29 رجب, 1447

إثر الشائعات والغيبة والنميمة في الفرد والمجتمع … ﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالمينَ، قَيُّومُ السَّماواتِ وَالْأَرَضِينَ، مُدَبِّرُ الخلائِقِ أَجْمَعِينَ، وَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالمينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ الملِكُ الْحَقُّ المبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71] أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ: مِنْ صِفَاتِ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كانَ يَسْأَلُ عَمَّنْ غابَ مِنْ أَصْحابِهِ، وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: “يَا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ”، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: “بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا” [رواه مسلم]، هَكَذا يُعَلِّمُنا دِينُنا مُحارَبَةَ الْإِشاعَاتِ، وَالتَّثَبُّتَ مِنَ الْأَخْبارِ قَبْلَ نَشْرِها؛ فَفِي النَّاسِ مُرْجِفُونَ، مُرَوِّجُونَ لِلْإِشاعاتِ، يَطْمِسُونَ الْحَقائِقَ، وَيَنْشُرُونَ الْكَراهِيَةَ وَالْفِتَنَ، وَيَسْتَبِيحُونَ أَعْراضَ النَّاسِ؛ فَقُلُوبُهُمْ مَرِيضَةٌ، وَأَفْعالُهُمْ وَأَقْوالُهُمْ خَطِيرَةٌ، وَأَلْسِنَتُهُمْ سَلِيطَةٌ، وَأَخْبارُهُمْ مُوْهِنَةٌ، فَهُمْ مِعْوَلُ هَدْمٍ فِي الْأُمَّةِ؛ فَعَلَى المؤْمِنِ أَنْ يَحْفَظَ لِسانَهُ مِنَ الْخَوْضِ مَعَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. وَنَحْنُ مُطالَبُونَ بِالصَّمْتِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ خَيْرًا؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: ‌قِيلَ ‌وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» [متفق عليه].
أَيُّها المسْلِمُونَ: شَّائِعاتٌ وَأَخْبارٌ تَتَناقَلُها المجالِسُ وَالمنْتَدَياتُ، وَعَبْرَ وَسائِلِ التَّواصُلِ، مِنْ مَصادِرَ مَجْهُولَةٍ تَبُثُّ الْأَراجِيفَ، وَتُثِيرُ الْفِتَنَ وَالمخاوِفَ فِي المجْتَمَعِ؛ يَقِفُ وَراءَها أَعْداءٌ مُتَرَبِّصُونَ، يُرِيدُونَ تَدْمِيرَ الْأُمَّةِ، وَشَقَّ صَفِّها، وَتَمْزِيقَ وِحْدَتِها؛ يَبْتُرُونَ الْعِباراتِ، وَيَقْطَعُونَ النُّصُوصَ عَنْ سِياقاتِها، وَيُعَلِّقُونَ عَلَيْها بِأَكاذِيبَ، فَيُظْهِرُونَ المجْتَمَعاتِ وَكَأَنَّها فاسِدَةٌ لا تَحْمِلُ خَيْرًا أَبَدًا، يُضَخِّمُونَ الْحَدِيثَ عَنِ الْفاسِدِينَ وَالمنْحَرِفِينَ، فَيَظُنُّ السَّامِعُ أَنَّ الثَّابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّالِحينَ قَلِيلٌ؛ لِذَا يُعَدُّ الْإِرْجَافُ وَنَشْرُ الشَّائِعاتِ مِنْ أَخْطَرِ اَلْجَرَائِمِ اَلْمُهَدِّدَةِ لِأَمْنِ المجْتَمَعاتِ. وَالمؤْمِنُ يا عِبادَ اللهِ مُطالَبٌ شَرْعًا بِعَدَمِ التَّسَرُّعِ بِإِذاعَةِ الْأَخْبارِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبيَّنُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بيْنَ المشْرِقِ والمغْرِبِ« [متفقٌ عليه]، أَيْ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِما لا يُفَكِّرُ فِي عَواقِبِهِ، وَلا ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المفاسِدِ، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: »كَفَى بِالمرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ« [رواه مسلم]، فَالَّذِي يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما سَمِعَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ عَنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ، أَوْ يَخُوضُ فِي الشَّأْنِ الْعامِّ، وَلَيْسَ مُخَوَّلًا بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَدْ تَحَمَّلَ إِثْمًا كَبِيرًا.
وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ، وَتَرْوِيجُ الشَّائِعاتِ وَالْأَخْبارِ الْكاذِبَةِ حَرامٌ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: »أَتَدْرُونَ ما الْغِيبَةُ؟!«، قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: »ذِكْرُكَ أَخاكَ بِما يَكْرَهُ«، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ فِي أَخِي ما أَقُولُ؟! قالَ: »إِنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ« رواه مسلم. أَيْ: إِنْ كانَ ما يُقالُ فِيهِ حَقِيقَةً فَهَذِهِ الْغِيبَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْها، وَإِنْ كانَ بَرِيئًا فَهَذَا ِافْتِراءٌ وَاعْتِداءٌ عَلَى الْعِرْضِ، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا”، تَعْنِي أَنَّها قَصِيرَةٌ”، فَقالَ لَها: “يا عَائِشَةُ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِماءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ” أَيْ: غَيَّرَتْ طَعْمَهُ؛ فَالْغِيبَةُ تُفْسِدُ الْقُلُوبَ، وَتَزْرَعُ الشُّرُورَ، وَتُؤَجِّجُ الْفِتَنَ، وَتَجُرُّ إِلَى عَظِيمِ الموْبِقاتِ وَالمهْلِكاتِ، وَتُوْقِعُ صاحِبَها فِي النَّدَمِ فِي وَقْتٍ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، وَتُنْبِتُ الْحِقْدَ وَالْحَسَدَ، وَتَجْلِبُ الشِّقاقَ وَالْخِلافَ وَالْعَدَاوَاتِ فِي الْبُيُوتِ، وَبَيْنَ الْجِيرانِ وَالْأَقْرِباءِ، وَتُنْقِصُ الْحَسَناتِ، وَتُكْثِرُ السَّيِّئاتِ، وَهِيَ مِنَ الْكَبائِرِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿وَلَا ‌يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتًا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ﴾ [الحجرات: 12]، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَلَا تُطِعۡ كُلَّ ‌حَلَّافٍ مَّهِينٍ ۝ هَمَّازٍ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 10-11]، قال صلى الله عليه وسلم: »لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقومٍ لهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ، فقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ« [صححه الألباني]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: »لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ« [متفق عليه]، وَالْقَتَّاتُ النَّمَّامُ، يَنْقِلُ الْكَلامَ؛ لِيُفْسِدَ ما بَيْنَ النَّاسِ، وَأَهْلُ الْإِرْجافِ وَالشَّائِعاتِ مَلْعُونُونَ؛ قالَ تَعالَى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60، 61]؛ فَعَلَى المؤْمِنينَ أَلَّا يَسْتَعْجِلُوا بِإِشاعَةِ الْأَخْبارِ، بَلْ يَرُدُّونَها إِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ، مِمَّنْ يَعْرِفُونَ الْأُمُورَ عَلَى حَقِيقَتِها، وَيُدْرِكُونَ خَيْرَها وَشَرَّها، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فَلَا يَسْتَصْغِرَنَّ أَحَدٌ شَأْنَ الْغِيبَةِ؛ فَذَنْبُها عَظِيمٌ، وَخَطَرُها جَسِيمٌ، وَهِيَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبادِ، لا تَحَلُّلَ مِنْها إِلَّا بِالْعَفْوِ مِمَّنِ اغْتِيبَ.
