6 ذي القعدة, 1447

تَعْظِيمُ أَمْرِ المساجِدِ وَالْعِنايَةِ بِها 7/11/1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، فَإِنَّ التَّقْوَى خَيْرُ زادٍ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ المساجِدَ أَشْرَفُ بِقاعِ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّها إِلَيْهِ سبحانه؛ فَهِيَ مَواطِنُ عُبُودِيَّتِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللهِ مَساجِدُها» [أخرجه مسلم: 671]؛ وَذَلِكَ لِمَا خُصَّتْ بِهِ مِنَ الْعِباداتِ وَالْأَذْكارِ، وَاجْتِماعِ المؤْمِنِينَ، وَظُهُورِ شَعائِرِ الدِّينِ، فَهِيَ بُيُوتُ اللهِ، أَضافَها لِنَفْسِهِ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، عُمَّارُها صَفْوَةُ الْخَلْقِ مِنَ الْأَنْبِياءِ وَأَتْباعِهِمْ، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127]، وَلا يَقْتَصِرُ دَوْرُها عَلَى أَداءِ الصَّلَواتِ، بَلْ مِنْها تَشِعُّ الْعُلُومُ وَتُحْفَظُ الْآياتُ، وَفِيْها تَتَنَزَّلُ الملائِكَةُ بِالرَّحَماتِ، وَبِها يَتَنافَسُ الْعِبادُ فِي الْخَيْراتِ، يَتَزَوَّدُ مُرْتادُوها بِالْإِيمانِ، فَفِيْها تُغْسَلُ ذُنُوبُهُمْ، وَتُؤَلَّفُ قُلُوبُهُمْ، وَتُرَبَّي نُفُوسُهُمْ، وَيُوَحَّدُ صَفُّهُمْ؛ لِهَذا اعْتَنَى الْإِسْلامُ بِها، وَأَعْطاها مَكانَتَها الَّتِي تَسْتَحِقُّها، وَكانَ أَوَّلُ عَمَلٍ قامَ بِهِ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ مَقْدِمِهِ المدِينَةَ بِناءَ المسْجِدِ، بَدَأَ بِالحاضِنَةِ الَّتِي تُنَشِّئُ أَجْيالَ المؤْمِنِينَ؛ لِذا دِينُنا يَحُثُّنا عَلَى تَعْظِيمِ المساجِدِ، وَالِاهْتِمامِ بِها، وَنَظافَتِها مِنَ النَّجَسِ الْحِسِّيِّ وَالمعْنَوِيِّ، وَالْخُشُوعِ وَالْهُدُوءِ حِينَ الْمُكْثِ فِيها، وَعَدَمِ رَفْعِ الْأَصْواتِ فِيها كَالْأَسْواقِ، وَالمعْصِيَةُ قَبِيحَةٌ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ، وَتَزْدادُ قُبْحًا فِي بُيُوتِ اللهِ؛ كَالْغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَالنَّظَرِ إِلَى الْحَرامِ، وَسَماعِ أَصْواتِ المعازِفِ، وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِنا صلى الله عليه وسلم الدُّعاءُ حِينَ دُخُولِها وَالْخُروجِ مِنْها، وَصَلاةُ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ المسْجِدِ، وَكَثْرَةُ ذِكْرِ اللهِ فِيها، وَتَنْزِيهُها عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّراءِ وَأَلّا تُنْشَدَ الضَّالَّةُ فِيها؛ حَتَّى يَتَفَرَّغَ الْعَبْدُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعاءِ وَتَقْوِيَةِ صِلَتِهِ بِاللهِ، وَلا يَنْشَغِلُ بِأُمُورِ الدُّنْيا، وَالمشْيُ إِلَيْها بِخُشُوعٍ، وَعَدَمُ الْخُرُوجِ مِنْها بَعْدَ سَماعِ الْأَذانِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَطَهارَتُها وَنَظافَتُها وَتَطْيِيبُها وَالِاهْتِمامُ بِها؛ قال تَعالَى: ﴿فِي ‌بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾ [النور: 36]. وَعلَى المؤْمِنِ المبادَرَةُ إِلَى المسْجِدِ حِينَ يَسْمَعُ النِّداءَ، وَيَحْرِصُ عَلَى الصِّف الأَوَّلِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرامِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ وَالصَّفِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لم يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيهِ لَاسْتَهَمُوا» [رواه البخاري: 615، ومسلم: 437]، وَهُنا يَجْدُرُ التَّنْبِيهُ علَى عَدَمِ جَوازِ حَجْزِ الْأَماكِنِ في الصُّفُوفِ الْأُولَى وَغَيْرِها، سَواءٌ لِلنَّفْسِ أَوْ لِلْغَيْرِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَدِّي علَى حَقِّ مَنْ حَضَرَ مُبَكِّرًا لِلصَّلَّاةِ.
