2 ربيع أول, 1448
فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه لفضيلة الشيخ أ.د. سعد بن تركي الخثلان -وفقه الله- الاثنين ٢٧-٢-١٤٤٨هـ
[أحكام الزكاة (١)]
١/ الزكاة في اللغة تُطلق على عدة إطلاقات:
تُطلق على النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد، ويقال: رجل زاكٍ إذا كان كثير الخير والعطاء والمعروف.
وتُطلق على التطهير والصلاح، ومنه قول الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾؛ لأن الله يطهر بها نفس المزكي من الشح والبخل، فيؤدي زكاته طيبة بها نفسه، كما قال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
وتُطلق كذلك على المدح والثناء، ومنه قول الله عز وجل: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، يعني: لا تمدحوها ولا تثنوا عليها. والإنسان لا يمدح نفسه ولا يزكي نفسه من حيث الأصل، إلا إذا اقتضت المصلحة أو الحاجة ذلك.
٢/ الزكاة اصطلاحًا: التعبد لله عز وجل بإخراج جزء واجب شرعًا في مال معين لجهة مخصوصة.
«التعبد لله»؛ أي: أن المسلم يقصد التعبد لله عز وجل بإخراج الزكاة، فإن أخرجها بدون نية التعبد، كأن يكون مجرد تبرع مثلًا، فلا تعتبر زكاة شرعًا.
«بإخراج جزء واجب شرعًا»؛ فالجزء الواجب شرعًا إما ربع العشر، أو العشر، أو نصف العشر، كما سيأتي بيانه.
«في مال معين»؛ المقصود به الأموال التي تجب فيها الزكاة.
«لجهة مخصوصة»؛ هم أصناف الزكاة الثمانية الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
٣/ الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام؛ فإن الإسلام بُني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
فالزكاة آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وبعد الصلاة، وقد أجمع المسلمون على فرضيتها.
قال الموفق بن قدامة رحمه الله: «أجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة على قتال مانعيها».
وقد أمر الله تعالى بها في مواضع من كتابه الكريم، وتكرر قوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقُرنت الزكاة بالصلاة في القرآن الكريم في أكثر من عشرين موضعًا.
٤/ من أدلة فرضية الزكاة:
جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
وفي قصة بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم».
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، لما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإسلام، قال: «أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة…».
٥/ قتال أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزكاة يدل على عظيم منزلتها:
لما ناقش بعض الصحابة أبا بكر رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة، وقالوا: كيف تقاتل من كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ قال أبو بكر رضي الله عنه قولته المشهورة: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها». قال عمر رضي الله عنه: «فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق».
٦/ اختلف أهل العلم في وقت فرضية الزكاة:
فقيل: إنها فرضت في مكة قبل الهجرة، واستدلوا بآيات مكية، منها قول الله عز وجل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾، على تفسير من فسر ذلك بالزكاة المعروفة.
وقيل: إنها فرضت في المدينة بعد الهجرة؛ لأن السنة بينت مقادير الزكاة وأنصباءها في المدينة.
٧/ أقرب الأقوال في وقت فرض الزكاة:
القول الثالث يجمع بين أدلة القولين، وهو أن أصل فرض الزكاة كان في مكة، وأما تفاصيل أحكامها من تقدير أنصبائها، وتقدير الأموال الزكوية، وبيان أهلها، فكان في المدينة؛ وهو الذي تجتمع به الأدلة، وقد اختاره الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره.
فكان المسلم في مكة مأمورًا بإخراج شيء من غير تحديد، كما قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، ثم بُيِّن هذا الحق، ومقدار المخرج، على وجه التحديد في المدينة.
٨/ هل الزكاة تتعلق بعين المال أو بالذمة؟
هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء.