عِبادَ اللهِ: الْقَضاءُ عَلَى الشَّائِعاتِ يَحْتاجُ إِلَى التَّعاضُدِ وَالتَّعاوُنِ بَيْنَ الرُّعاةِ وَالرَّعِيَّةِ، وَوِحْدَةِ الصَّفِّ وَاجْتِماعِ الْكَلِمَةِ، وَالْحِكْمَةِ وَالتَّرَوِّي، بَعِيدًا عَنِ الْعَواطِفِ وَالمشاعِرِ المجَرَّدَةِ عَنِ الْحَقائِقِ، وَالْحَذَرِ مِنَ الْجِدالِ فِي وَسائِلِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ، فِيما لا نَفْعَ فِيهِ، وَضَرَوُرَةِ اسْتِقاءِ المعْلُوماتِ مِنْ مَصادِرِها الموْثُوقَةِ، خاصَّةً فِي زَمَنِ الذَّكاءِ الاِصْطِناعِيِّ، وَتَوْلِيدِ الْفِيْدْيُوهاتِ، وَتَرْكِيبِ الصُّوَرِ؛ فَصارَ لِزامًا التَّثَبُّتُ، وَعَدَمُ التَّسَرُّعِ فِي إِصْدارِ الْحُكْمِ، أَوْ نَشْرِ الْأَخْبارِ؛ فَالْمَسْلَكُ خَطِيرٌ، وَالْإِثْمُ عَظِيمٌ، وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي خَنْدَقٍ واحِدٍ وَسَفِينَةٍ واحِدَةٍ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنِ المسْلِمُ مَصْدَرَ أَمانٍ وَطُمَأْنِينَةٍ لِمُجْتَمَعِهِ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَسْكُتَ؛ كَمَا قالَ صلى الله عليه وسلم: »مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ« [متفق عليه].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَسَلامٌ عَلَى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، فَالمؤْمِنُ يَتَوَثَّقُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ في أَمْرٍ أَوْ يَنْشُرَهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ غَدًا مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ رَبِّهِ، فَيُعْرُضُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَيُحاسَبُ عَلَيْهِ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]، كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَحْلِفُ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: “مَا عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ”. وَقَالَ الْحَسَنُ: “اللِّسَانُ أَمِيرُ الْبَدَنِ؛ فَإِذَا جَنَى عَلَى الْأَعْضَاءِ شَيْئًا جَنَتْ؛ وَإِذَا عَفَّ عَفَّتْ”. وَاللِّسَانُ تَرْجُمَانُ الْقَلْبِ وَالْمُعَبِّرُ عَنْهُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِاسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ يَمْلِكُ كَلَامَهُ، فَإِذَا تَكَلَّمَ مَلَكَهُ كَلَامُهُ، وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الْفِتَنَ وَالمخاطِرَ وَمُنْكَراتِ الْأُمُورِ تَحْدُثُ بِسَبَبِ انْتِشارِ الشَّائِعاتِ وَالْأَكاذِيبِ عَلَى أَلْسِنَةِ أُناسٍ غَيْرِ مُؤَهَّلِينَ، وَلَا مُتَخَصِّصِينَ، يَدَّعُونَ الْعِلْمَ وَالْفَتْوَى.
وَاحْذَرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- السَّيْرَ وَراءَ كُلِّ ناعِقٍ، خاصَّةً فِي الشَّأْنِ الْعامِّ، وَما يَتَعَلَّقُ بِجَماعَةِ المسْلِمِينَ وَإِمامِهِمْ، فَمَا أَثْمَرَتِ الشَّائِعاتُ إِلَّا خَرابًا وَدَمارًا، وَانْقِسامًا وَتَهْجِيرًا. وَالْحَمْدُ للهِ أُمَّتُنا أُمَّةُ تَعاوُنٍ وَتَعاطُفٍ وَتَناصُحٍ وَإِخْلاصٍ، لا أُمَّةُ تَخاذُلٍ وَتَخاصُمٍ وَغِشٍّ وَخِداعٍ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، أَعاذَنا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ شُرُورِ الْفِتَنِ، ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ،
‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْداءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.