10 ربيع أولI, 1448

نِعَمُ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ 7/4/1448هـ

﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾

الحَمْدُ للهِ وَاهِبِ النِّعَمِ، وَدَافِعِ النِّقَمِ، أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ، أَسْبَغَ عَلَيْنَا النِّعَمَ وَأَتَمَّهَا، وَدَفَعَ عَنَّا كَيْدَ الكَائِدِيْنَ، وَمَكْرَ الحَاسِدِيْنَ، فَلَهُ الحَمْدُ فِي الأُوْلَى وَالآخِرَةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا سَبَبُ الْفَلَاحِ، وَسَبِيلُ حِفْظِ النِّعَمِ، وَمِفْتَاحُ الْبَرَكَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى بِلَادِنَا، الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ: نِعْمَةَ التَّوْحِيدِ، وَاجْتِمَاعَ الْكَلِمَةِ، وَوِحْدَةَ الصَّفِّ، وَالْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ، وَالصِّحَّةَ في الْأَبْدانِ، وَالرَّخَاءَ وَرَغَدَ الْعَيْشِ، وَهَذا ما يَتَمنّاهُ كُلُّ إِنْسانٍ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» أخرجه الترمذي بإسناد حسن. وَهَذِهِ النِّعَمُ تَسْتَوْجِبُ قُلُوبًا شَاكِرَةً، وَأَلْسِنَةً ذَاكِرَةً، وَأَعْمَالًا صَالِحَةً تَحْفَظُهَا وَتَرْعَى حُقُوقَهَا. وَإِنَّ أَعْظَمَ النِّعَمِ أَنْ تَعْرِفَ رَبَّكَ، وَتَعْبُدَهُ وَحْدَهُ، وَتُخْلِصَ لَهُ دِينَكَ؛ فَلَا تَدْعُوَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا تَصْرِفَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِهِ. فَالتَّوْحِيدُ أَصْلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ جَمِيعًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦].

وَبِالتَّوْحِيدِ تَسْتَقِيمُ الْقُلُوبُ عَلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَتَتَحَرَّرُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِهِ، وَتَجْتَمِعُ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى. وَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ، فَقَالَ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣]. وَمِنَ النِّعَمِ مَا تَحْجُبُ الْأُلْفَةُ عَنَّا عَظِيمَ فَضْلِها؛ فَنَسْتَيْقِظُ آمِنِينَ، وَنَخْرُجُ مُطْمَئِنِّينَ، وَنُصَلِّي فِي مَسَاجِدِنَا، وَيَذْهَبُ أَبْنَاؤُنَا إِلَى مَدَارِسِهِمْ، وَنَجِدُ أَقْوَاتَنَا وَدَوَاءَنَا، ثُمَّ قَدْ نَغْفُلُ عَنْ شُكْرِ مَنْ أَسْبَغَ عَلَيْنَا هَذِهِ النِّعَمَ! قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ٥٣]. فَاحْفَظُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمُ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، وَاغْرِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَتَعْظِيمَهُ، وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعَ سُنَّتِهِ، وَرَبُّوهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَاحْذَرُوا مَسَالِكَ الْغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ، كَمَا تَحْذَرُونَ التَّفْرِيطَ وَالِانْحِرَافَ؛ فَإِنَّ الدِّينَ هُدًى وَعَدْلٌ وَرَحْمَةٌ، وَالْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ تَظْهَرُ آثَارُهَا فِي صَلَاحِ الْعِبَادَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ.