فمنهم من قال: إن الزكاة تتعلق بعين المال، وهذا قول مروي عن الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، قال المرداوي في الإنصاف: إنها المذهب وعليها أكثر الأصحاب. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾، قالوا: فدل على أن الزكاة في عين المال. واستدلوا أيضًا بما جاء في صحيح البخاري في كتاب أبي بكر رضي الله عنه لأنس رضي الله عنه: «في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة…»، قالوا: فأوجب زكاة الغنم في عينها. وقالوا: إن كل حق ثابت في الذمة لا يبطل بتلف المال كالدين، وكل حق تعلق بالعين يبطل بتلف المال كالوديعة ونحوها؛ فإذا تلف المال بعد الحول من غير تعدٍّ ولا تفريط لم تجب فيه الزكاة، فدل ذلك على أن الزكاة تجب في عين المال دون ذمة المالك.
٩/ القول بأن الزكاة تتعلق بالذمة ودليله:
ذهب بعض الفقهاء إلى أن الزكاة إنما تتعلق بالذمة، وهذا قول عند الشافعية، وذهب إليه الحنفية.
واستدلوا بحديث أنس السابق، وفيه: «فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة».
قالوا: فأوجب شاة واحدة في زكاة خمس من الإبل، فدل على أن الزكاة تتعلق بالذمة لا بعين المال؛ إذ لو كانت تجب في عين المال لكان المخرج من الإبل، لكنه أوجب شاة، فدل ذلك على أنها تتعلق بالذمة.
١٠/ أقرب الأقوال في تعلق الزكاة بالمال أو الذمة:
هناك قول ثالث وسط بين القولين، وهو أن الزكاة تجب في عين المال، ولها تعلق بالذمة. وقد نص عليه صاحب زاد المستقنع من الحنابلة فقال: «وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلق بالذمة».
وقال الزركشي الحنبلي: «والزكاة وإن تعلقت بالعين، فهي مع ذلك لها تعلق بالذمة قطعًا».
فلو قلنا: إن الزكاة تتعلق بعين المال فقط، لكان في هذا إشكال فيما لو وجبت عليه الزكاة بعد تمام الحول وتلف المال من غير تعدٍّ ولا تفريط.
ولو قلنا: إنها تتعلق بعين المال وليس لها تعلق بالذمة، لكان تعلقها بعين المال كتعلق الرهن بالعين المرهونة، وهذا أيضًا محل نظر؛ لأن الإنسان لا يلزمه أن يخرج الزكاة من عين المال نفسه، وإن كان هذا هو الأفضل، بل له أن يخرجها من مال آخر يملكه.
١١/ من ثمرات الخلاف في تعلق الزكاة بعين المال أو بالذمة:
تظهر ثمرة الخلاف في مسألة الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ فمن قال بأنها تتعلق بالذمة قال: لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنهما غير مكلفين، ومن قال: تتعلق بعين المال، قال: إنها تجب.
١٢/ الأصل أن كل ما شرعه الله تعالى فهو لحكمة:
ينبغي أن يعلم المسلم أن كل ما شرعه الله عز وجل فهو لحكمة؛ فالله تعالى أحكم الحاكمين، لا يأمر بشيء إلا لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة، ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، فهو سبحانه وتعالى الحكيم العليم.
ومع ذلك نتلمس بعض الحكم من مشروعية الزكاة؛ لأن معرفة المسلم للحكمة من المشروع مما يزيده إيمانًا ويقينًا.
١٣/ من حكم مشروعية الزكاة: تحقيق العبودية لله وشكر نعمته:
فالمال نعمة، والزكاة اعتراف بأن المال مال الله، وأن العبد مستخلف فيه.
١٤/ الزكاة تطهير وتزكية للنفس:
قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
فالزكاة فيها تطهير للنفس من الذنوب، ومن الشح والبخل، ومن الأخلاق الرذيلة، وفيها تزكية للنفس بالفضائل.
فالزكاة ليست مجرد إخراج مال، بل تربية وتعويد على الجود والعطاء والكرم والرحمة.
