26 صفر, 1448

الشريف الشيخ منصور بن حمود بن حسن بن منصور بن علي آل خيرات

 

رىئيس محكمة الاستئناف بمنطقة جازان سابقًا (متقاعد)

 

سيرة رجلٍ اجتمع فيه العلم والفضل وحسن الخلق

 

أجد نفسي مترددًا في البدء عند الحديث عن قامةٍ علمية وقضائية بحجم الشيخ الشريف منصور بن حمود بن حسن بن منصور بن علي آل خيرات، رئيس محكمة الاستئناف بمنطقة جازان سابقًا؛ فحين يكون الحديث عن شخصيةٍ امتدت سيرتها بين القضاء والعلم والإمامة وخدمة المجتمع، تقف الكلمات إجلالًا، ويقف القلم أمام سيرةٍ زاخرة بالعطاء، ورجلٍ لا تفيه عبارات الثناء حقه، ولا تحيط به الأسطر مهما امتدت.

 

فكيف يمكن أن يُكتب عن رجلٍ عرفته المحاكم قاضيًا ورئيسًا، وعرفته المساجد إمامًا وخطيبًا، وعرفه الناس أخًا وصديقًا وناصحًا، وعرفته المجالس رجلًا هادئًا حكيمًا متواضعًا، وعرفته أسرته أبًا وأخًا وقدوة؟

 

إن الحديث عن الشيخ منصور ليس حديثًا عن منصبٍ تقلده فحسب، بل هو حديث عن سيرة رجلٍ ترك أثرًا بالغًا في كل موضع حلّ فيه، وفي كل عمل تولاه، وفي كل إنسان التقى به.

 

وقد ذاع صيت الشيخ الشريف منصور في أرجاء محافظة صامطة، وفي عددٍ من مدن وقرى وطننا الغالي، ولم يكن ذلك بسبب منصبٍ أو جاه، وإنما بما عُرف عنه من علمٍ راسخ، وخلقٍ رفيع، ونزاهةٍ، وحسن تعامل؛ وهي صفات إذا اجتمعت في إنسان جعلت الناس يذكرونه بالخير دون أن يطلب ذلك.

 

مسيرة قضائية حافلة بالعطاء

 

بدأ الشيخ الشريف منصور بن حمود بن حسن بن منصور بن علي آل خيرات مسيرته في السلك القضائي كملازم قضايا في محكمة الشعبين بمنطقة عسير، وكانت تلك المرحلة انطلاقةً لمسيرةٍ عملية ثرية، اكتسب خلالها الخبرة والمعرفة، وتأهل لتحمل أمانة القضاء ومسؤولياته.

 

ثم انتقل للعمل قاضيًا بمحكمة أحد رفيدة بمنطقة عسير، مواصلًا أداء رسالته القضائية، قبل أن ينتقل إلى منطقة جازان، حيث عمل قاضيًا بمحكمة صامطة، ثم رئيسًا لها.

 

وبعد ذلك واصل مسيرته قاضي استئناف في محكمة عسير ، ثم عمل قاضيًا في محكمة الاستئناف بمنطقة جازان، ثم رئيسًا لها، حتى اختار التقاعد المبكر بعد رحلةٍ حافلة بالعطاء في مرفق القضاء وخدمة المجتمع.

 

وهكذا تدرج الشيخ منصور في السلك القضائي من ملازم قضايا، إلى قاضٍ، ثم رئيس محكمة، ثم قاضي استئناف، ثم رئيس لمحكمة الاستئناف بمنطقة جازان، في مسيرةٍ تعكس ما اتصف به من كفاءةٍ وأمانةٍ وحسن أداء.

 

ولم يكن القضاء بالنسبة إليه مجرد وظيفةٍ يؤديها، بل كان أمانةً عظيمةً ومسؤوليةً جسيمةً يستشعر ثقلها وواجبها.

 

ففي أروقة المحاكم، حيث تتعلق حقوق الناس ومصالحهم، وحيث يحتاج القاضي إلى العلم والحكمة ونفاذ البصيرة ونقاء الضمير، عُرف عنه الانضباط والجدية والنزاهة، فلم تحرفه المجاملات عن الحق، ولم تؤثر فيه القرابة أو المكانة عن ميزان العدل.

 

كان حازمًا حين يقتضي المقام الحزم، وصارمًا حين تستدعي المواقف الصرامة، إلا أنه في الوقت ذاته كان هادئًا متزنًا؛ يُنصت قبل أن يحكم، ويتروى قبل أن يصدر قراره.

 

وتلك من سمات الرجال الذين يدركون أن القوة ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في ثبات الموقف، وأن هيبة الإنسان لا يصنعها المنصب، بل تصنعها الأخلاق والعدل وحسن السيرة.

 

بين القضاء والمحراب.. مكانةٌ جمعت العلم والرسالة

 

ولم تقتصر مسيرة الشيخ منصور على العمل القضائي، بل جمع إلى جانب مسؤولياته حضورًا بارزًا في خدمة الدين والمجتمع.

