11 جمادي أول, 1448
المحافَظَةُ عَلَى الْبِيئَةِ وَعَدَمُ الْإِضْرارِ بِهَا 20/ 7/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا نَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ سِواهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلُهُ وَمُصْطَفاهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَالْتَمِسُوا مِنَ الْأَعْمالِ مَا يُحِبُّ رَبُّنا وَيَرْضَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المسلِمُونَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَنا، وَاستَخلَفَنا فِي الأرض، وَخَلَقَ لَنا كُلَّ مَا فِيهَا بِرًّا مِنهُ سبحانه، وَرَحمَةً وَإِحسَانًا؛ لِنَأْكُلَ وَنَنْتَفِعَ وَنَتَمَتَّعَ وَنَتَفَكَّرَ، وَنَتَقَوَّى عَلَى عِبادَتِهِ، وَنَتَّعِظَ وَنَعتَبِرَ، قَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾[إبراهيم: 32- 34]، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدُّنيَا حُلوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُستَخلِفُكُم فِيهَا فَيَنظُرُ كَيفَ تَعمَلُونَ» [رَوَاهُ مُسلِمٌ]، فإِنَّ الأَرضَ وَمَا فِيهَا مُلْكٌ للهِ، هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا وَهَيَّأَها، وَأَنزَلَ الإِنسَانَ عَلَيهَا لِيَعْمُرَهَا، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61] فَالوَاجِبُ عَلَى الإِنسَانِ تَعْمِيرُ الأَرضِ لا تَدمِيرُهَا، وَحِمَايَتُهَا لا العَبثُ فِيهَا، فَالأَشجَارُ وَالنَّبَاتَاتُ وَالثِّمَارُ، وَالحَيَوَانَاتُ وَالجِبَالُ وَالنُّجُومُ وَالبِحَارُ، كُلُّهَا مُسَخَّرَةُ لِلإِنسَانِ غِذَاءً وَدَوَاءً وَمَنفَعَةً، وَقَضَاءً لِحَاجَةٍ أَو سَدًّا لِضَرُورَةٍ، وَلا مانِعَ مِنْ أَنْ يَبتَهِجَ بِهَا، وَيُسَرَّ، وَيَفرَحَ، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 60]. فَالْإِنْسَانُ في الْأَرْضَ مُسْتَخْلَفٌ وَصِيٌّ لا مَالِكٌ، مُحَافِظٌ لا مُفسِدٌ، أَمِينٌ لا خَائِنٌ، شَاكِرٌ لِلمُنعِمِ لا كَافِرٌ بِنِعَمِهِ، نَعَمْ لا بَأسَ أَنْ يَستَمتِعَ بِمَا أَحَلَّهُ اللهُ فِيهَا مِن مَتَاعٍ، لَكِنْ تَجِبُ المحافَظَةُ عَلَيْها، وَعَلَى نَظافَتِها خَاصَّةً الْأَماكِنَ العامَّةَ، وَمَواقِعَ التَّنَزُّهِ في الْبَرِّيَّةِ، فَتَلْوِيثُها وَتَرْكُ المخَلَّفاتِ فِيها مِنْ صُوَرِ الْإِفْسادِ في الْأَرْضِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، قالَ تَعالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 85] أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ في أَرْضِ وَطَنِنا الْحَبِيبِ وَخَيرَاتِهَا وَأَشجَارِهَا وَنَبَاتِهَا، وَطَبِيعَتِهَا وَمَرَاعِيْهَا وَمَحمِيَّاتِهَا، وَلْنَمْتَثِلْ أَمْرَهُ لَنَا إِذْ قَالَ سُبحَانه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]، وقالَ عز وجل: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].