١٥/ الزكاة تزيد الإيمان وصدق اليقين:
المال محبوب للنفس، ولا يخرجه العبد إلا تصديقًا بوعد الله عز وجل؛ فالزكاة تزكي إيمان المزكي وأخلاقه وأعماله؛ لأن بذل الواجب ابتغاء مرضاة الله تعالى يزيد الإيمان ويزكي الإنسان.
١٦/ الزكاة سبب لنماء المال وبركته:
الزكاة وإن كانت في ظاهرها نقصًا من المال، لكنها في الحقيقة سبب للبركة والحفظ والنماء.
فجعل الله الزكاة طهرة للمال وصاحبه، وتحفظ بإذن الله المال وتدفع عنه الآفات.
ولهذا كان بعض الناس قديمًا إذا ضاع له مال قال: «سيعود، مالٌ مزكًّى»؛ لأنهم يرون أن المال المزكى تدفع عنه الزكاة -بإذن الله تعالى- الآفات والسرقة والتلف.
١٧/ من حكم الزكاة مواساة الفقراء وسد حاجتهم:
اقتضت حكمة الله أن يجعل في الأموال قدرًا يحتمل المواساة، لا يجحف بالأغنياء ويكفي المساكين.
ففرض في أموال الأغنياء ما يسد حاجة الفقراء، وفي هذا تحقيق للتوازن بين حق الغني وحق الفقير.
فالزكاة قدر يسير مفروض في مال الغني، لا يجحف بصاحب المال، وفي الوقت نفسه يسد حاجة الفقير.
١٨/ الزكاة نظام عادل في التكاليف:
المشقة معتبرة في مقدار الزكاة؛ فما سُقي بلا كلفة زكاته أكثر، وما سُقي بكلفة زكاته أقل، والتجارة زكاتها ربع العشر؛ لأن نماءها يحتاج إلى عمل وتربص.
١٩/ الزكاة تقوي الروابط بين أفراد المجتمع المسلم:
أخذ الزكاة من الغني وردها إلى الفقير يجعل الروابط بين المسلمين تقوى، ويكون سببًا لإزالة الحقد الذي قد يحصل من بعض الفقراء على الأغنياء.
فالفقير إذا رأى الغني يؤدي حق الله في ماله حصلت المودة، وخفت أسباب الحسد والضغينة.
٢٠/ الزكاة تلين القلب وتسد أبواب التسول:
الزكاة تلين القلب؛ لأن الإنسان إذا أعطاها الفقراء والمحتاجين رق لهم ورحمهم.
كما أنها تسد أبواب التسول والاحتيال بسد حاجة الفقير والمسكين.
٢١/ من حكم الزكاة إدخال السكينة على المزكي:
قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾.
وكان النبي ﷺ يصلي على من أتاه بزكاة ماله، ويقول: «اللهم صلِّ عليه».
٢٢/ الزكاة تربي النفس على مخالفة حب المال:
حب المال والشح يضران بالنفس ويصدانها؛ فالزكاة تعوِّد الإنسان على البذل والإنفاق والجود.
والزكاة في الحقيقة فيها تطهير للإنسان من الشح والبخل؛ فهي ليست مجرد إخراج مال، بل عبادة تهذب القلب وتزكيه.
والشح يجعل الإنسان متعلقًا بالمال خائفًا من بذله، أما الزكاة فتدربه على أن المال وسيلة لطاعة الله عز وجل، وليس غاية يعبدها القلب.
٢٣/ قد يكون الإنسان عبدًا للمال:
قال النبي ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة».
فسمى النبي ﷺ المتعلق بالمال عبدًا للمال.
فالزكاة تعدل هذا التعلق، وتجعل المال وسيلة، وليس غاية يتعلق بها الإنسان، وتطهر النفس من الشح.
وقد حذر النبي ﷺ من الشح فقال: «اتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم».
ومن أعظم الشح: البخل بأداء الحقوق المالية مع الحرص على المال.
