26 ربيع أولI, 1448

مَداخِلُ الشَّيْطانِ 28/4/1448هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَحَذَّرَهُ مِنْ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الهَادِي إِلَى الصِّرَاطِ المسْتَقِيمِ، وَأَشْهَدُ أَنْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى المحَجَّةِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أما بعد.. عِبَادَ اللَّهِ: فالْمَرْءُ يُبْتَلَى بِعَدَاوَةِ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، أَمَّا الْعَدُوُّ الْإِنْسِيُّ فَيَرُدُّهُ الْإِحْسَانُ وَالتَّغَافُلُ، وَأَمَّا الْعَدُوُّ الشَّيْطَانِيُّ فَتَرُدُّهُ الِاسْتِعَاذَةُ وَالتَّحَصُّنُ بِذِكْرِ اللهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطانَ لَا يَبْتَغِي غَيْرَ هَلَاكِ ابْنِ آدَمَ، قالَ تَعالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ۝ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ۝ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 34-36].

أَيُّهَا الْمسْلِمُونَ: إِنَّ مَعْرَكَتَنَا مَعَ إِبْلِيسَ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِ البَشَرِيَّةِ، بَدَأَتْ مُنْذُ أَنْ خُلِقَ أَبُونا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَيْثُ تَكَبَّرَ وَعَصَى أَمْرَ رَبِّهِ بِالسُّجُودِ، وَحَسَدَ آدَمَ عَلَى مَا آتاهُ اللهُ، فأَعْلَنَ العَدَاوَةَ السَّافِرَةَ، وَأَقْسَمَ بِعِزَّةِ اللَّهِ لَيَقْعُدَنَّ لِبَنِي آدَمَ صِرَاطَهُمُ الْمسْتَقِيمَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17]. لِذَلِكَ تَكَرَّرَ تَحْذِيرُ الرَّبِّ الرَّحِيمِ لِعِبَادِهِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى، تَنْبِيهًا وَتَذْكِيرًا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ بِعِبَارَةٍ صَرِيحَةٍ قَاطِعَةٍ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6]. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَذِّرًا مِنْ شِدَّةِ قُرْبِهِ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. فَمِنَ الغَفْلَةِ الشَّدِيدَةِ أَنْ نَنَامَ وَالعَدُوُّ مُسْتَيْقِظٌ، وَأَنْ نَلْهُوَ وَهُوَ يَتَرَبَّصُ.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ: النَّاسَ تِجَاهَ حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ وَمَداخِلِهِ أَصْنَافٌ:

صِنْفُ مَعْصُومُونَ بِحِفْظِ اللَّهِ وَرِعَايَتِهِ، لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ البَتَّةَ، وَهُمْ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قَالَ تَعَالَى عَنْ شَيَاطِينِ الجِنِّ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]. بَلْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَفِرُّ مِنْ ظِلِّ بَعْضِ الصَّحَابَةِ الأَبْرَارِ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِمْ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه: «مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].، وَصِنْفُ الصَّالِحِينَ التَّوَّابِينَ: وَهَؤلاءِ يَقَعُ مِنْهُمُ الخَطَأُ وَالذَّنْبُ، لَكِنَّهُمْ يَمْلِكُونَ قُلُوبًا حَيَّةً؛ إِذَا أَصَابَهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَاسْتَغْفَرُوا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. فَهُمْ فِي جِهَادٍ مُسْتَمِرٍّ، إِنْ سَقَطُوا نَهَضُوا، وَإِنْ أَذْنَبُوا نَدِمُوا وَأَنَابُوا، وَصِنْفٌ ثالِثٌ، وَهُمْ أَصْحَابُ اللَّهْوِ وَالغَفْلَةِ: وَهُمْ الَّذِينَ اسْتَسْلَمُوا لِلشَّيْطَانِ، وَفَتَحُوا لَهُ الحُصُونَ، فَأَصْبَحَ يَقُودُهُمْ حَيْثُ يَشَاءُ، حَتَّى اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ وَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: 19].

عِبادَ اللهِ: إِنَّ أَبْوابَ الشَّيْطانِ وَمَداخِلَهُ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، وَهُوَ لا يَمَلُّ وَلا يَفْتُرُ، وَلا يَأْتِي مِنْ بابٍ واحِدٍ؛ وَلَا يَقُودُ الإِنْسَانَ إِلَى الهَلَاكِ فَجْأَةً، بَلْ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ خُطْوَةً بِخُطْوَةً، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ أَبْوَابٍ يَظُنُّهَا الإِنْسَانُ هَيِّنَةً، لَكِنْ عَواقِبُها وَخِيمَةٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ مُحَذِّرًا عِبادَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ﴾ [النور: 21].

فالشَّيْطَانُ خَبِيثٌ مَكَّارٌ، يَتَدَرَّجُ مَعَ الْإِنْسانِ؛ حَتَّى يُوقِعَهُ في الموبِقاتِ، وَإِنَّ مِنْ أَوْجَبِ الوَاجِبَاتِ عَلَى الْمؤْمِنِ أَنْ يَعْرِفَ مَدَاخِلَ عَدُوِّهِ لِيَحْذَرَهَا، وَيُمَيِّزَ وَسْوَسَتَهُ لِيَجْتَنِبَهَا، فَحِمَايَةُ القُلُوبِ تَبْدَأُ بِسَدِّ المنَافِذِ.

