ الْإِكْرامِ، وَأَحْياهُ حَتَّى يَغْتَرِفَ مِنْ رَحَماتِهِ وَغُفْرانِهِ، ثُمَّ هُوَ يَجْعَلَ الشَّهْرَ لِلَذِيذِ الْمَطْعُوماتِ وَالمشْرُوباتِ وَالسَّهَراتِ وَالضِّيافاتِ، ولا يَكُونُ نَصِيبُ الْعِبادَةِ إِلَّا فُضُولَ الْأَوْقاتِ.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعِينَنا عَلَى الصِّيامِ وَالْقِيامِ، وَأَنْ يَجْعَلَنا مِنْ عُتَقائِهِ مِنَ النَّارِ.
أَقُولُ قَوْلِيْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَّصَ قُلُوبَ وَعُقُولَ عِبادِهِ المتَّقِينَ مِنْ ظُلَمِ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ..
عِبادَ اللهِ: في رَمَضانَ تَرْتَفِعُ الرُّوحُ الْإِيمانِيَّةُ، وَكَذَلِكَ الْقُوَّةُ الجَسَدِيَّةُ؛ فَالصَّوْمُ عِلاجٌ لِلْأَرْواحِ وَالْأَبْدانِ، وَفِي الصِّيامِ والْقِيامِ وَأَعْمالِ الخَيْرِ تَرْبِيَةٌ لِلنَّفْسِ وَتَهْذِيبُها، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِبِلُوغِ رَمضَانَ أَنْ يَمْلَأَهُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّعَرُّضِ لِرَحَماتِ اللهِ عزَّ وجلَّ: فَقَدْ دَعَا جِبْرِيلُ عليه السلامُ وَأَمَّنَ صلى الله عليه وسلم عَلَى دُعائِهِ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ. فَقُلْتُ: آمِينَ» [صحيح الأدب المفرد].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِين، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.