٢٤/ الزكاة تحفظ كرامة الفقير والمسكين:
الزكاة تعود المسلم على مساعدة المحتاجين، مع المحافظة على عزة الفقير والمسكين.
ولذلك نهى الله عز وجل عن إيذاء الفقير بأدنى أذية أو المن عليه، وأخبر بأن ذلك يبطل أجر المزكي أو المتصدق، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
فالذي يمنُّ على الفقير أو يؤذيه بكلمات جارحة يبطل أجره، فلا بد أن الإنسان مع البذل والعطاء يحفظ كرامة الفقير والمسكين.
٢٥/ الزكاة تنمي خلق السماحة والبذل والعطاء والجود:
الإنسان إذا عود نفسه على البذل والعطاء والإنفاق أصبح كريمًا، والكرم من الأخلاق العظيمة التي حث عليها الإسلام، بينما البخل والشح من الأخلاق الذميمة.
فالزكاة تعالج مشكلة البخل والشح التي قد توجد عند بعض الناس؛ لأنها تنقل قلبه من حب التملك إلى حب الطاعة، ومن الخوف من النقص إلى الثقة بوعد الله، ومن الاستئثار بالمال إلى أداء حقوق المحتاجين.
٢٦/ تنوع العبادات يُظهر كمال عبودية المسلم لله عز وجل:
كما تظهر عبودية المسلم لربه في الصلاة بجسده، وتظهر في الصيام بكف شهوته، وتظهر في الحج ببذل بدنه وماله؛ فكذلك في الزكاة تظهر عبودية المسلم لربه ببذل ماله.
٢٧/ بعض النفوس قد يسهل عليها نوع من العبادة ويشق عليها نوع آخر؛ فجاءت العبادات متنوعة لتستخرج من العبد كمال الانقياد لله عز وجل.
فقد تجد إنسانًا يكثر من الصلاة وأمور العبادة، وقد يكون صالحًا عابدًا، لكن فيما يتعلق بالمال عنده شح وبخل، وقد يصل إلى درجة أن يبخل بالزكاة. وقد تجد آخر يسهل عليه التبرع وبذل المال، لكن يشق عليه الصيام.
فالله عز وجل بحكمته نوَّع العبادات؛ فمنها ما يتعلق بالبدن كالصلاة، ومنها ما يتعلق ببذل المال المحبوب للنفس كالزكاة، ومنها ما يجمع بين البدن والمال كالحج، ومنها ما يكون بكف النفس عن محبوباتها كالصيام؛ فإذا قام الإنسان بها كلها ظهرت منه العبودية كاملة لله عز وجل.
٢٨/ الزكاة امتحان لموضع حساس في النفس:
العبودية لا تظهر كاملة فيما يوافق الطبع وحده؛ فقد تجد إنسانًا يسهل عليه القيام والصلاة والذكر، لكنه إذا جاء المال ضاق صدره؛ لأن المال محبوب للنفس، كما قال سبحانه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، وقال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، يعني: المال.
فكانت الزكاة امتحانًا لهذا الموضع الحساس في النفس: هل يقدم العبد أمر الله على حب المال؟
٢٩/ لماذا قُرنت الصلاة بالزكاة في مواضع كثيرة من القرآن؟
من هنا نفهم لماذا قُرنت الصلاة بالزكاة في القرآن في مواضع عديدة؛ لأن الصلاة عبودية البدن والقلب، والزكاة عبودية المال.
فمن صلى ولم يزكِّ مع القدرة فقد أظهر خضوعًا في جانب وامتنع في جانب آخر.
ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه في مانعي الزكاة: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة»؛ لأنه فهم أن الدين لا يقبل تجزئة الأركان الظاهرة، فلا بد من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
وقد تكون للزكاة حكم وأسرار أخرى لا نعلمها؛ فالله تعالى أحكم الحاكمين، لا يشرع شيئًا إلا لحكمة بالغة.