21 ذي القعدة, 1447
الضَّوابِطُ الشَّرْعِيَّةُ لِوَسائِلِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيَّةِ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحمدُ للهِ الَّذِي لَهُ المحامِدُ كُلُّها، مَنْ ذا يُحِيطُ بِحمْدِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ، فالْفَضْلُ كُلُّ الْفَضْلِ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَقانا اللهُ مِنْ حَوْضِهِ وَوِرْدِهِ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَصَحابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيامِينَ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ فَإِنَّ التَّقْوَى أَجْمَلُ لِباسٍ، وَأَعْظَمُ مِقْياسٍ؛ فَاجْعَلُوها لَكُمْ شِعارًا وَدِثارًا.
عِبادَ اللهِ: إِنَّ نِعَمَ اللهِ تَعالَى علَى عِبادِهِ لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى، وَمِنْ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ: نِعْمَةُ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَمِنْ ذَلِكَ وَسائِلُ التَّواصُلِ، وَالذَّكَاءُ الاِصْطِنَاعِيُّ، وَهُوَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ عُلُومِ الْحَاسُوبِ، يُحاكِي الذَّكَاءَ الْبَشَرِيَّ، يَقُومُ بِأَدَاءِ المهَامِّ مِثْلِ: التَّفْكِيرِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالتَّعَرُّفِ عَلَى الْأَشْكَالِ وَالْأَنْمَاطِ، وَمُعَالَجَةِ الْمَعْلُومَاتِ، وَالْاِسْتِنْتَاجِ، وَاتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ، وَحَلِّ المشْكِلاتِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي تُخَزَّنُ فِيهَا، وبِطُرُقٍ مُشَابِهَةٍ لِلْإِنْسَانِ، و هَذِهِ النَّهْضَةُ الْمَعْلُومَاتِيَّةُ يَسَّرَتِ الِاتِّصَالَاتِ صَوْتًا وَصُورَةً، وَاخْتَصَرَتِ الْمَسَافَاتِ، وَوَفَّرَتِ الْجُهُودَ وَالْأَوْقَاتَ، وَأَنْجَزَتِ الْمُهِمَّاتِ، وَطَوَّرَتِ الْخِدْمَاتِ، وَسَخَّرَتْ كَثِيرًا مِنَ الْوَسَائِلِ لِخِدْمَةِ الْإِنْسَانِ، فَفِي ثَوَانٍ مَعْدُودَاتٍ تُعْرَضُ السِّلَعُ وَالْمُنْتَجَاتُ، وَتُعْقَدُ الصَّفَقَاتُ، وَتُحَصَّلُ وَتُدْفَعُ الْأَمْوَالُ، وَتُؤَلَّفُ الْأَبْحَاثُ، وَتُلَخَّصُ الْكُتُبُ وَالْمُجَلَّدَاتُ، وَتُنَاقَشُ الرَّسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ، بَلْ وَتُجْرَى الْعَمَلِيَّاتُ الْجِرَاحِيَّةُ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ وَالطَّبِيبِ آلَافُ الْأَمْيَالِ، فَالْمُسْلِمُ يَسْتَشْعِرُ أَنَّ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ؛ فَيَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ أَبْوَابًا لِلْخَيْرِ، كَنَشْرِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِ النَّاسِ الدِّينَ، وَخِدْمَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَيُرَاقِبُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ مَا يُنْشَرُ وَيُقَالُ، وَلَكِنَّ بَعْضَ مَرْضَى الْقُلُوبِ يَسْتَخْدِمُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ فِيمَا يُغْضِبُ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ، كَنَشْرِ الشَّائِعَاتِ، وَالْفَاحِشَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَسَرِقَةِ الْأَمْوَالِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، فَهَذِهِ الْوَسَائِلُ وَالتِّقْنِيَّاتُ مَا أَعْظَمَ خَيْرَهَا وَنَفْعَهَا إِذَا أُحْسِنَ اسْتِخْدَامُهَا، وَهِيَ أَشَدُّ فَتْكًا وَتَدْمِيرًا مِنْ أَيِّ سِلَاحٍ إِذَا أُسِيءَ اسْتِخْدَامُهَا، وَالْعَبْدُ مَسْؤُولٌ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ.
