11 جمادي أول, 1448

وأقبلت العشر 17/ 9/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، الْقَرِيبِ الْمُجِيبِ؛ يُعْطِي السَّائِلِينَ، وَيَجْبُرُ الْمُنْكَسِرِينَ، وَيُجِيبُ دُعَاءَ الدَّاعِينَ، نَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ التَّائِبِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ رَبٌّ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، قَرِيبٌ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ حَتَّى تَلْقَوْهُ..﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة:233]. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا قَدْ اقْتَرَبَ تَمَامُهُ وَتَصَرَّمَتْ لَيَالِيهِ الْفَاضِلَةُ وَأَيَّامُهُ، وَآذَنَ بِالرَّحِيلِ، ولَقَدْ خَصَّكُمُ اللهُ عز وجل بِخَصَائِصَ، وَجَعَلَ لَكُمْ مَزَايَا، وَمَنَحَكُم كَثِيرًا مِنَ الفَضَائِلِ، وَهَا أَنْتُمْ عَلَى أَبْوابِ أَفضَلِ اللَّيَالِي عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلائِلَ نَسْتَهِلُّ الْعَشْرَ الْأَخِيرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا، كانَ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم يَتَحَرَّى لَيلَةَ القَدْرِ في هَذِهِ اللَّيالِي، وَيَحُثُّ عَلَى تَحَرِّيها، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَواخِرَ، فَيَجْلِسُ فِي المسْجِدِ لَيْلَهُ وَنَهارَهُ، يَخْلُو بِرَبِّهِ، يَعْبُدُ اللهَ عز وجل يَتْلُو كِتابَهُ، يُصَلِّي، يَذْكُرُ اللهَ فِي اعْتِكافِهِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِي صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم: «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ مِئْزَرَهُ وَجَدَّ» [متفق عليه]. كِنَايَةٌ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْعِبَادَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى الْمُعْتَادِ؛ فَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ فِي العِبَادَةِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ لَا يُدْرِكُهَا مَرةً أُخْرَى، بِاخْتِطَافِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، وَمُفَرِّقِ الْجَمَاعَاتِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَلِهَذِهِ الْعَشْرِ فَضائِلُ عَظِيمَةٌ، مِنْها: أَنَّها خِتامُ الشَّهْرِ، وَالْأَعْمالُ بِالْخَواتِيمِ فَمَنْ كانَ مُحْسِنًا فِيما مَضَى، فَلْيُحْسِنْ في هَذِهِ الْأَيّامِ لِتَكُونَ خَيْرَ خِتامٍ، وَمَنْ كانَ مُفَرِّطًا أَوْ مُسِيئًا فَعَلَيهِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْفَواتِ، وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْعَشْرِ؛ وُجُودُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِيهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:1-3]، قَالَ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِخَصَائِصَ منها: نُزُولُ الْقُرْآنِ فِيهَا: جُمْلَةً وَاحِدَةً، مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ في السَّماءِ السَّابِعَةِ، إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَصَّلًا بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، عَلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم ، وَمِنْ مُميِّزاتِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الْعِبادَةُ فِيها خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ، قَالَ تَعَالَى:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وَهِيَ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ، قَالَ تَعَالَى:﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾[الدخان:3]. وَيَكْثُرُ تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ فِي هَذِه اللَّيْلَةِ؛ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، قَالَ تَعَالَى:﴿تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾[القدر:4] وَالرُّوحُ: هُوَ جِبْرِيلُ، عليه السلام، وَقَدْ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ، ويَغْفِرُ اللهُ تَعَالَى لِمَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، قَالَ النَّبِيِ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم:«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى: «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» أَيْ: تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللهِ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَطَلَبًا لِلْأَجْرِ لَا لِقَصْدٍ آخَرَ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ.
– وَمِنْ عَظَمَتِهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي شَأْنِهَا سُورَةً تُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَكَرَ فِيهَا شَرَفَ هَذِهِ اللَّيْلةِ، وَعِظَمَ قَدْرِهَا-سُوْرَةَ الْقَدْرِ- فالْعِبَادَةُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَهَذَا فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَفِي هَذَا تَرْغِيبٌ لِلْمُسْلِمِ، وَحَثٌّ لَهُ عَلَى قِيَامِهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ؛ وَلِذَا كَانَ النَّبِيُّ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم ، يَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَيَتَحَرَّاهَا؛ وَهِيَ فِي الْعَشْرِ، وَفِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ آكَدُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم قَالَ: «تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَجَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا تَتْنَقَّلُ كُلَّ عَامٍ، وَلَيْسَتْ فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ لِتَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا طَرِيقَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ إِلَا بِانْتِقَالِهَا). وَإِنَّمَا أَخْفَى اللهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ لِيَجْتَهِدَ الْعِبَادُ فِي طَلَبِهَا، وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرَهَا.