وَتَعْظِيمُ المساجِدِ دَلِيلٌ علَى تَقْوَى الْقُلُوبِ، وَتَمَكُّنِ الْإِيمانِ مِنْها؛ قالَ تَعالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]، وَقَدْ عَدَّ صلى الله عليه وسلم مِنَ السَّبَعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ بِظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ ‌مُعَلَّقٌ ‌بِالْمَسَاجِدِ» [أخرجه البخاري ومسلم]. وَلِكَوْنِها مُنْطَلَقَ السَّعادَةِ وَالتَّوْفِيقِ كانَ صلى الله عليه وسلم «إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ‌بَدَأَ ‌بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ» [أخرجه البخاري برقم: 4418، ومسلم برقم: 716]، وَجَعَلَ اللهُ بِناءَها قُرْبَةً وَعِبادَةً، وَوَعَدَ بانِيَها بِالْجَنَّةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ- بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ -وَقَالَ ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ- ‌مِثْلَهُ ‌فِي ‌الْجَنَّةِ» [أخرجه مسلم، برقم:533]. قاصِدُها أَجْرُهُ عَظِيمٌ؛ «مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ ‌بِكُلِّ ‌خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً» [أخرجه مسلم، برقم:654]، بَلْ وَرُجُوعُهُ إِلَى بَيْتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ مِنَ المسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ» [أخرجه مسلم برقم: 663]، وَمِنَ الرِّباطِ: كَثْرَةُ الْخُطا إِلَيْها، وَانْتِظارُ الصَّلَواتِ فِيها، وَ«مَنْ غَدَا إِلَى المسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ ‌كُلَّمَا ‌غَدَا ‌أَوْ ‌رَاحَ» [أخرجه البخاري برقم: 662، ومسلم برقم: 669].
أيُّهَا المسْلِمونَ: دِينُ الْإِسْلامِ دِينُ الْجَمالِ وَالنَّظافَةِ وَسِتْرُ الْعَوْراتِ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:26]، وَقَدْ حَثَّنا دِينُنا عَلَى الظُّهورِ بِالمظْهَرِ الطَّيِّبِ الْجَمِيلِ فِي الملْبَسِ وَالمنْزِلِ وَالْهِنْدامِ وَالرَّائِحَةِ، وَذَلِكَ تَجَمُّلًا وَتَزَيُّنًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لِلْمُجْتَمَعِ مِنْ حَوْلِنا؛ فَقالَ سُبحانَهُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:31].
دِينُنا يَعْتَنِي بِجَانِبِ الْقِيَمِ الْجَمِيلَةِ والْآدَابِ السَّامِيَةِ النَّبِيلَةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْقِيَمِ الْجَمِيلَةِ والْآدَابِ السَّامِيَةِ النَّبِيلَةِ احْتِرَامُ بُيُوتِ اللهِ وَتَوْقِيرُهَا؛ بِالتَّجَمُّلِ لَهَا بِلُبْسِ الْمَلاَبِسِ النَّظِيفَةِ، وَالتَّطَيُّبِ، وَاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثوْبَيْهِ، فَإنَّ اللهَ أَحَقُّ مَن تُزُيِّنَ لَهُ»[السلسلة الصحيحة]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أنْ أشُقَّ علَى أُمَّتي -أوْ عَلَى النَّاسِ- لَأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ مع كُلِّ صَلَاةٍ»[أخرجه البخاري ومسلمٍ]. كَما لا يَجُوزُ أَذِيَّةُ المصَلِّينَ بِتَخَطِّي الرِّقابِ، أَوْ بِالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ، وَمِنْهَا: الثُّومُ وَالْبَصَلُ؛ فَإِنَّهُمَا أَذِيَّةٌ لِلْمُصَلِّي وَالْملاَئِكَةِ؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْـمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يتأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» [رواه مسلم برقم:563]. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ الَّتِي تُؤْذِي الْمُصَلِّينَ، وَتُفْسِدُ عِبَادَةَ الصَّالِحِينَ: كَالدُّخَانِ، وَوُجُودِ الْعَرَقِ وَرَائِحَةِ الجَوارِبِ والشُّرَّاباتِ؛ لِطُولِ مُكْثِهِمَا عَلَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ فِي النِّعَالِ، وَالْمَلَابِسِ الْمُتَّسِخَةِ ذَاتِ الرَّائِحَةِ؛ فَعَلَى هَؤُلاَءِ أَنْ يُعِدُّوا مَلاَبِسَ خَاصَّةً بِالصَّلاَةِ، وَثِيَابًا نَظِيفَةً مُطَيَّبَةً يَلْبَسُونَهَا إِذَا أَرَادُوا الصَّلاَةَ، فَهَؤُلاَءِ إِذَا تَنَظَّفُوا وَلَبِسُوا أَحْسَنَ مَا يَجِدُونَ أَدَّوْا حَقَّ اللهِ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَدَّوْا حُقُوقَ إِخْوَانِهِمُ الْمُصَلِّينَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: “يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَلَا سِيَّمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْعِيدِ، وَالطِّيبُ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَالسِّوَاكُ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ” [تفسير ابن كثير: 3/406]. وَمِنْ ذَلِكَ لُبْسُ الْحَلالِ مِنَ اللِّباسِ وَالزِّينَةِ وَالمظْهَرِ، وَاجْتِنابُ الْمُحَرَّمِ، وَالمشْرُوعُ التَّوَسُّطُ وَالِاعْتِدالُ فِي الزِّينَةِ الْمُباحَةِ.