فَالْوَاجِبُ يَا عِبَادَ اللهِ، اسْتِعْمَالُ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ فِيمَا يُرْضِي اللهَ سُبْحَانَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:77]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:19].
عِبَادَ اللهِ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، فَقَدْ حَذَّرَنَا رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَنَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم نَبَّهَنَا إِلَى عِظَمِ مَسْؤُولِيَّةِ الْكَلِمَةِ، وَخُطُورَةِ مَا يُنْشَرُ عَبْرَ هَذِهِ الْوَسَائِلِ، فَكُلُّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ، أَوْ يَقُولُهُ، أَوْ يُعِيدُ نَشْرَهُ سَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ، فَإِمَّا فِي مَوَازِينِ حَسَنَاتِهِ، أَوْ هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنِ اسْتِخْدَامِ تِقْنِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي التَّزْوِيرِ وَالتَّضْلِيلِ، كَتَرْكِيبِ الْمَقَاطِعِ، وَتَقْلِيدِ الْأَصْوَاتِ، وَانْتِحَالِ الشَّخْصِيَّاتِ، وَنِسْبَةِ الْأَقْوَالِ زُورًا إِلَى غَيْرِ أَصْحَابِهَا وَنَشْرِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ بَابٌ مِنَ الْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ، وَالْكَذِبِ الْمُحَرَّمِ، وَمِنْ تَغْيِيرِ الْحَقَائِقِ وَإِظْهَارِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى أَعْرَاضِ النَّاسِ وَخُصُوصِيَّاتِهِمْ، وَالْإِعَانَةِ عَلَى نَشْرِ الْبَاطِلِ وَتَرْوِيجِهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب:58]، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات:12]، وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:2]، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» [رواه الترمذي، وحسنه].
عباد الله: إنّ مِنْ أَمانَةِ الْكَلِمَةِ، وَعِظَمِ مَسْؤُولِيَّةِ النَّشْرِ فِي هَذَا الزَّمانِ: أَنْ يَتَثَبَّتَ المسْلِمُ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ، أَوْ يَنْقِلَ، أَوْ يُعِيدَ إِرْسالَ ما يَقْرَؤُهُ أَوْ يَسْمَعُهُ، وَأَنْ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَالْعَدْلَ، وَلا يَكُونَ إِمَّعَةً يَنْقِلُ كُلَّ ما تَقَعُ عَلَيْهِ عَيْنُهُ، فَإِنَّ الْكَذِبَ جَرِيمَةٌ، وَالْبُهْتانَ طامَّةٌ، وَاللهُ سائِلٌ كُلَّ عَبْدٍ عَمَّا قالَ أَوْ نَشَرَ؛ فاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- وَكُونُوا حُرَّاسًا لِلْحَقِّ، وَأُمَناءَ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَلا تَكُونُوا أَداةً لِإِضْلالِ الْخَلْقِ؛ فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ مِنْ إِعَادَةِ نَشْرِ الصُّوَرِ وَالْمَقَاطِعِ الْمُفَبْرَكَةِ أَوِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى الْأَشْخَاصِ، فَنَشْرُهَا نَشْرٌ لِلْكَذِبِ، وَإِشَاعَةٌ لِلْبَاطِلِ، وَإِثَارَةٌ لِلْبَلْبَلَةِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:6]، وَقالَ تَعالَى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:15]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَفَى بِالمرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ» [رواه مسلم].