عِبَادَ اللَّهِ: وَمَنْ لا يَشْكُرِ النَّاسَ لا يَشْكُرِ اللهَ، وَمِنْ شُكْرِ اللهِ أَنْ نَذْكُرَ وَنَشْكُرَ جُهُودَ وُلاةِ أَمْرِنا -وَفَّقَهُمُ اللهُ- فِي حِمايَةِ جَنابِ التَّوْحِيدِ وَحِمايَةِ السُّنَّةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْها، وَعَلَيْنا أَنْ نَتَذَكَّرَ حَالَ الْبِلَادِ قَبْلَ اجْتِمَاعِهَا، وَمَا كَانَ فِي أَنْحَائِهَا مِنْ فُرْقَةٍ وَخَوْفٍ وَاضْطِرَابٍ؛ لِنَعْرِفَ قَدْرَ مَا نَعِيشُهُ مِنْ أُلْفَةٍ وَأَمْنٍ وَاسْتِقْرَارٍ.

لَقَدْ هَيَّأَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْبِلَادِ الْمَلِكَ الْمُؤَسِّسَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَيْصَلِ آلَ سُعُودٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَبَذَلَ جُهُودًا عَظِيمَةً فِي تَوْحِيدِهَا، وَجَمْعِ كَلِمَتِهَا، وَلَمِّ شَتَاتِهَا؛ فَاجْتَمَعَتْ بَعْدَ فُرْقَةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَعْدَ خَوْفٍ، وَانْتَظَمَتْ مَصَالِحُهُمْ تَحْتَ رَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَنَحْنُ نَتَذَكَّرُ هَذَا الْفَضْلَ نَسْتَحْضِرُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣]. ثُمَّ سَارَ أَبْنَاؤُهُ الْمُلُوكُ مِنْ بَعْدِهِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى وَحْدَةِ الْبِلَادِ، وَخِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَتَعْزِيزِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَمُوَاصَلَةِ الْبِنَاءِ وَالتَّنْمِيَةِ؛ فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ مَضَى مِنْهُمْ، وَجَزَاهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ وَشَعْبِهِمْ خَيْرًا.

وَتَوَاصَلَتْ هَذِهِ الْمَسِيرَةُ فِي عَهْدِ خَادِمِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، الْمَلِكِ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ، وَسُمُوِّ وَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ، رَئِيسِ مَجْلِسِ الْوُزَرَاءِ، الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ، حَفِظَهُمَا اللَّهُ؛ فِي خِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَقَاصِدِيهِمَا، وَالْعِنَايَةِ بِالْإِنْسَانِ، وَتَطْوِيرِ الْخِدْمَاتِ، وَبِنَاءِ الْوَطَنِ. فَالْفَضْلُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، ثُمَّ لِمَا بَذَلَتْهُ الْقِيَادَةُ مِنْ جُهُودٍ، وَمَا أَسْهَمَ بِهِ أَبْنَاءُ الْوَطَنِ مِنْ عَمَلٍ وَعَطَاءٍ. وَشُكْرُ هَذِهِ النِّعَمِ يَكُونُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَحِفْظِ الْأَمَانَةِ، وَإِتْقَانِ الْعَمَلِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمُكْتَسَبَاتِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مَحَبَّةَ الْوَطَنِ مَعْنًى فِطْرِيٌّ، يَحِنُّ الْإِنْسَانُ إِلَى أَرْضِهِ، وَيَأْلَفُ دِيَارَهُ، وَيَفْرَحُ بِصَلَاحِهَا وَأَمْنِهَا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَّةَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَلِمَكَّةَ فَضْلُهَا وَحُرْمَتُهَا، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا يُظْهِرُ تَعَلُّقَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَلَدِهِ وَكَرَاهِيَتَهُ الْخُرُوجَ مِنْهُ.

