7 جمادي أول, 1448
فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه لفضيلة الشيخ أ.د. سعد بن تركي الخثلان -وفقه الله-
الاثنين ١-٥-١٤٤٨هـ
[زكاة الحلي المعد للاستعمال وأحكام التحلي بالذهب والفضة- زكاة الرصيد البنكي]
١/ حكم زكاة الحلي المعد للتجارة: الحلي المعد للتجارة تجب فيه الزكاة عند عامة الفقهاء، وعلى ذلك فإن أصحاب محلات بيع الذهب والفضة يزكون ما لديهم زكاة عروض التجارة.
وكذلك من اقتنى حليًا أو جنيهات ذهبية بقصد التجارة، فإنها تجب فيها الزكاة.
وكذلك ما أعد منه للإيجار أو الإدخار ففيه الزكاة.
٢/ الخلاف في زكاة الحلي المعد للاستعمال والزينة: اختلف الفقهاء في وجوب الزكاة في الحلي المعد للبس والاستعمال والزينة على قولين:
القول الأول: وجوب الزكاة فيه، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، وقال به جماعة من السلف.
القول الثاني: عدم وجوب الزكاة فيه، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة.
٣/ الصحابة الذين نقل عنهم عدم وجوب الزكاة في الحلي: روي القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال عن خمسة من الصحابة، وهم: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة، وأسماء رضي الله عنهم أجمعين.
٤/ استدلال القائلين بوجوب زكاة الحلي بعموم النصوص: استدل القائلون بوجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال بعموم الأدلة الموجبة للزكاة في الذهب والفضة.
ومن ذلك قول النبي ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار…» أخرجه مسلم.
قالوا: إن الحلي يدخل في عموم هذا الحديث، وإخراجه من العموم يحتاج إلى دليل مخصص.
٥/ حديث السوارين من ذهب والاستدلال به: روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ومعها ابنتها، وفي يد ابنتها سواران غليظان من ذهب، فقال: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ، وقالت: هما لله ورسوله.
أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وفي إسناده كلام بين أهل العلم.
٦/ مناقشة الاستدلال بحديث السوارين: قال أبو عبيد القاسم بن سلام إن هذا الحديث روي بإسناد تكلم فيه أهل العلم قديمًا وحديثًا.
وذكر أنه على تقدير ثبوته يحتمل أن يكون المراد بالزكاة العارية، وأن زكاة الحلي لو كانت فرضًا لاشتهر بيانها في كتب الصدقات وسنة النبي ﷺ.
٧/ حديث أم سلمة في زكاة الحلي: روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب، فسألت النبي ﷺ: أكنز هو؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز».
أخرجه أبو داود والبيهقي، وفي إسناده مقال، كما أورد أهل العلم إشكالات على الاستدلال به.
٨/ حديث عائشة في الفتخات من فضة: روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: «أتؤدين زكاتهن؟» قلت: لا. قال: «هو حسبك من النار».
أخرجه أبو داود، وفي إسناده مقال، كما أن في متنه إشكالات.
٩/ معارضة حديث الفتخات لما ثبت عن عائشة: روى مالك في «الموطأ» بإسناد صحيح أن عائشة رضي الله عنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها، ولهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة.
فلو ثبت عندها الوعيد الوارد في حديث الفتخات، لما تركت إخراج الزكاة من حلي بنات أخيها.
١٠/ من الإشكالات على حديث الفتخات أن الفتخات التي كانت في يد عائشة رضي الله عنها لا يظهر أنها تبلغ نصاب الفضة، وهو ٥٩٥ جرامًا، خاصة مع ما عرف من قلة ذات اليد في بيت النبي ﷺ.
كما أن ظاهر القصة أنه ﷺ رآها عليها لأول مرة، مع أن الزكاة في الذهب والفضة يشترط لها حولان الحول.
١١/ ترجيح ابن عبد البر لرواية عائشة في عدم زكاة الحلي: قال الحافظ ابن عبد البر إن حديث عائشة في «الموطأ» بإسقاط الزكاة عن الحلي أثبت إسنادًا وأعدل شهادة.
وذكر أنه يستحيل أن تسمع عائشة رضي الله عنها مثل هذا الوعيد في ترك زكاة الحلي ثم تخالفه، ولو صح ذلك لكان محمولًا على علمها بنسخه.
١٢/ من أدلة القائلين بعدم وجوب الزكاة في الحلي: استدلوا بقول النبي ﷺ للنساء: «تصدقن ولو من حليكن».
ووجه الدلالة أنه لو كانت الزكاة واجبة في الحلي المعد للاستعمال لما ضرب به النبي ﷺ المثل في صدقة التطوع، وإنما كان المقام مقام بيان الفريضة.
١٣/ الفرق بين الحلي المعد للاستعمال وغيره: الحلي المعد للبس والزينة من أموال القنية والاستعمال، بخلاف الحلي المعد للتجارة أو الادخار.
فالحلي المعد للتجارة تجب فيه الزكاة، وأما المعد للاستعمال ففيه الخلاف السابق بين أهل العلم.