 

فأثناء عمله، كان يُكلَّف رسميًا بخطبة وصلاة عيدي الفطر والأضحى في منطقة جازان، تقديرًا لمكانته العلمية والقضائية، وثقةً بما يمتلكه من علمٍ وقدرةٍ على أداء هذه الرسالة.

 

وفي تلك المرحلة، كان سموسيدي أمير منطقة جازان حفظه الله يزوره، لكونه في حينه صاحب أعلى مرتبة قضائية في المنطقة، في مشهدٍ يعكس مكانته الرسمية والاجتماعية، وما كان يحظى به من تقديرٍ واحترام.

 

وهنا تتجلى ملامح شخصيته المتكاملة؛ فالرجل الذي تولى مسؤوليات القضاء وتدرج حتى رئاسة محكمة الاستئناف بمنطقة جازان، هو ذاته الذي كان يقف في محراب العيد، يخطب في الناس ويؤمهم، جامعًا بين هيبة القضاء وخشوع العبادة، وبين مسؤولية المنصب وخدمة المجتمع.

 

وكان حافظًا لكتاب الله، حسن التلاوة، مؤثرًا بصوته الهادئ الذي يلامس القلوب قبل الآذان.

 

وهذه الثنائية المتوازنة بين العلم والقضاء، والعبادة وخدمة الناس أسهمت في تشكيل شخصيةٍ متزنة، جمعت بين هيبة القاضي وخشوع الإمام، وبين قوة المسؤولية ورقة القلب.

 

رجلٌ تقاعد مبكرًا ولم يتقاعد من العطاء

 

وحين بلغ مرحلة التقاعد، اختار الشيخ منصور التقاعد المبكر بعد مسيرةٍ قضائية حافلة بالعطاء، إلا أنه لم يغادر ميادين الخير وخدمة الناس.

 

فالتقاعد بالنسبة إليه لم يكن نهاية المطاف، بل انتقالًا من ميدانٍ إلى ميدان، ومن مسؤوليةٍ إلى مسؤولية.

 

وهذه سمة الرجال الذين اعتادوا النفع والإحسان؛ فهم لا يتقاعدون من الأخلاق، ولا من خدمة الناس، ولا من بذل الخير.

 

فالمنصب ينتهي، والوظيفة تنتهي، لكن الأثر الطيب لا ينتهي.

 

هدوءٌ يسبق الحكمة

 

ومن أبرز ما يميز الشيخ الشريف منصور هدوؤه اللافت.

 

فهو من الرجال الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم ليُسمعوا، ولا إلى كثرة الكلام ليُعرف قدرهم.

 

هادئ في حديثه، متزن في مواقفه، حكيم في تعامله، قريب من الناس، يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.

 

وقد أصبحت الحكمة سمةً بارزة في شخصيته، يشهد بها من عرفه عن قرب، ومن تعامل معه في العمل، ومن جلس إليه في مجلس، ومن رآه في مواقف الحياة المختلفة.

 

صرامة العمل.. وطيبة القلب

 

ومن أجمل ما يُذكر عنه أن من عرفه في بيئة العمل يراه حازمًا صارمًا، بينما من عرفه في حياته الاجتماعية يراه متواضعًا قريبًا من الناس.

 

وهنا تتجلى ملامح الشخصية المتوازنة.

 

فالصرامة في العمل لم تكن قسوة، والتواضع في الحياة لم يكن ضعفًا.

 

كان يدرك لكل مقامٍ مقالًا، ولكل موقفٍ ما يناسبه.

 

فإذا اقتضت الأمانة الحزم كان حازمًا، وإذا استدعى الموقف الرحمة كان رحيمًا، وإذا احتاج الإنسان إلى كلمةٍ طيبة وجدها عنده، وإذا احتاج إلى نصيحة وجد عنده عقلًا راجحًا وقلبًا مشفقًا.

 

بيتٌ كانت فيه التربية قبل العلم

 

وينتمي الشيخ منصور إلى أسرةٍ عُرفت بالتقى والزهد وايضا بالكرم والعلم والتواضع، أسرةٍ أولت العلم اهتمامًا، وأدركت أن العلم بلا أخلاق قد يفقد أثره.

 

فكانت التربية لديهم سابقةً للعلم، والأدب مقدَّمًا على المعرفة، وحسن الخلق مقدمًا على كثرة القول.

 

ومن هذا المنطلق نشأ الشيخ وإخوانه على قيمٍ راسخة؛ فكان العلم لديهم وسيلةً للنفع لا للتفاخر، وكان الشرف مسؤوليةً قبل أن يكون نسبًا، وكانت المكانة الحقيقية فيما يقدمه الإنسان من خيرٍ للآخرين.

 

أخلاقٌ تمشي على الأرض

 

وإذا أردنا اختصار شخصية الشيخ منصور في عبارةٍ جامعة، فلعل أصدق ما يقال:

 

إنه أخلاقٌ تمشي على الأرض.

 

يعطف على الصغير، ويوقر الكبير، ويحفظ للناس مكانتهم، وتغلب على ملامحه سكينة الرجال الذين لا يحتاجون إلى إثبات أنفسهم.

 

ابتسامته هادئة، وحديثه هادئ، وحضوره هادئ، إلا أن خلف هذا الهدوء شخصيةً قويةً أدت الأمانة وتحملت المسؤولية.

 

وهذه من صفات الرجال الذين يجمعون بين الهيبة والبشاشة، والوقار والرحمة، وقوة الشخصية ولين الجانب.

 

رجلٌ لا تختصره المناصب

 

قد تُذكر سيرته فتقال: ملازم قضايا، وقاضٍ بمحكمة أحد رفيدة، وقاضٍ بمحكمة صامطة ورئيسًا لها، وقاضي استئناف، ورئيس محكمة الاستئناف بمنطقة جازان سابقًا.

 

غير أن الحقيقة أن هذه الأوصاف، على أهميتها، لا تختصر الرجل.

 

فالإنسان لا يُقاس بالمناصب التي شغلها فحسب، بل بالأثر الذي يتركه بعد رحيله عنها.

 

والشيخ منصور من الرجال الذين بقي أثرهم حاضرًا في نفوس من عرفهم؛ لأنهم لم يجعلوا المناصب حاجزًا بينهم وبين الناس.

 

كان قريبًا من الجميع، يحفظ للناس قدرهم، ولا يرى في المنصب سببًا للتعالي.

 

ولهذا بقيت محبته راسخة في القلوب، وبقيت سيرته تُذكر بالخير.

 

شهادة وفاء

 

إن الحديث عن الشيخ الشريف منصور بن حمود بن حسن بن منصور بن علي آل خيرات، رئيس محكمة الاستئناف بمنطقة جازان سابقًا، مهما امتد، لا يفيه حقه.

 

فبعض الرجال تتجاوز سيرتهم حدود الكلمات، لأن أثرهم أوسع من أن يُحاط بعبارة أو مقال.

 

وإذا كانت المحاكم قد شهدت له بالنزاهة، والمساجد قد شهدت له بالقرآن والإمامة والخطابة، ومجالس الرجال قد شهدت له بالحكمة، فإن الناس قد أجمعوا على شهادةٍ أعظم:

 

حسن الخلق.

 

وهي أعظم شهادة يمكن أن يحملها الإنسان.

 

فالمناصب تزول، والألقاب تتغير، لكن يبقى للإنسان أثرٌ واحد لا يُنسى:

 

كيف كان يعامل الناس.

 

وقد ترك الشيخ منصور في هذا الجانب إرثًا نقيًا من الأدب والاحترام والتواضع والكلمة الطيبة.

 

وفي الختام…

 

سلامٌ على رجلٍ عاش عمره بين العلم والقضاء والقرآن وخدمة الناس.

 

سلامٌ على رجلٍ بدأ مسيرته كملازم قضايا في محكمة الشعبين بمنطقة عسير، ثم تدرج في السلك القضائي قاضيًا بمحكمة أحد رفيدة، ثم قاضيًا ورئيسًا لمحكمة صامطة، ثم قاضيا للإستئناف بمحكمة عسير. ثم قاضيًا للاستئناف ورئيسًا لمحكمة الاستئناف بمنطقة جازان، حتى اختار التقاعد المبكر بعد مسيرةٍ حافلة بالعطاء.

 

سلامٌ على رجلٍ كان يُكلَّف بخطبة وصلاة عيدي الفطر والأضحى في جازان، ويحظى بالتقدير لما جمعه الله له من علمٍ وقضاءٍ وحسن خلق.

 

سلامٌ على رجلٍ لم تغيّره المناصب، ولم تحجبه المسؤوليات عن الناس.

 

سلامٌ على رجلٍ أدرك أن الهيبة في التواضع، وأن العلم لا يكتمل إلا بالأخلاق، وأن الشرف الحقيقي في نفع الآخرين.

 

حفظ الله الشيخ الشريف منصور بن حمود بن حسن بن منصور بن علي آل خيرات، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وأطال في عمره على طاعته، وبارك له في عمره وعمله وأهله، وجزاه عن علمه وقضائه وإمامته وخدمته لدينه ووطنه ومجتمعه خير الجزاء.

 

ونسأل الله أن يجعل ما قدمه من علمٍ وقضاءٍ وإمامةٍ وخطابةٍ وخدمةٍ للناس في ميزان حسناته، وأن يبارك له فيما تبقى من عمره، وأن يملأ أيامه بالخير والطمأنينة.

 

فإن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله سيرةٌ طيبة، وذكرٌ حسن، وأثرٌ لا يموت.

 

والشيخ منصور ــ فيما نحسبه والله حسيبه ــ ترك من ذلك الكثير، وما زال أثره الطيب حاضرًا بين محبيه ومن عرفوه.

 

حفظ الله رجلًا كانت أخلاقه قبل منصبه، وتواضعه قبل مكانته، وأثره أبلغ من كل حديثٍ عنه.

 

محبكم/ يحي دوم مدخلي