وَمَحَبَّةُ الْوَطَنِ الصَّادِقَةُ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُقَالُ فَحَسْبُ، بَلْ أَمَانَةٌ تُؤَدَّى، وَمَصْلَحَةٌ تُرْعَى، وَمَسْؤُولِيَّةٌ تُحْمَلُ، يُحِبُّ الْمُوَظَّفُ وَطَنَهُ فَيُتْقِنُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّهُ الْمُعَلِّمُ فَيُحْسِنُ تَرْبِيَةَ أَبْنَائِهِ، وَيُحِبُّهُ الطَّالِبُ فَيَجْتَهِدُ فِي عِلْمِهِ، وَيُحِبُّهُ التَّاجِرُ فَيَصْدُقُ فِي بَيْعِهِ، وَيُحِبُّهُ الْجَمِيعُ فَيَحْفَظُونَ أَمْنَهُ وَمُقَدَّرَاتِهِ، وَيَحْتَرِمُونَ أَنْظِمَتَهُ، وَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ. فَمِنَ الْوَفَاءِ لِلْوَطَنِ حِفْظُ مَالِهِ الْعَامِّ، وَصِيَانَةُ مَرَافِقِهِ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْفَسَادِ وَالرِّشْوَةِ وَالْغِشِّ، وَرِعَايَةُ حُقُوقِ النَّاسِ. وَمِنَ الْوَفَاءِ لَهُ أَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا عَلَى أَنَّ النِّعَمَ أَمَانَاتٌ، وَأَنَّ الْمُكْتَسَبَاتِ تَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ وَعَمَلٍ، وَأَنَّ مَنْ أَحَبَّ وَطَنَهُ كَانَ عَوْنًا عَلَى صَلَاحِهِ.

فَاشْكُرُوا رَبَّكُمْ، وَاعْرِفُوا قَدْرَ نِعَمِهِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٧].

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُفْسِدُ اجْتِمَاعَ النَّاسِ: تَرْوِيجَ الشَّائِعَاتِ، وَنَشْرَ الْأَكَاذِيبِ، وَبَثَّ الْخَوْفِ وَالْإِرْجَافِ، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ رَضِيَ لَكُمْ ثَلاثًا ‌وكَرِهَ ‌لَكُمْ ‌ثَلاثًا رَضِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْبدوه وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيْعًا وَلا تفرَّقوا، وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا لِمَنْ ولَاّهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أمرِكم، وكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَال، وَإِضَاعَةَ الْمَال» رواه أحمد، والبخاري في التاريخ الكبير، فَقَدْ تَخْرُجُ الْكَلِمَةُ مِنْ هَاتِفٍ، وَيَسْتَخِفُّ مُرْسِلُهَا بِشَأْنِهَا، فَتَبْلُغُ آلَافَ الْبُيُوتِ وَهِيَ تُقْلِقُ آمِنًا، أَوْ تَظْلِمُ بَرِيئًا، أَوْ تُفْسِدُ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَلَا تَجْعَلْ هَاتِفَكَ طَرِيقًا لِشَائِعَةٍ، وَلَا حِسَابَكَ مِنْبَرًا لِفِتْنَةٍ، وَلَا تَكُنْ عَوْنًا لِمَنْ يُرِيدُ بِمُجْتَمَعِكَ سُوءًا، وَتَثَبَّتْ قَبْلَ النَّقْلِ، وَارْجِعْ إِلَى الْمَصَادِرِ الْمَوْثُوقَةِ، وَدَعْ مَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُتَدَاوَلُ حَقًّا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ يَصْلُحُ لِلنَّشْرِ، وَفِي الْأَحْدَاثِ وَالْأَزَمَاتِ تَعْظُمُ الْحَاجَةُ إِلَى الْحِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ، وَرَدِّ الْأُمُورِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْوِلَايَةِ وَالِاخْتِصَاصِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٨٣].