أَيُّهَا المسلِمُونَ: إِنَّ دِينَنا يَحُثُّنا عَلَى التَّعْمِيرِ وَالإِصْلاحِ وَالبِنَاءِ، وَإِرَادَةِ الخَيرِ بالأَرضِ وَسَاكِنِيهَا، وَحِفظِ مَوَارِدِهَا، وَيُحَذِّرُنا مِنَ التَّدمِيرِ وَالإِفسَادِ وَالعَبثِ وَالإِيذَاءِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفي يَدِ أَحَدِكُم فَسِيلَةٌ فَإِنِ استَطَاعَ أَلاَّ تَقُومَ حَتى يَغرِسَهَا فَلْيَغرِسْهَا» [رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن مُسلِمٍ يَغرِسُ غَرْسًا إِلاَّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنهُ صَدَقَةً، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا أَكَلَتِ الطُّيُورُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةً، وَلا يَرزَؤُهُ أَحَدٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً» [رَوَاهُ مُسلِمٌ]، وَجَعَلَ دِينُنا إِماطَةَ الْأَذَى عَنْ طُرُقاتِ المسلِمِينَ وَأَماكِنِ جُلُوسِهِمْ مِنْ أَعْمالِ الْبِرِّ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَقَد رَأَيتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ، في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِن ظَهرِ الطَّرِيقِ كَانَت تُؤذِي النَّاسَ» [أخرجه مسلم]، فَاللهَ اللهَ أَيُّهَا المسلِمُونَ، لِنَكُنْ مِمَّنْ يُصلِحُ وَلا يُفسِدُ، وَيَنفَعُ وَلا يَضُرُّ، وَيُعطِي وَلا يُؤذِي، وَحَذَارِ حَذَارِ مِنَ الإِفسَادِ في الأَرضِ بِقَطعِ الأَشجَارِ الَّتي يَستَظِلُّ بِهَا النَّاسُ، أَو إِشعَالِ النَّارِ في أَمَاكِنِ جُلُوسِهِمْ، أَو تَلويثِهَا بِبَقَايَا الطَّعَامِ، أَو رَميِ الأَوسَاخِ وَالمخَلَّفَاتِ وَالقَاذُورَاتِ، أَو تَركِ مَا يُؤذِي النَّاسَ وَالدَّوَابَّ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المؤمِنِينَ وَالمؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
أَيُّها الموَحِّدُونَ: دِينُنا دِينُ النَّظافَةِ وَالنِّظامِ، وَقَدْ هَيَّأَ لَنا مِنَ الخَيْرِ ما حُرِمَ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَلْنُحافِظْ عَلَى هَذَا الخَيْرِ، وَمِنَ الْحِفاظِ عَلَيْهِ صَوْنُهُ وَتَنْمِيَتُهُ وَنَظافَتُهُ، والنِّفاياتُ تُوضَعُ في أَماكِنِها المخَصَّصَةِ، وَلا نَتْرُكُها مُنْتَشِرَةً في المكانِ وَنَرْحَلُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يؤذي النَّاسَ بِتَشْوِيهِ جَمالِ المكانِ، وَحِرْمانِهِمْ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَدْ يُؤْذِي الْبَهائِمَ وَالنَّباتَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» [أخرجه الترمذي والبيهقي]. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اِتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ أَو في ظِلِّهِم» [أخرجه مسلم].
أَيُّها المؤْمِنُونَ: أَعْطُوا النَّفْسَ حَظَّها مِنَ المتْعَةِ وَالتَّنَزُّهِ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمْرُ مُنْضَبِطًا بِالْقَواعِدِ وَالْآدابِ، وَخَالِيًا مِنَ التَّعَدّي وَالمنْكَرَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ رَمْيُ المخَلَّفاتِ، وَلا سِيَّما الْبِلاسْتِيكِيَّةَ وَالمعْدَنِيَّةَ، مِمَّا يُشَكِّلُ خَطَرًا بَالِغًا عَلَى الماشِيَةِ، وَقَدْ يُؤَدِّي إِلَى مَرَضِها أَوْ نُفُوقِهَا، وَهَذَا مِنَ التَّعَدِّي وَالْإِضْرارِ بِالثَّرْوَةِ الْحَيَوانِيَّةِ، الَّتِي جَعَلَها اللهُ سَبَبًا لِلرِّزْقِ، وَالضَّرَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مُحَرَّمٌ مَهْمَا كانَ نَوْعُهُ، وَيَزْدادُ الْإِثْمُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَلَفٌ أَوْ هَلَاكٌ، ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ أَنّ الَأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، وَكانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلامِ، حُلْوَ المنْظَرِ، أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُظْهِرًا الإسلامَ، وَمَحَبَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَدْنَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَجْلِسِهِ، وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المسلِمِينَ وُحُمُرٍ، فأَحْرَقَ الزَّرْعَ، وَعَقَرَ الحُمُرَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:204، 205] فَكانَ مِنْ مَظَاهِرِ نِفَاقِهِ، وسُوءِ طَوِيَّتِهِ، إِفْسَادُهُ لِلْبِيئَةِ، بِإِهْلاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، فَسَمَّاهُ اللهُ عز وجل فَسَادًا، واللهُ لا يُحِبُّ المفْسِدِينَ [تفسير الطبري: 4/ 229]، وَمِمَّا يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهُ إِلْقاءُ مُخَلَّفاتِ الْبِناءِ وَالمشارِيعِ فِي غَيْرِ الْأَماكِنِ المخَصَّصَةِ لَهَا؛ فَإِنَّ لَهَا أَضْرارًا جَسِيمَةً، لِمَا تُسَبِّبُهُ مِنْ تَشْوِيهٍ وَإِضْرارٍ بِالْبِيئَةِ، وَتَعْرِيضِ النَّاسِ وَالْمُمْتَلَكاتِ لِلْأَذَى، فَيَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ المخَلَّفَاتِ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَمْراضِ؛ لِأَنَّها بِمُرورِ الزَّمَنِ تَصِيرُ مَأْوًى لِلْحَشَراتِ وَالْحَيَواناتِ الضَّالَّةِ، وَمُسْتَنْقَعاتٍ تَنْشُرُ الرَّوائِحَ الْكَرِيهَةَ وَالْأَمْراضَ، وَتُشَوِّهُ جَمالَ بِلَادِنَا وَبِيئَتِنَا، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ» [أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والإمام أحمد]، وَعَلَى المسْلِمِ الْإِبْلاغُ عَنِ المخالِفِينَ لِكَفِّ أَذاهُمْ عَنْ جَماعَةِ المسْلِمِينَ، لِيَزْدادَ المجْتَمَعُ رُقِيًّا وَجَمالًا.
