14 جمادي أولI, 1447
جَبْرُ الْخَواطِرِ 23 / 1/ 1447 هـ
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
يا بْنَ آدَمَ أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُهُ، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقِيهِ، وَكُنْ كَما شِئْتَ فَكَما تَدِينُ تُدانُ، وَالْجَزاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَاعْلَمْ يا عَبْدَ اللهِ أَنَّ الْبِرَّ لا يَبْلَى، وَأَنَّ الْإِثْمَ لا يُنْسَى، وَأَنَّ الدَّيَّانَ لا يَنامُ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ مَتَى وَجَدْتَ تَكْدِيرًا فِي حالٍ مِنْ أَحْوالِكَ فانْظُرْ لَعَلَّها زَلَّةٌ مِنْكَ وَقَعَتْ، أَوْ نِعْمَةٌ لَمْ تُشْكَرْ ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11.
عِبادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102]. أَمَّا بَعْدُ:
إِخْوانِي الْكِرامَ: عِبادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَقُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ، تَكُونُ غالِبًا بِاللِّسانِ، فَفَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعالَى أَنْ يَسَّرَ طاعَتَهُ، وَرَتَّبَ عَلَيْها أُجُورًا عَظِيمَةً، تَرْفَعُ صاحِبَها فِي الْجَنَّةِ دَرَجاتٍ، وَنَعْنِي بِها عِبادَةَ جَبْرِ الْخَواطِرِ، وَالْجَبْرِ يَكُونُ لِلْمَكْسُورِ الْحِسِّيِّ كالْعِظامِ، فَيَلْتَئِمُ بِالجَبِيرَةِ، وَيَكُونُ الْجَبْرُ مَعْنَوِيًّا لِلْخاطِرِ، وَهُوَ الْقَلْبُ أَوِ النَّفْسُ، وَكَسْرُ النَّفْسِ أَشَدُّ أَلَمًا مِنْ كَسْرِ الْعِظَامِ. وَجَبْرُ الْخَواطِرِ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ، تَسْتَمِدُّ عَظَمَتَها وَجَمالَها مِنِ اسْمِ اللهِ الْجَبَّارِ، فَهُوَ سُبْحانَهُ كَثِيرَ الْجَبْرِ لِعِبادِهِ، يَجْبُرُ الْفَقِيرَ فَيُغْنِيهِ، وَالمرِيضَ فَيَشْفِيهِ، وَغَيْرَ الموَفَّقِ فَيُوَفِّقُهُ، وَالْيائِسَ فَيُحْيِي أَمَلَهُ، وَالْخائِفَ فَيُؤَمِّنُهُ، وَالْحَزِينَ فَيُسْعِدُهُ، فَسُبْحانَهُ الْجَبَّارُ.
وَهَذا الْخُلُقُ الْعَظِيمُ، يَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ، وَعَظَمَةِ الْقَلْبِ، وَسَلامَةِ الصَّدْرِ، وَرَجاحَةِ الْعَقْلِ، لَكِنْ يَغْفَلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَكَمْ مِنْ نُفُوسٍ مَكْسُورَةٍ، وَقُلُوبٍ مَكْلُومَةٍ، وَهِمَمٍ مُنْهارَةٍ، تَحْتاجُ إِلَى جَبْرٍ وَمُواساةٍ. وَيَكُونُ الْجَبْرُ بِالْحَدِيثِ وَالسُّؤالِ عَنِ الْحالِ، وَالدُّعاءِ، وَالْهَدِيَّةِ، وَقَضاءِ الْحَوائِجِ، وَإِسْعادِ الْمَهْمُومِ، وَقَضاءِ الدَّيْنِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الْفُقَراءِ، وَكَفالَةِ الْيَتِيمِ، وَقَبُولِ الْعُذْرِ، وَالشُّكْرِ عَلَى الْجَمِيلِ، وَتَقْدِيمِ النَّصِيحَةِ، وَالْبِشارَةِ بِالْخَيْرِ، وَالمشارَكَةِ فِي الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، وَإِجابَةِ الدَّعْوَةِ.
وَفِي الْقُرْآنِ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ لِلْجَبْرِ، مِنْها: جَبْرُ اللهِ لِقَلْبِ يُوسُفَ عليه السلام حَيْثُ أُلْقِيَ فِي الْبِئْرِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾يوسف: 15. وَيَجْبُرُ سُبْحانَهُ قَلْبَ أُمِّ مُوسَى ﴿فَرَدَدْناهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ القصص:13. وَجَبَرَ قَلْبَ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم عِنْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى المدِينَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعادٍ﴾ القصص: 85. وَقالَ لَهُ مُواسِيًا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ الضحى:5. وَيُجْبِرُ سُبْحانَهُ قُلُوبَ المضْطَرِّينَ مِنْ عِبادِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ المضْطَرَّ إِذَا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ النمل:62. وَوَرَدَ فِي الدُّعاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعافِنِي»[حسن ورجاله رجال الشيخين]، وَقَدْ رَسَّخَ رَسُولُنا صلى الله عليه وسلم خُلُقَ جَبْرِ الْخَواطِرِ قَوْلًا وَمُمارَسَةً، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ ما كانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» رواه مسلم. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْأَعْمالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا» ثُمَّ قالَ صلى الله عليه وسلم: «وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ فِي حاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا المسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ المدِينَةِ- شَهْرًا» حسنه الألباني. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «… وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَها لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدامُ» [صححه الألباني]. وَهَا هُوَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم يَجْبُرُ خاطِرَ فُقَراءِ المهاجِرينَ، عِنْدَما قالُوا: يا رَسولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأُجُورِ؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قالَ: «أَوَليسَ قدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ما تَصَّدَّقُونَ؟! إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالُوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قالَ: «أَرَأَيْتُمْ لو وَضَعَهَا في حَرَامٍ، أَكانَ عليه فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذلكَ إذَا وَضَعَهَا في الحَلَالِ كانَ له أَجْرٌ» رواه مسلم.
وَيَجْبُرُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم خَواطِرَ أَصْحابِهِ حَتَّى الْأَطْفالِ؛ فَيُواسِي صَبِيًّا صَغِيرًا كانَ لَهُ عُصْفُورٌ فَماتَ، فَكانَ يَمُرُّ بِهِ وَيَقُولُ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»[متفق عليه]، وَوَجَدَ صلى الله عليه وسلم جابِرًا مُنْكَسِرًا فَقالَ لَهُ: «أَلَا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَباكَ؟» قالَ: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «ما كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَراءِ حِجابِهِ، وَأَحْيا أَباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا. فَقالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِيكَ. قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً. قالَ الرَّبُّ تَبارَكَ وَتَعالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ لا يُرْجَعُونَ»، وَيُواسِي صلى الله عليه وسلم بِلالًا فَيَقُولُ: «يا بلَالُ حَدِّثْنِي بأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ في الإسْلَامِ مَنْفَعَةً، فإنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ؟» [صحيح مسلم]. وقالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: «يا مُعاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. أُوصِيكَ يا مُعاذُ ! لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ» حديث صحيح. وَقالَ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْحَسَنِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» البخاري، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ فَقالَ: «يا رسولَ اللهِ! هذهِ خَديجةُ قد أَتَتْكَ، مَعَها إِناءٌ فِيهِ إِدامٌ أَوْ طَعامٌ أَوْ شَرابٌ، فَإِذَا هِيَ قَدْ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ عَلَيْها السَّلامَ مِنْ رَبِّها وَمِنِّي، وَبَشِّرْها بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيها وَلا نَصَبَ» [أخرجه البخاري].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ المصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
وَمِنْ جَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم لِقُلُوبِ أَصْحابِهِ رضي الله عنهم أَنَّهُ قالَ لِأُبَيٍّ: «إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ» قالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟! قالَ: «اللَّهُ سَمَّاكَ لي». فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي. [متفق عليه]. وَمِنْ جَبْرِهِ الْعَمَلِيِّ ما كانَ يَسْتَقْبِلُ بِهِ فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها فَمِنْ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: “.. وَكانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قامَ إِلَيْها، وَقَبَّلَها، وَرَحَّبَ بِها، وَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَأَجْلَسَها فِيْ مَجْلِسِهِ، وَكانَتْ هِيَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قامَتْ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَتْهُ، وَأَخَذَتْ بِيَدِهِ”. حديث صحيح. وَلَمْ يَقْتَصِرْ جَبْرُهُ صلى الله عليه وسلم لِلْقُلُوبِ عَلَى الْأَفْرادِ، لَكِنَّهُ كانَ يَجْبُرُ قُلُوبَ قَبائِلَ وَجَماعاتٍ كامِلَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ جَبْرُهُ صلى الله عليه وسلم لِقُلُوبِ الْأَنْصارِ فِي حادِثَةِ غَنائِمِ حُنَينَ، حَيْثُ قَسَّمَها صلى الله عليه وسلم فِي المؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصارَ شَيْئًا، فَحَزِنُوا فِي أَنْفُسِهِمْ. فَطَلَبَ صلى الله عليه وسلم مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ أَنْ يَجْمَعَهُمْ، فَخَطَبَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ، وَكانَ مِمَّا قالَهُ صلى الله عليه وسلم: «أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يا مَعْشَرَ الْأَنْصارِ، فِي لُعاعَةٍ مِنَ الدُّنْيا، تَألَّفْتُ بِها قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ؟ أَفَلا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الْأَنْصارِ، أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصارَ، وَأَبْناءَ الْأَنْصارِ، وَأَبْناءَ أَبْناءِ الْأَنْصارِ!» فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحاهُمْ، وَقالُوا: رَضِينا بِرَسُولِ اللهِ قَسْمًا وَحَظًّا”. أخرجه أحمد بسند حسن.
نَسْأَلُ اللهُ عز وجل أَنْ يَرْزُقَنا وَإِيَّاكُمْ هَذِهِ الْعِبادَةَ الْعَظِيمَةَ الْجَلِيلَةَ، الَّتِي تَرْفَعُ الْعَبْدَ فِي دُنْياهُ وَأُخْراهُ، وَفِيها مِنَ الْإِيثارِ وَحُبِّ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ، وَمِمَّا تَأَصَّلَ مِنْ أَخْلاقِ المؤْمِنِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبٌّ لِنَفْسِهِ، نَسْأَلُ اللهَ جَلَّ وَعَلا أَنْ يُوَفِّقَنا وَإِيَّاكُمْ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنْ يَمْنَعَ عَنَّا وَعَنْكُمْ كُلَّ شَرٍّ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْداءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.