فالراجح أنه لاتجب فيها الزكاة؛ وقد ذكر الترمذي أنه لا يثبت في هذا الباب شيء، وعلى تقدير صحة الأحاديث فتحمل الزكاة على العارية كما جاء عن خمسة من أصحاب النبي ﷺ.
١٤/ حكم الحلي الذي لا تلبسه المرأة إلا قليلًا: إذا كانت المرأة قد أعدت الحلي للبس والزينة، لكنها لا تلبسه إلا في مناسبات قليلة، فالأقرب إلحاقه بالحلي المعد للاستعمال، لا بالذهب المعد للادخار.
وذلك لأن العبرة بالغرض من اقتنائه، وهي لم تقصد به الادخار وإنما قصدت اللبس والزينة، والأصل براءة ذمة المكلف.
١٥/ حكم تحلية المساجد بالذهب والفضة: ذكر الفقهاء أن تحلية المساجد بالذهب والفضة محرمة؛ لما فيها من الإسراف والتبذير.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.
١٦/ حكم إزالة الذهب والفضة من زخارف المساجد: نص الفقهاء على إزالة ما وضع في المساجد من تحلية الذهب والفضة.
أما إذا استهلكت هذه التحلية بحيث لا يجتمع منها شيء له قيمة، فلا تجب إزالتها؛ لعدم الفائدة من ذلك وذهاب ماليتها.
١٧/ النهي عن المباهاة في بناء المساجد: قال النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد». أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصحح إسناده النووي والضياء وغيرهما.
والمقصود النهي عن التفاخر والمبالغة في بناء المساجد وزخرفتها.
١٨/ النهي عن تشييد المساجد: قال النبي ﷺ: «ما أمرت بتشييد المساجد». أخرجه أبو داود.
والمراد بالتشييد المبالغة في رفع البناء وتطويله وزخرفته.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى».
١٩/ وصية عمر بن الخطاب في بناء المساجد: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببناء المسجد، وقال: «أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس».
ذكره البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم.
وهذا يدل على أن المقصود من بناء المساجد تهيئتها للعبادة، لا المبالغة في زخرفتها.
٢٠/ العناية بعمارة المساجد دون إسراف: ينبغي أن تصان بيوت الله عن الزخرفة والمبالغة في البناء ووضع القباب المكلفة ونحو ذلك؛ لأنها دور عبادة، وليست مواضع للتفاخر.
والأولى صرف الأموال التي تنفق في الزخارف والمبالغات إلى بناء مساجد أخرى، أو إلى ما ينفع المسلمين.
٢١/ حكم زكاة الرصيد في الحساب الجاري: إذا كان الإنسان يصرف جميع دخله قبل أن يحول عليه الحول، ولا يدخر شيئًا، فلا زكاة عليه.
وكذلك إذا كان يدخر مبلغًا يسيرًا لا يبلغ النصاب، فلا زكاة عليه.
أما إذا كان لديه رصيد يبلغ النصاب، ويسحب منه ويودع فيه باستمرار، فإن لزكاته عدة طرق.
٢٢/ الطريقة الأولى: اليوم الزكوي الموحد: وهي أن يحدد الإنسان يومًا ثابتًا من السنة لإخراج الزكاة، كأول رمضان مثلًا، فيزكي جميع الرصيد الموجود في حسابه في ذلك اليوم، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يحل عليه الحول.
وهذه أشهر الطرق وأسهلها، وفيها احتياط، وقد يخرج بها أكثر من الزكاة الواجبة، فينوي أن يكون القدر الزائد صدقة.
٢٣/ الطريقة الثانية: اعتماد أقل رصيد خلال الحول: وهي أن يطلب الإنسان كشف حساب بنكي عن سنة هجرية كاملة، ثم ينظر إلى أقل رصيد وصل إليه الحساب خلال هذه المدة، فيزكي ذلك المبلغ؛ باعتباره القدر الذي بقي في الحساب وحال عليه الحول.
أما ما زاد عليه فلا يلزم أن يكون قد حال عليه الحول، والنقود لا تتعين بالتعيين.
٢٤/ الطريقة الثالثة: تتبع حركة الحساب: وهي أكثر الطرق دقة، وذلك بمراجعة كشف الحساب وتتبع المبالغ التي دخلت إليه؛ فما بقي منها حتى حال عليه الحول وجبت زكاته، وما صرف قبل تمام الحول فلا زكاة فيه.
٢٥/ الطريقة الأنسب لمعظم الناس في زكاة الحساب الجاري طريقة اليوم ٩٩٩الزكوي الموحد؛ بأن يحدد الإنسان يومًا ثابتًا من كل سنة هجرية، ويزكي فيه جميع رصيده، ناويًا تعجيل الزكاة فيما لم يحل عليه الحول.
وبذلك لا يحتاج إلى تتبع حركة الحساب طوال السنة، وإنما ينظر إلى رصيده مرة واحدة في موعد زكاته السنوي.