عِبَادَ اللهِ: في أَيَّامِ الشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ، وَمَوَاسِمِ نُزُولِ الأَمطَارِ وَنَبْتِ الكَلأِ، وَخَاصَّةً في العُطَلِ وَالإِجَازَاتِ، يَخرُجُ النَّاسُ لِلتَّنَزُّهِ، وَيَطِيبُ لَهُمُ التَّمَشِّي، فَاللهَ اللهَ بِالأَخذِ بِآدَابِ الخُرُوجِ وَالنُّزُولِ وَالسَّفَرِ وَالسَّيرِ وَالجُلُوسِ وَالنَّومِ، أَعطُوا كُلَّ شَيءٍ حَقَّهُ، واعلَمُوا أنَّ في الخُرُوجِ لِلبَرِّيَّةِ اتِّعَاظٌ واعْتِبارٌ بِما خَلَقَهُ اللهُ تعالَى في الكَوْنِ العَظيمِ، وفِيهَا يُتَفَكَّرُ في مَخْلُوقاتِ اللهِ تعالَى العَجِيبَةِ، لَكِنَّ هناك آدابًا يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْها المسْلِمُ في الْبَرِّيَّةِ، مِنْ ذَلِكَ: ما وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذِكْرٍ ودُعاءِ نُزُولِ الـمَـنْزِلِ، وجَمِيلٌ أَنْ يُعَوِّدَ المسْلِمُ نَفْسَهُ وأَهْلَهُ وأَوْلَادَهُ الِاسْتِعَاذَةَ عِنْدَ النُّزُولِ؛ لِيَكُونَ المرْءُ في حِفْظِ اللهِ ورِعَايَتِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قالَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيءٌ حتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» [رواه مسلمٌ]، وَيَجِبُ على المسْلِمِ في هَذِهِ الرَّحَلاتِ المحَافَظَةُ علَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في أوقاتِها، قالَ تعالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، واعَلَمُوا أَنَّ الصَّلاةَ في الصَّحْرَاءِ لَها أَجْرٌ عَظِيمٌ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً» [رواه أبو داوود وهو حديثٌ صحيحٌ]. ومِمَّا يَتَعَّلقُ بِالصَّلاةِ رَفْعُ الأَذَانِ بصَوْتٍ مرتَفِعٍ، فَهُوَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ مُبارَكةٌ، يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسُ في نُزْهاتِهِمْ ومُخَيَّماتِهِمْ، قالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه لِرَجُلٍ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدَرِيُّ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. [رواه البخاريُّ]، قالَ صلى الله عليه وسلم: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» [رواه أبو داوود والنسائيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ]، ومِنَ الآدابِ إِطْفَاءُ النَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ، وإِغْلَاقُ المدَافِئِ، ومَا في مَعْنَاهَا؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» [متَّفَقٌ عليه].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمدُ للهِ القُدُّوسِ السلامِ، وأَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ الْأَنامِ، صَلَّىَ اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ الكرامِ، وَمَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ على الدَّوامِ، أَمّا بَعدُ.. عِبَادَ اللهِ: لقَدْ قامَتْ دولتُنا الرَّشيدَةُ على تَنْمِيَةِ مَوارِدِها وإدارةِ ثَرَواتها، حِفْظًا لحقِّ أَجْيالِها، فَاعْتَنَتْ بالتَّشْجِيرِ وإقَامَةِ المحمِيَّاتِ الطَّبِيعيَّةِ، ونَظَّمَتِ الصَّيْدَ، وأَنْشَأَتِ المتَنَزَّهات، وفَرضَتَ العُقُوباتِ لِكُلِ مَنْ يِتَجَاوزُ، ويعَتَدِي على حُرمَةِ تِلِكَ الممتَلكَاتِ؛ وَذَلِكَ لِنَهْنَأَ وَالْأَجْيالَ الْقادِمَةَ -إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى- بِبيئَةٍ صِحِّيَّةٍ، فعَلَيْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى إِنْجَازَاتِ الدَّوْلَةِ في بِيئَتِنا الجَمِيلَةِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.