21 ربيع أول, 1448

لِكُلِّ مُؤْمِنٍ دَرَجَةٌ في الْجَنَّةِ

﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾

الْحَمْدُ للهِ أَولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، جعلَ الجنةَ لعبادهِ مَنْزِلًا ومَوْئِلًا، والإسلامَ إليهَا طَرِيقًا ومُوصِلًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ هَادِيًا وَمُعَلّمًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، واطلبُوا رِضَاهُ بِطَاعَتِهِ، وجَنَّتَهُ بِتَقْوَاهُ وَخَشْيَتِهِ، قال رَبُّنَا سبحانَهُ: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) [مريم: 63].

عِبَادَ اللَّهِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:46]، الْجَنَّةُ غَايَةُ الْعَابِدِينَ، وَقُرَّةُ عَينِ الموَحِّدِينَ، وَمُنْتَهَى آَمَالِ المؤْمِنِينَ غَرَسَهَا اللهُ بِيَدِهِ، لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، مِلَاطُهَا (أي: طِينُهَا) المِسكُ الأَذْفَر، وحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلؤُ والجوهَرُ، وتُرابُهَا الزَّعفَرَانُ، أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ، إِخْوَةٌ مُتَحَابُّونَ، عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ، قالَ صلى الله عليه وسلم في وَصْفِ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنَ الحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لَا يَسْقَمُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَبْصُقُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَوَقُودُ ‌مَجَامِرِهِمْ الأَلُوَّةُ -يَعْنِي العُودَ- وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ» رواه البخاري، وقالَ صلى الله عليه وسلم: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ‌جُرْدًا، ‌مُرْدًا، بِيضًا، جِعَادًا، مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ» رواه الترمذي، وأحمد، وَأَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَجْرِي مِنْ غَيرِ أَخَادِيد، يُمْسِكُهَا الرَّحْمَنُ أَنْ تَفِيضَ، مَاؤُهَا مُطَّرِدٌ لا يَغِيض، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَطْيَب مِنَ المِسْكِ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَنْهَارُ الجَنَّةِ مِنها الماءُ، ومِنها اللَّبَنُ، ومِنها الخَمْرُ، ومِنها العَسَلُ المصَفَّى، مَن يَدخُلِ الْجَنَّةَ يَنعَمْ ولا يَبْأَسْ، ويَخلُدْ ولَا يَمُوتْ، بَخٍ لِساكِنِيها، وإنَّ أعظَمَ نعيمِ أهلِ الجَنَّةِ وأعْلاهُ، وأَشْرَفَهُ وأَسْنَاهُ وأَرْفَعَهُ وَأَبْهَاهُ رُؤْيَةُ رَبِّهِمْ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ، قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عزَّ وجلَّ»، ثُمَّ تَلَا قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) يونس:26 أخرجه مسلم.

فَطُوبَى لِمَنْ جاءَتْهُ أَعْظَمُ بِشَارَةٍ مِنْ رَبِّهِ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: 70- 73]، وَقَدْ رَغَّبَ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَهُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي تَفْتَحُ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُبْلِغُ -أَوْ فَيُسْبِغُ- الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَدْ بَشَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْجَنَّةِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ بِشَارَةٍ! وَمَا أَجَلَّهَا مِنْ غَايَةٍ!

وَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ، وَيُحَاسِبُهَا، وَيُكْثِرُ مِنَ الطَّاعَاتِ، رَاجِيًا أَنْ يَكُونَ فِي زُمْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:69].

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَتْ دَرَجَةً وَاحِدَةً، بَلْ هِيَ دَرَجَاتٌ وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِتَةٌ، وَأَهْلُهَا يَتَفَاوَتُونَ فِيهَا بِحَسَبِ إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 163]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:21]، وَقَالَ تَعَالَى:﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:58] وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا التَّفَاوُتَ بَيَانًا عَظِيمًا، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ…» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

فَتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- هَذَا التَّفَاوُتَ الْعَظِيمَ. إِنَّ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا يَتَفَاوَتُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ، وَمَرَاكِبِهِمْ، وَمَلَابِسِهِمْ، وَسَائِرِ مَتَاعِهِمْ؛ فَإِذَا كَانَ هَذَا التَّفَاوُتُ فِي نَعِيمِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، فَكَيْفَ بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ الْبَاقِي؟! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:17]، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَيَا عَبْدَ اللَّهِ، سَلِ اللَّهَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى، وَأَكْثِرْ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَإِنَّ الْعُمْرَ قَصِيرٌ، وَالْأَيَّامَ تَمْضِي، وَالدَّرَجَاتِ هُنَاكَ عَلَى قَدْرِ مَا يُقَدِّمُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ. وَمِنْ عَظِيمِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجَاتِهِ بِالطَّاعَاتِ، وَقَدْ يَرْفَعُهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْبَلَاءِ إِذَا صَبَرَ وَاحْتَسَبَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَنْزِلَةُ، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ، فَلَا يَزَالُ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إِيَّاهَا» حديث حسن، رَوَاهُ أَحْمَدُ

فَيَا مَنْ نَزَلَ بِهِ الْبَلَاءُ، وَيَا مَنْ أَثْقَلَهُ الْمَرَضُ، وَيَا مَنْ فَقَدَ حَبِيبًا، وَيَا مَنْ أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ، لَا تَظُنَّ أَنَّ الْبَلَاءَ دَلِيلٌ عَلَى هَوَانِكَ عَلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ. سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ فَقَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ… وَلَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:155] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾[العنكبوت:2]

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْبَلَاءَ إِذَا قَابَلَهُ الْمُؤْمِنُ بِالصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ كَانَ لَهُ رَفْعَةً فِي الدَّرَجَاتِ، وَتَكْفِيرًا لِلسَّيِّئَاتِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِذَا أَرَدْتَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- رِفْعَةَ الدَّرَجَاتِ وتخفيف البلاء، فَاسْتَكْثِرْ مِنَ الطَّاعَاتِ، أَكْثِرْ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ، وَأَكْثِرْ مِنَ الصَّلَاةِ، وَحَافِظْ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَعَظِّمْ شَأْنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَصَلِّ الضُّحَى، وَوَاظِبْ عَلَى الْوِتْرِ، وَاجْعَلْ لَكَ نَصِيبًا مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَأَطِلِ الْمُكْثَ فِي بُيُوتِ اللَّهِ، وَأَكْثِرْ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَأَدِمْ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ. لَا تَقُلْ: عَمِلْتُ كَفَايَتِي؛ فَإِنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ أَمَامَكَ. وَلَا تَقُلْ: عَبَدْتُ اللَّهَ كَثِيرًا؛ فَإِنَّ الْفِرْدَوْسَ يَسْتَحِقُّ أَنْ تَبْذُلَ لَهُ عُمْرَكَ. وَلَا تَحْقِرَنَّ طَاعَةً، وَلَا تُفَرِّطَنَّ فِي حَسَنَةٍ؛ فَلَعَلَّ رَكْعَةً تَرْفَعُكَ، أَوْ صَدَقَةً تَسْبِقُ بِكَ، أَوْ ذِكْرًا يَثْقُلُ بِهِ مِيزَانُكَ، أَوْ دَمْعَةً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَكُونُ سَبَبًا لِفَوْزِكَ وَنَجَاتِكَ. أَوْصَى صلى الله عليه وسلم مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رضي الله عنه فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

فَأَكْثِرُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَطِيعُ طَاعَةَ رَبِّهِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَنَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللَّهُمَّ ارْفَعْ دَرَجَاتِنَا، وَكَفِّرْ سَيِّئَاتِنَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاخْتِمْ لَنَا بِالصَّالِحَاتِ. اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَفَرِّجْ هُمُومَنَا، وَنَفِّسْ كُرُوبَنَا، وَاقْضِ دُيُونَنَا، وَاجْعَلْ مَا أَصَابَنَا رِفْعَةً فِي دَرَجَاتِنَا، وَتَكْفِيرًا لِسَيِّئَاتِنَا. اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا الْمَمْلَكَةَ الْعَرَبِيَّةَ السُّعُودِيَّةَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا نِعْمَةَ الْإِيمَانِ وَالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالرَّخَاءِ، وَاحْفَظْهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ آلِ سُعُودٍ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَعِنْهُمَا وَسَدِّدْهُمَا، وَاجْزِهِمَا عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ جُنُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَانْصُرْهُمْ وَسَدِّدْهُمْ، وَاجْزِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينَ.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:90]؛ فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.