وَأَوَّلُ مَداخِلِ الشَّيْطانِ الْجَهْلُ، فَيُوَسْوِسُ لِلْجاهِلِ فَيَجْعَلُ الْبِدْعَةَ في عَيْنِهِ سُنَّةً، وَالتَّشَدُّدَ وَرَعًا، وَالْغُلُوَّ عِبادَةً، وَالمؤْمِنُ مُطالَبٌ بِأَنْ يَتَعَلَّمَ دِينَ اللهِ، وَيَعْمَلَ بِعِلْمِهِ؛ لِيَكُونَ عَمَلُهُ صَوابًا عَلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْلَصًا للهِ وَحْدَهُ، فَعَلَى المسْلِمِ طَلَبُ الْعِلْمِ خاصَّةً تَعَلُّمَ الْقُرْآنِ، وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: الْغُلُوُّ وَالتَّشَدُّدُ، فَقَدْ يُدْخِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الِالْتِزامَ بِالدِّينِ يَعْنِي التَّشَدُّدَ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» [رواه البخاري]، وَالشَّيْطانُ لا يُبالِي مِنْ أَيِّ جانِبَيِ الصِّراطِ خَرَجَ الْعَبْدُ: مِنْ جانِبِ الْإِفْراطِ أَوْ مِنْ جانِبِ التَّفْرِيطِ. وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: الْوَسْوَسَةُ، فَيُوَسْوِسُ لِلْعَبْدِ مِنْ ناحِيَةِ الْعِبادَةِ، الطُّهُورِ وَالصَّلاةِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْعَبْدُ الْعِبادَةَ، وَيُوَسْوِسُ لَهُ مِنْ ناحِيَةِ الْعَقِيدَةِ، وَهَذا مَدْخَلٌ لِلشِّرْكِ، وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: الِاشْتِغالُ بِالمفْضُولِ عَنِ الْفاضِلِ، كَمَنْ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَنامُ عَنْ صَلاةِ الْفَجْرِ، فَعَلَى المؤْمِنِ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ: ما أَحَبُّ الْأَعْمالِ إِلَى اللهِ في هَذا الْوَقْتِ؟ وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: الشَّهَواتُ، كَشَهْوَةِ المالِ، أَوِ النَّظَرِ، أَوِ المنْصِبِ، أَوِ المدْحِ، فَقدْ يُزَيِّنُ لِلْمُسْلِمِ الخَلْوَةَ بِالنِّسَاءِ الأَجَانِبِ، وَالنَّظَرَ إِلَى الحَرَامِ، حَتَّى يَجُرَّ العَبْدَ إِلَى الفَاحِشَةِ الكُبْرَى، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]. فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ نقُطْةَ َضعَفْهِ، فَمَنْ عَرَفَ بابَهُ أَحْسَنَ حِراسَتَهُ، وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: الْغَضَبُ، فَكَمْ مِنْ أُسَرٍ دُمِّرَتْ، وَرَحِمٍ قُطِعَتْ، وَصَداقَةٍ وَمَوَدَّةٍ أُبْدِلَتْ عَداوَةً بِسَبَبِ الْغَضَبِ، فَهُوَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فإِذَا غَضِبَ الإِنْسَانُ طَارَ لُبُّهُ، وَفَعَلَ مَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ دَهْرًا، وَلِذَلِكَ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].، وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: التَّسْوِيفُ وَالتَّأْجِيلُ، يُوَسْوِسُ الشَّيْطانُ لِمَنْ أَرادَ الطَّاعَةَ: “مَا زَالَ فِي العُمُرِ بَقِيَّةٌ، وَغَدًا تَتُوبُ، وَغَدًا تُصَلِّي”، حَتَّى يُبَاغِتَهُ الموْتُ وَهُوَ عَلَى غَفْلَتِهِ، وَمِنْ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ: الرِّيَاءُ وَالكِبْرُ وَالجَدَلُ وَحُبُّ الشُّهْرَةِ وَالعُجْبُ، وَالمؤْمِنُ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ فَضْلًا فِي شَيْءٍ، بَلِ الخَيْرُ وَالتَّوْفِيقُ وَالمِنَّةُ لِلهِ وَحْدَهُ، وَمِنْ أَخْطَرِ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ: اليَأْسُ بَعْدَ الذَّنْبِ، وَالقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَالشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ لِلْعَبْدِ قَبْلَ الذَّنْبِ بِأَنَّ هَذَا ذَنْبٌ هَيِّنٌ، وَغَيْرُكَ يَفْعَلُ وَيَفْعَلُ، وَأَنْتَ مَعْذُورٌ، وَسَتَتُوبُ بَعْدَهُ، وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ يُوقِعَهُ فِيهِ يُقَنِّطُهُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ، وَاللهُ تَعالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. وَقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‌لَوْ ‌لَمْ ‌تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» [رواه مسلم]، وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: أَنْ يَنْشَغِلَ المسْلِمُ بِعُيُوبِ غَيْرِهِ، وَيَنْسَى عُيُوبَ نَفْسِهِ، يَقُولُ الإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: إِنَّ فِي هَذِهِ البَلْدَةِ -يَعْنِي المدِينَةَ- رِجَالًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَتَكَلَّمُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ، فَأَحْدَثَ النَّاسُ لَهُمْ عُيُوبًا؛ وَرِجَالًا كَانَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، فَنَسِيَ النَّاسُ عُيُوبَهُمْ. قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12]، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‌«يَا ‌مَعْشَرَ ‌مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ» [رواه أبو داود، وأحمد]، وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: خَوْفُ الْفَقْرِ، فَإِذا وَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِ الْإِنْسانِ مَنَعَ الحقَّ وتكلّم بِالْهَوَى وَظنَّ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، قالَ تَعالَى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:268]، وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: الْأَمانِي وَطُولُ الْأَمَلِ، وَهُوَ سِلاحٌ شَيْطانِيٌّ فَتّاكٌ، قالَ تَعالَى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ [النساء:120]. وَمِنْ مَداخِلِ الشَّيْطانِ: مَدْخَلُ الطَّمَعِ وَالجَشَعِ، فَيُزَيِّنُ لَهُ المالَ الحَرَامَ وَالرِّبَا وَرَشْوَةَ النَّاسِ، وَيُوهِمُهُ أَنَّ هَذَا ذَكَاءٌ وَتِجَارَةٌ، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَقَدْ يَدْخُلُ عَلَى المسْلِمِ مِنْ بابَيْنِ كالشَّهْوَةِ وَالْجَهْلِ، فَيُزَيِّنُ لَهُ المخَدِّراتِ؛ لِيَذْهَبَ عَقْلُهُ، فإِذَا غَابَ عَقْلُهُ، سَهُلَ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ كَبِيرَةٍ.