عِبَادَ اللَّهِ: اعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَرَكَ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ سَوْفَ يُحَارَبُ وَيُعَادَى، وَبِلادُنا مَنارَةُ الْإِسْلامِ، وَقِبْلَةُ المسْلِمِينَ، وَمَأْرِزُ الْإِيمانِ، وَلا شَكَّ أَنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٍ، وَلَكِنْ لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْضِ جَمِيعًا لَنْ يَسْتَطِيعُوا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى مُبْتَغَاهُمْ، فَسُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَادَى التَّوْحِيدَ وَأَهْلَهُ قَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَنَكَّسَ رَايَتَهُ، وَلَمْ يُحَقِّقْ لَهُ غَايَةً، فَاحْمَدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَاحْذَرُوا الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ، وَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا مَعَ وُلَاةِ أَمْرِكُمْ، وَدَافِعُوا عَنْ بِلَادِكُمْ، وَكُونُوا مَفَاتِيحَ خَيْرٍ مَغَالِيقَ شَرٍّ، فَبِنِعْمَةِ الْأَمْنِ تُصَانُ الْأَنْفُسُ وَالْأَمْوَالُ وَالْأَعْرَاضُ، وَتَنْتَظِمُ الْعِبَادَاتُ وَالْمَعَايِشُ، وَيَطْمَئِنُّ الْوَالِدَانِ عَلَى أَبْنَائِهِمَا، وَيَسْعَى النَّاسُ فِي أَرْزَاقِهِمْ. وَلِعِظَمِ شَأْنِهِ دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٥]. وَامْتَنَّ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قُرَيْشٍ: ٣–٤].

وَاعْلَمُوا عِبادَ اللهِ أَنَّ حِفْظَ الْأَمْنِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ فَكُلٌّ مِنَّا يَحْفَظُهُ بِأَدَاءِ أَمَانَتِهِ، وَاحْتِرَامِ الْأَنْظِمَةِ، وَتَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِ، وَالتَّعَاوُنِ مَعَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ، وَالْإِبْلَاغِ عَمَّا يُهَدِّدُ سَلَامَةَ النَّاسِ، دُونَ تَشْهِيرٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ اتِّهَامٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَجَزَى اللَّهُ رِجَالَ أَمْنِنَا وَجُنُودَنَا وَالْمُرَابِطِينَ عَلَى ثُغُورِنَا خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَبَارَكَ فِي جُهُودِهِمْ؛ يَسْهَرُونَ لِيَطْمَئِنَّ النَّاسُ، وَيَبْذُلُونَ لِتُصَانَ الْبِلَادُ وَتُحْفَظَ الْحُرُمَاتُ. فَاحْفَظُوا نِعْمَةَ التَّوْحِيدِ بِالْإِخْلَاصِ وَالِاتِّبَاعِ، وَنِعْمَةَ الْوَحْدَةِ بِالِائْتِلَافِ، وَنِعْمَةَ الْأَمْنِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَنِعْمَةَ الرَّخَاءِ بِالشُّكْرِ وَالْإِحْسَانِ؛ وَكُونُوا لِوَطَنِكُمْ أَيْدِيَ بِنَاءٍ، وَأَلْسِنَةَ صِدْقٍ، وَقُلُوبًا نَاصِحَةً.

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ، فَقَدْ قَالَ رَبُّكُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٦].اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْإِيمَانِ وَالْأَمْنِ، وَالْوَحْدَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَالرَّخَاءِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاجْعَلْنَا لِنِعَمِكَ شَاكِرِينَ، وَلِأَمَانَاتِنَا حَافِظِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَلْبِسْهُ ثَوْبَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَأَعِنْهُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْزِهِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ، الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، وَسَدِّدْ رَأْيَهُ وَقَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، وَبَارِكْ فِي جُهُودِهِ، وَأَعِنْهُ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ. اللَّهُمَّ احْفَظْهُمَا بِحِفْظِكَ، وَأَحِطْهُمَا بِرِعَايَتِكَ، وَارْزُقْهُمَا الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمَلِكِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبْنَائِهِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَضَوْا، وَارْحَمْهُمْ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَاجْزِهِمْ عَمَّا قَدَّمُوا لِبِلَادِهِمْ خَيْرًا. اللَّهُمَّ احْفَظْ جُنُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا، وَقَوِّ عَزَائِمَهُمْ، وَسَدِّدْ خُطَاهُمْ، وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَارْحَمْ مَوْتَاهُمْ، وَتَقَبَّلْ شُهَدَاءَهُمْ، وَاحْفَظْ أَهْلَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ. اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ.

عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٠]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.