2 ذي الحجة, 1447

‏”بكت زوجة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وهو يحتضر في صحراء الربذة، فقال لها متعجبًا:
‏ــ “ما يبكيكِ؟”

‏قالت: “أبكي لأنك ستموت هنا في الصحراء، لا نجد ثوبًا نكفنك فيه، ولا أحدًا يصلي عليك.”

‏فقال لها مطمئنًا: “لا تبكي، فهذا ما بشرني به رسول الله ﷺ يومًا ما، فقد كنت مع جماعة من الصحابة، فدخل علينا النبي ﷺ وقال:
‏«سيموت رجل منكم في الصحراء، ويصلي عليه جماعة عظيمة من المؤمنين».

‏وقد مات جميع من كانوا معي، ولم يبقَ إلا أنا، فأنا المقصود بالبشرى.”

‏فقالت: “وماذا أفعل الآن؟”

‏فأجابها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: “ضَعيني علىٰ قارعة الطريق، فأول ركب يمر سيكون هم القوم الذين بشرني بهم رسول الله ﷺ، وسيصلّون عليّ بلا شك.”

‏وبعد قليل مرّ ركب قادم من العراق، فيه كبار الصحابة، ومنهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فسألوها:
‏ــ “ما يبكيكِ؟”

‏قالت: “هذا زوجي أبو ذر، قد مات ولا نملك كفنًا له.”

‏فتسابق الأنصار أيهم يكفنه في ثوبه، ثم كفنوه وصلّوا عليه جميعًا، ودعوا له بالجنة والمغفرة.

‏وتذكّر الصحابة يوم غزوة تبوك حين تأخر أبو ذر بعدما أعيا جمله، فتركه وأخذ يمشي وحده تحت لهيب الصحراء، تارة يركض وتارة يتعثر، يريد اللحاق برسول الله ﷺ.

‏فلما رآه النبي ﷺ من بعيد امتلأ وجهه بالبشر والسرور، وقال عنه كلمات خالدة أصبحت وسامًا من نور:
‏«يرحمك الله يا أبا ذر، تمشي وحيدًا، وتموت وحيدًا، وتُبعث يوم القيامة وحيدًا».

‏أي: وحيدًا في تميزك وإخلاصك وخصالك الحميدة، وقد تحققت البشرى كما قال النبي ﷺ.

‏رضي الله عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري وأرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.”
‏.
‏انظر:
‏مسند الإمام أحمد
‏السيرة النبوية لابن هشام✍️🌹