وَلْنَعْلَمْ عِبَادَ اللهِ أَنَّ الخُرُوجَ عَنِ الوَسَطِ، وَمُجَاوَزَةَ حَدِّ الِاعْتِدَالِ مَسْلَكٌ شَيْطَانِيٌّ خَبِيثٌ، يَقُولُ بَعْضُ السَّلَفِ: “مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْغَتَانِ: إِمَّا إِلَى تَفْرِيطٍ وَتَقْصِيرٍ، وَإِمَّا إِلَى مُجَاوَزَةٍ وَغُلُوٍّ، وَلَا يُبَالِي إِبْلِيسُ بِأَيِّهِمَا ظَفِرَ”

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا لَمْ يَتْرُكْنَا عُزَّلًا أَمَامَ هَذَا العَدُوِّ، بَلْ جَعَلَ لَنَا حُصُونًا مَنِيعَةً مَنْ دَخَلَهَا كَانَ آمِنًا، وَأَوَّلُ الْحُصونِ: الإِخْلَاصُ لِلَّهِ تَعَالَى: فَالإِخْلَاصُ هُوَ الدِّرْعُ الَّذِي يَعْجَزُ الشَّيْطَانُ عَنْ اخْتِرَاقِهِ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ۝ إِلَّا ‌عِبَادَكَ ‌مِنۡهُمُ ‌ٱلۡمُخۡلَصِينَ﴾ [ص: 82، 83]. وَالِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ وَاللُّجُوءُ إِلَيْهِ: فَالشَّيْطَانُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى كَفِّهِ عَنْكَ إِلَّا خَالِقُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200]. وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]. وَمُلَازَمَةُ ذِكْرِ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ: فَالذِّكْرُ هُوَ الحِصْنُ الحَصِينُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ، وَصُحْبَةُ الصَّالِحِينَ، وَتَجَنُّبُ مَجَالِسِ السُّوءِ وَالغَفْلَةِ: فَالْمُؤْمِنُ يَكُونُ كَيِّسًا فَطِنًا، لَا يَضَعُ نَفْسَهُ فِي مَوَاطِنِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ ثُمَّ يَطْلُبُ النَّجَاةَ، وَمِمَّا يَتَحَصَّنُ بِهِ المسْلِمُ طَلَبُ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ.

فَيَا عَبْدَ اللهِ: اعْرِفْ عَدُوَّكَ وَاحْذَرْ مَدَاخِلَهُ، فَإِذَا عَرَفْتَ بَابَكَ فَاحْرُسْهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يُغَيِّرُ الطَّرِيقَ، قَدْ يُغَيِّرُ المدْخَلَ، لَكِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الغَايَةَ، فَغَايَتُهُ أَنْ يُبْعِدَكَ عَنِ اللهِ؛ فَالْجَأْ إِلَى رَبِّكَ وَاسْتَعِذْ بِهِ؛ فَلَا عَاصِمَ لَكَ غَيْرُهُ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَنَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ. اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا، وَمِنْ خَلْفِنَا، وَعَنْ أَيْمَانِنَا، وَعَنْ شَمَائِلِنَا، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسُمُوَّ وَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ – حَفِظَهُمَا اللَّهُ –اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللهم آمين آمين.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.