عِبَادَ اللهِ: وَكانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِذَا أَقْبَلَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ يَخُصُّونَها بِطُولِ الْقِيامِ، وَزِيادَةِ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَدَقَةِ، وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ؛ اِقْتِداءً بِالنَّبِيِّ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم ، كانُوا يُصَلُّونَ التَّهَجُّدَ، وَيَخْتِمُونَ تَهَجُّدَهُمْ بِالْوِتْرِ وَالِاسْتِغْفارِ، فَلْيَكُنْ لَنَا بِهِمْ أُسْوَةٌ، وَلْنَسِرِ عَلَى آثارِهِمْ لَعَلَّنَا نَلْحَقُ بِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ يُوَفَّقْ لِقِيامِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَعَمَلُهُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَيا لَها مِنْ لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، كَمَا سَمَّاها اللهُ! وَيَا لَها مَنْ لَيْلَةٍ ذاتِ قَدْرٍ عِنْدَ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالَى، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُولِي: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ التِّرمذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَلِهَذِهِ اللَّيْلَةِ ثَلَاثُ عَلاماتٍ تُعْرَفُ بِهَا، وَوَردَتْ بِها الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ: الْعَلَامَةُ الْأُولَى: «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَهَا لَا شُعَاعَ لَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْعَلَامَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ «لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةٌ» صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ. الْعَلَامَةُ الثَّالِثَةُ: «أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ، لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ، وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً، لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ، وَاجْتَهِدُوا فِي هَذَا الشَّهْرِ بِإِحْسَانِ أَقْوَالِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، واللهَ اللهَ فِي الجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الْخُيُولَ الْأَصِيْلَةَ يَشْتَدُّ جَرْيُهَا وَيَزِيْدُ عَطَاؤُهَا إِذَا شَارَفَ السِّبَاقُ عَلَى النِّهَايَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أمَّا بَعْدُ. فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
عِبَادَ اللهِ: وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ عَمَلُهَا فِي هَذِهِ الْعَشْرِ؛ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُسَنُّ الِاعْتِكَافُ فِيهَا؛ لِزِيادَةِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَالِاعْتِكَافُ: لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وفِي حَدِيثِ أَبِى سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَّلَ ثُمَّ الْعَشْرَ الْوَسَطَ، ثُمَّ أَخْبرَهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَأَنَّهُ أُرِيهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَقَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَاِئَشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَاهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْعُلَماءُ رَحِمَهُمُ اللهُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَواخِرَ فَلْيَدْخُلِ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ، وَيُسَنُّ لِلْمُعْتَكِفِ الِاشْتِغَالُ بِالطَّاعَاتِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾[البقرة: 187]، وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِحَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنهَا، فَعَلَى المسْلِمِ؛ أَلَّا يُفَوِّتَ فُرْصَةَ الاِعْتِكَافِ، وَقَدْ أَفْتَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ أَنَّهُ: (يَجُوزُ الِاعْتِكافُ، وَلَوْ ساعَةً مِنَ الزَّمَنِ).
عِبادَ اللهِ: الدُّنْيا ساعاتٌ وَأَيَّامٌ، وَهِيَ مِنْ صَحائِفِ الْأَعْمارِ، وَعُمُر الْإِنْسانِ مِنْهَا عَمَلُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ خَلَّدَها بِأَحْسَنِ الْأَعْمالِ، وَالْفَائِزُ مَنِ اغْتَنَمَ بِالْخَيْرِ لَحَظاتِ وَقْتِهِ، وَلَمْ يُفرِّط في شيءٍ مِنْ دَهْرِهِ، وَالمغْبُونُ مَنِ انْفَرَطَ أَمْرُهُ، وَغَفَلَ قَلْبُهُ، وَاتَّبَعَ هَواهُ، والمحْرُومُ مَنْ حُرِمَ الْخَيْرَ فِي رَمَضانَ، قالَ النَّبيُّ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ« [رواه الترمذي].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

حكمة اليوم

  • الناس لا يفصل بينهم النزاع إلّا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل.

استطلاع الرأي

من خلال اطلاعكم كيف تقيمون الموقع؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

القائمة البريدية