16 ربيع أولI, 1448
🖋️ (لا تفتح الكبوت) :
في أحد الأيام التقيت صديقآ لم أره منذ مدة تبادلنا السؤال المعتاد عن الأهل و الأبناء و عن أخبار الحياة التي تمضي بنا جميعآ كلٌّ بطريقته و في أثناء الحديث ذكرت له أنني أجريت بعض الفحوصات و التحاليل الطبية الدورية لا لشكوى أشعر بها و إنما للاطمئنان كما توصي الإرشادات الطبية لمن هم في مثل مرحلتي العمرية فابتسم إبتسامة من يعرف شيئآ لا أعرفه ثم قال : لا تفتح الكبوت ؛ نظرت إليه مستغربآ فأكمل حديثه قائلاً : نحن في هذا العمر مثل السيارة القديمة تمشي على الطريق و تؤدي مهمتها رغم إنها تحمل في داخلها أعطالًا لا نعرفها فإذا فتحت الكبوت بدأت تكتشف خللآ هنا و تسربآ هناك و قطعةً انتهى عمرها الإفتراضي و ربما أعطالآ لا يمكن إصلاحها أصلآ أو لم تعد قطع غيارها موجودة فإذا كانت السيارة تسير فلا تفتح الكبوت” و أ فترقنا🚶🏻♂️🚶🏻♂️لكن الجملة بقيت ترافقني طوال الطريق إلى المنزل و لم يطل الأمر حتى جاءت نتائج الفحوصات إرتفاع في الكوليسترول يستدعي دواءً دائمآ و إرتفاع في السكر يفرض حمية غذائية تحرمني كثيرآ مما أحب
فصرت أردد بصوت خافت : ربما كان ينبغي ألا أفتح الكبوت ؛ لكن هل كان صديقي محقًا ؟ هذه العبارة تبدو ساخرة في ظاهرها لكنها تحمل سؤالًا فلسفيآ قديمآ : هل المعرفة نعمة دائمآ أم أن للجهل أحيانآ راحة لا توفرها الحقيقة ؟ لقد قضت البشرية آلاف السنين تبحث عن المعرفة ثم اكتشفت أن المعرفة ليست هدية مجانية فهي تمنحنا القدرة على العلاج لكنها تسلب منا أحيانآ راحة الجهل فمن يعرف أنه مصاب بمرض مزمن لا يعيش الحياة بالطريقة نفسها التي كان يعيشها قبل أن يعرف حتى لو لم يتغير شيء بجسده سوى رقم كُتب على ورقة تحليل لأن المرض لا يبدأ دائمآ في الجسد بل قد يبدأ في الوعي فالإنسان كثيرًا ما يحمل الحقيقة في عقله أكثر مما يحملها في دمه لكن “الكبوت” ليس خاصآ بالجسد وحده ؛؛ في الحياة كلها كبابيت مغلقة : في الزواج هناك من يعيش سنوات هادئة حتى يقرر أن يفتح ملفات قديمة أو يفتش في رسائل منسية أو يستدعي كلمات قيلت قبل عشرين عامآ كان البيت يسير و ربما لم يكن مثاليآ لكنه كان مستقرآ و ما إن فُتح الكبوت حتى تحول المنزل إلى ورشة إصلاح لا تنته و ربما أنتهى إلى ساحة خردة ؛؛ وفي العائلة هناك أسر تستمر لأن أفرادها يجيدون فن التغاضي أكثر من فن التحقيق ليس لأنهم لا يعرفون العيوب بل لأنهم يعرفون أن بعض المحركات لا تعمل إلا إذا تجاهلت أصواتها الخافتة فالرحمة في كثير من الأحيان ليست في كشف كل شئ بل في إختيار ما يستحق أن يُكشف ؛؛ وفي الصداقة أيضآ كم من صداقات انهارت لأن أحد الطرفين أصرّ على “فتح الكبوت” و سأل : لماذا لم تتصل؟ لماذا لم تحضر ؟ لماذا قلت ذلك يومها ؟ أسئلة تبدو بريئة لكنها مفكات تخلع مسامير كانت متماسكة بالنية الطيبة ؛؛ وفي العمل كذلك هناك مديرون يصرون على فتح كل ملف و مراجعة كل توقيع و تشريح كل خطأ صغير في البداية يبدو الأمر إنضباطآ لكنه سرعان ما يتحول إلى شلل لأن المؤسسات مثل الأجساد تحتاج إلى مناعة لا إلى مشرط دائم ؛؛
أنا لا أدعو إلى الغباء ولا إلى إنكار الحقيقة فالفحوصات مهمة و المواجهة أحيانآ ضرورية و العلاج لا يبدأ إلا بالتشخيص لكنني أتحدث عن “فن التوقيت” عن الفرق بين أن تفتح الكبوت لأن السيارة توقفت و بين أن تفتحه وهي تسير و عن الفرق بين أن تعالج عطبآ يهدد الحياة و بين أن تبحث عن أعطال محتملة فتحول حياتك إلى قائمة أعطال ؛؛ الحكمة ليست في أن تعرف كل شيء و لكن الحكمة أن تعرف متى تعرف ومتى تتغافل فبعض الحقائق دواء و بعضها الآخر سم بطئ ؛؛ 🚶🏻♂️ عدت إلى صديقي بعد شهور و قلت له : “كنت على حق و على خطأ في آنٍ واحد” فضحك و قال : “السيارة القديمة لا تحتاج إلى ميكانيكي كل يوم بل تحتاج إلى سائق حكيم يعرف متى يضغط على البنزين ومتى يتركها تسير”
و من يومها صرت أتعامل مع نفسي و مع من حولي بهذه القاعدة : إذا كانت تسير لا تفتح الكبوت و إذا توقفت أفتحه بهدوء و أصلح ما يمكن وتقبل ما لايمكن فالحياة ليست معرض سيارات جديدة بل الحياة سيارات قديمة لكنها ما زالت توصلنا و شكرآ لتفهمكم على الإطالة ؛؛؛