أيها المؤمنون: إِنَّ الِاسْتِخْدامَ السَّيِّءَ لِلتَّقْنِيَةِ الْحَدِيثَةِ لَهُ عَواقِبُ، وَمَفاسِدُ عَظِيمَةٌ وَوَخِيمَةٌ، وَكَارِثِيَّةٌ علَى الْأَفْرادِ وَالْأُسَرِ وَالمجْتَمَعاتِ وَالدُّوَلِ، لَقَدِ اسْتُغِلَّ الذَّكَاءُ الْاِصْطِنَاعِيُّ فِي التَّجَسُّسِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمُحَاكَاةِ أَصْوَاتِ الْعُلَمَاءِ لِزَعْزَعَةِ مَكَانَتِهِمْ، أَوْ تَمْريرِ مَعْلُومَاتٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَيَنْشُرُوا إِشَاعَاتٍ عَنْ أَشْخاصٍ بِعَيْنِهِمْ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَدَعَّمُوهَا بِمَقَاطِعَ صَوْتِيَّةٍ وَمَرْئِيَّةٍ مُلَفَّقَةٍ، وَصُورٍ كَاذِبَةٍ؛ لِتَشْوِيهِ السُّمْعَةِ، وَانْتِهاكِ الخُصوصِيَّاتِ، وَإِثارَةِ الرَّأْيِ الْعامِّ وَتَأْجِيجِهِ، وَنَشْرِ الْبَلْبَلَةِ، وَزَعْزَعَةِ الثِّقَةِ، وَالْإِضْرارِ بِالْأَمْنِ المجْتَمَعِيِّ، وَإِشاعَةِ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ مِنَ الْإِفْسادِ في الْأَرْضِ، قال تَعالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:205].
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْعِلْمَ رَحْمَةً لَنَا، وَلَا تَجْعَلْهُ فِتْنَةً عَلَيْنَا، وَارْزُقْنَا حُسْنَ الِاسْتِعْمَالِ، وَقُوَّةً فِي الْبَصِيرَةِ، وَثَبَاتًا فِي الدِّينِ.
أَقُولُ قَولِيْ هَذا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فاستغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.
﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وأُصلِّي وأُسلِّمُ عَلَى رَسُولِهِ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، أَمَّا بَعدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوْهُ ولا تَعْصُوهُ، وَاعْلَمُوا -رَحِمَنِي اللهُ وَإيَّاكُمْ- ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36]
عِبادَ اللهِ: إن وسائل التواصل، والذكاء الاصطناعي سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ، كَغَيْرِهِ مِنَ الْوَسَائِلِ الْحَدِيثَةِ؛ إِنِ اسْتُخْدِمَ فِي الْخَيْرِ وَالنَّهْضَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْعِلْمِ، كَانَ نِعْمَةً عَظِيمَةً لِلْبَشَرِيَّةِ وَمِنَّةً، وَإِنِ اسْتُخْدِمَ فِي الشَّرِّ وَالْبَطَرِ وَالْهَدْمِ، كَانَ نِقْمَةً عَلَيْهِمْ وَبَلَاءً وَفِتْنَةً، فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَمِنَ الْخُسْرَانِ وَالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ أَنْ تُسْتَخْدَمَ نِعْمَةُ اللهِ فِي مَعَاصِيهِ، فَيَلْحَقَ بِذَلِكَ الضَّرَرُ كَافَّةَ مَنَاحِي الْحَيَاةِ، وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْآخِرَةِ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:80].
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْخَطَرِ وَأَعْظَمِ مُصِيبَةٍ أَنْ تُنْشَرَ الْمَعَاصِي وَالْمُوبِقَاتُ فِي وَسَائِلِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَتَبْقَى تَحْصُدُ تِلْكَ الذُّنُوبَ الْمُسْتَمِرَّةَ فِي حَيَاتِكَ وَبَعْدَ مَوْتِكَ، قَالَ حَبِيبٌ الْفَارِسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّ مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَمُوتَ وَتَمُوتَ مَعَهُ ذُنُوبُهُ.
أَلَا وَإِنَّ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ مَسْؤُولِيَّةً عَظِيمَةً فِي مُرَاقَبَةِ الْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ «فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَسَتُسْأَلُونَ عَمَّا اسْتَرْعَاكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالِاسْتِقْرَارِ وَالِاطْمِئْنَانِ، اللَّهُمَّ احْفَظْ أَمْنَنَا وَإِيمَانَنَا وَجُنُودَنَا وَحُدُودَنَا، وَمُقَدَّسَاتِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَصِفَاتِكَ الْعُلَى أَنْ تَرُدَّ كَيْدَ الظَّالِمِينَ فِي نُحُورِهِمْ، وَأَنْ تَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا، وَنَجِّنَا مِنْ بَيْنِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَانْصُرْ بِهِمْ دِينَكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.