أَيُّها الموَحِّدُونَ: بُيُوتُ اللهِ فِي الْأَرْضِ هِيَ أَعْظَمُ الْبِقاعِ قُدْسِيَّةً وَشَرَفًا؛ فَلا يَجُوزُ اسْتِخْدامُها لِغَيْرِ ما هِيَ لَهُ، وَعَلَيْنا جَمِيعًا مَسْؤُولِيَةُ حِمايَةِ مَرافِقِها وَخَدَماتِها، سَأَلَ صلى الله عليه وسلم عَنِ امْرَأَةٍ كانَتْ تَقُمُّ مَسْجِدَهُ، فَقالُوا: ماتَتْ، فَقالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِها»، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْها [رواه البخاري برقم: 460، ومسلم برقم: 956]. وَمِنْ أُصُولِ الدِّينِ أَلَّا تُقْصَدَ بُقْعَةٌ عَلَى الْأَرْضِ لِلْعِبادَةِ فيها إِلَّا المساجِدَ، وَأَشْرَفُها وَأَعْظَمُها المسْجِدُ الْحَرامُ، أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ، قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾[آل عمران: 96]، أَوْجَبَ اللهُ حَجَّهُ وَالطَّوافَ بِهِ، وَجَعَلَهُ قِبْلَةً لِعِبادِهِ المؤْمِنِينَ، وَالصَّلاةُ فِيهِ بِمائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيْما سِواهُ، وَثانِيْ المساجِدِ فَضْلًا مَسْجِدُهُ صلى الله عليه وسلم مَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، وَصَلاةٌ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ إِلَّا المسْجِدَ الْحَرامَ، والمسْجِدُ الْأَقْصَى أُوْلَى الْقِبْلَتَيْنِ وَمَسْرَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وُضِعَ في الْأَرْضِ بَعْدَ المسْجِدِ الْحَرامِ، وَإِلَى هَذِهِ المساجِدِ الثَّلاثَةِ تُشَدُّ الرِّحالُ.
عِبادَ اللهِ: إِنَّ المساجِدَ عِزُّ المسْلِمِينَ، وَشَرَفُهُمْ وَشِعارُ دِينِهِمْ، وَمَنْ عَمَرَها بِالصَّلاةِ فِيْها وَالذِّكْرِ، وَقامَ عَلَى خِدْمَتِها رَفَعَهُ اللهُ وَأَسْعَدَهُ وَشَرَحَ صَدْرَهُ، وَتَعْلِيمُ الْكِتابِ وَالسُّنَّةِ فِي المساجِدِ امْتِثالٌ لِأَمْرِ اللهِ بِبِنائِها، وَإِحْياءٌ لِسُنَّةِ المرْسَلِينَ فِيها، وَبَرَكَةٌ فِي الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ، وَصَلاحٌ لِلنَّفْسِ وَالْوَلَدِ، وَمَنْ حُرِمَ فِيها مِنَ الْخَيْرِ أَوْ صَدَّ عَنْهُ فَقَدْ فاتَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ؛ قالَ تَعالَى: ﴿قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ ‌وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٍ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ﴾ [الأعراف: 29]. اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنا أَمْنَنا وَوَطَنَنا، وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المسْلِمِينَ.
بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْكِتابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنا بِما فِيهِما مِنَ الْآياتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا، أَمّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاحْتَسِبُوا الْأَجْرَ بِحُسْنِ الْأَدَبِ فِي بُيُوتِ اللهِ؛ رِضًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِ إِخْوَانِكُمُ الْمُصَلِّينَ.
عِبادَ اللهِ: هُناكَ ظَّواهِرُ سَّلْبِيَّةٌ، لا تَلِيقُ بِبُيُوتِ الرَّحْمَنِ، وَلا بِأَدَبِ المؤْمِنِ، وَلا بِذَوْقِهِ، وَنَظافَتِهِ، مِنْ ذَلِكَ: إِيْقافُ المرْكَباتِ بِشَكْلٍ يُضَيِّقُ الطَّرِيقَ عَلَى المارَّةِ، وَيُلْحِقُ الضَّرَرَ بِجِيرانِ الْمَسْجِدِ، فَهَذا مِنَ الْأَذَى المحَرَّمِ شَرْعًا، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْأَحْذِيَةِ أَمامَ أَبْوابِ المساجِدِ، وفي ذَلِكَ ضَررٌ، خاصَّةً علَى كِبارِ السِّنِّ وَذَوِي الْإِعاقَةِ الَّذِينَ قَدْ يَتَعَثَّرُونَ بِها، وَلَقَدْ حَثَّنا دِينُنا علَى إِماطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، فَكَيفَ إِذَا كانَ الطَّرِيقُ إِلَى بَيْتِ مِنْ بُيُوتِ اللهِ؟!
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.