29 رجب, 1447
حُقُوقُ كِبارِ السّنِّ 13/3/1447هـ
﴿الخطبة الأولى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءًۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] أَمَّا بَعْدُ .. أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: سُبْحانَ مَنْ جَعَلَ الْإِنْسانَ فِي مُبْتَدَأِ عُمُرِهِ ضَعِيفًا عاجْزًا، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ وَالِدَيْهِ وَمِمَّنْ حَوْلَهُ مَنْ يَرْعاهُ وَيُرَبِّيهِ، ثُمَّ أَمَدَّهُ بَعْدَ الضَّعْفِ بِالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، حَتَّى صارَ جَلْدًا قَوِيًّا، ثُمَّ رَدَّهُ نِهايَةَ عُمُرِهِ ضَعِيفًا عاجِزًا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ كانَ بِهِ حَلِيمًا رَحِيمًا لَطِيفًا، يَقُولُ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [النحل: 18]، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنا أَنْ أَنْشَأَنا فِي أَكْنافِ أَهْلٍ مُسْلِمِينَ، وَسَخَّرَ لَنا مِمَّنَ حَوْلَنا مَنْ يَرْعانا وَيُرَبِّينا، فَالْحَمْدُ للهِ أَوَّلًا، ثُمَّ الشُّكْرُ لِمَنْ أَفْنَوْا أَعْمارَهُمْ فِي تَرْبِيَتِنا وَرِعايَتِنا، جَزاهُمُ اللهُ عَنَّا خَيْرَ الْجَزاءِ، هُمُ الْآنَ كِبارُ السِّنِّ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقارِبِ، زِيْنَةُ بُيُوتِنا، وَنُورُ مَجالِسِنا، وَبَرَكَةُ حَياتِنا، وَهُمْ خِيارُنا؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيارِكُمْ؟. قالُوا: بَلَى يا رَسُولَ اللهِ! قالَ : أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلاقًا» [صححه الألباني]؛ فَمَعْرِفَةُ حَقِّهِمْ وَاجِبٌ عَلَيْنا؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنا، فَلَيْسَ مِنَّا» [رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني]، كِبارُ السِّنِّ مَحَلُّ رَحْمَةِ اللهِ وَلُطْفِهِ؛ فَهَا هُوَ نَبِيُّ اللهِ زَكَرِيّا عليه السلام يُظْهِرُ الِافْتِقارَ إِلَى رَبِّهِ وَيَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ سُبْحانَهُ بِدُعاءٍ خَفِيٍّ خالٍ مِنَ الرِّياءِ، يَتَوَدَّدُ إِلَيْهِ بِذِكْرِ حالِهِ مِنَ الضَّعْفِ وَوَهَنِ الْقِوَى، فَيَتَبَرَّأُ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ؛ فَاسْتَجابَ لَهُ مَنْ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّماءِ، قالَ تَعالَى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا *إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا *قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 2 – 4].
عِبادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ حَقِّ كِبارِ السِّنِّ عَلَيْنا الْبِرَّ وَالْإِحْسانَ إِلَيْهِمْ، وَرِعايَةَ حُقُوقِهِمْ، وَالْقِيامَ بِواجِباتِهِمْ، وَتَعاهُدَ مُشْكِلاتِهِمْ، وَالسَّعْيَ فِي إِزالَةِ الْمُكَدِّراتِ وَالْهُمُومِ عَنْ حَياتِهِمْ، وَإِيثارَهُمْ بِالمقاعِدِ فِي أَماكِنِ الِانْتِظارِ فِي صالاتِ المطارِ أَوِ المسْتَشْفَياتِ وَنَحْوِها؛ وَتَقْدِيمِهِمْ فِي المجالِسِ وَالْحَدِيثِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِشابٍّ أَرادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي حَضْرَةِ كِبارِ السِّنِّ: «كَبِّرْ، كَبِّرْ» [رواه البخاري]؛ لِذَا كانَ شَبابُ الصَّحابَةِ لا يَتَكَلَّمُونَ فِي حَضْرَةِ كِبارِهِمْ، وَمِنْ حَقِّهِمْ عَلَيْنا إِفْساحُ الطَّرِيقِ لَهُمْ، وَتَقْدِيمُ الْعَونِ وَالْخِدْمَةِ لَهُمْ فِي الْأَماكِنِ الْعامَّةِ، وَأَنْ يُقَدَّمُوا فِي إِمامَةِ المصَلِّينَ إِذَا تَساوَوْا مَعَ غَيْرِهِمْ فِي التِّلاوَةِ، وَأَنْ تُراعَى حالَتُهُمْ إِنْ كانُوا مَأْمُومِينَ، فَلَا يُؤْذِيهِمُ الْإِمامُ بِتَطْوِيلٍ فِي صَلاتِهِ أَوْ عَجَلَةٍ زائِدَةٍ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنَّ مِنهمُ الضَّعِيفَ والسَّقِيمَ والكَبِيرَ، وإذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شَاءَ» [متفق عليه]، وَمِنْ حَقِّهِمْ أَنْ نُساعِدَهُمْ عِنْدَ قَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ حَمْلِ المتاعِ، وَإِذَا لَقِيناهُمْ أَنْ نَبْدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ؛ احْتِرَامًا وَتَقْدِيرًا لَهُمْ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» [رواه البخاري]. وأَنْ نُنادِيَهُمْ بِأَلْطَفِ خِطابٍ، ونُخاطِبَهُم بِـمِثْلِ “يَا عَمِّ” وَغَيْرِها مِنَ الْخِطابَاتِ الَّتِي تَرْفَعُ مِنْ قَدْرِهِم وَمَنْزِلَتِهِم، وَمِنْ حَقِّهِمُ الدُّعاءُ لَهُم بِكُلِّ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ وَطُولِ عُمُرٍ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَقَدْ حَثَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَبْنَاءَ عَلَى الدُّعَاءِ لِوَالِدِيْهِمْ فِي الْحَياةِ وَبَعْدَ المماتِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:24]، فَالْقِيامُ بِحَقِّ كِبارِ السِّنِّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ التَّيْسِيرِ وَالْبَرَكَةِ، وَانْصِرافِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ عَنِ الْعَبْدِ، وَسَبَبٌ لِلْخَيْراتِ وَالْبَرَكاتِ عَلَيْهِ فِي دُنْياهُ وَعُقْباهُ؛ فَهُمْ بَرَكَةُ الْبُيُوتِ وَأَنْوَارُهَا، وَهَيْبَتُهَا وَوَقَارُهَا؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ» [صحيح الجامع].
عِبادَ اللهِ: لَيْسَ الِاهْتِمامُ بِكِبارِ السِّنِّ وَالضُّعَفاءِ وَالْعَجَزَةِ قَناعَةً فَرْدِيَّةً، تَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيارِنا، بَلْ هُوَ عَقِيدَةٌ وَدِيانَةٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ اجْتِماعِيَّةٌ تَتَحَمَّلُها الْأُسْرَةُ وَالمجْتَمَعُ بِكُلِّ أَطْيافِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْنا جَمِيعًا تَلْبِيَةُ احْتِياجاتِ كِبارِ السِّنِّ وَالْعَجَزَةِ، وَالْعِنايَةُ بِهِمْ صِحِّيًّا وَجَسَدِيًّا وَنَفْسِيًّا، فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُعانُونَ نَفْسِيًّا وَجَسَدِيًّا بِسَبِبِ الْكِبَرِ وَذَهابِ الْعُمُرِ.
إِذَا اصْفَرَّ لَوْنُ الْمَرْءِ وَابْيَضَّ شَعْرُهُ تَنَغَّــــصَ مِنْ أَيّامِــهِ مُسْتَطابُـهَا
فَعَلَيْنَا أَنْ نُرَاعِيَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ اهْتَمُّوا بِنَا وَنَحْنُ صِغارٌ، قالَ تَعالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانِ﴾ [الرحمن: 60].
عِبادَ اللهِ: إِنَّ رِعَايَةَ المسِنِّينَ فِي الْإِسْلَامِ نَمُوذَجٌ أَمْثَلُ لِلتَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، فَقِيَمُنَا قِيَمٌ إِسْلامِيَّةٌ أَصِيْلَةٌ، تَرْحَمُ الضَّعِيفَ وَالصَّغِيرَ، وَتُوَقِّرُ الْكَبِيرَ، وَتَحْتَرِمُ الْعَالِمَ وَالسُّلْطَانَ؛ فَالْإِسْلَامُ لَا يَرْضَى لِلْإِنْسانِ إِلَّا أَنْ يَحْيَا كَرِيمًا عَزِيزًا مُوَقَّرًا، وَقِيَمُ غَيْرِنَا قِيَمٌ تُخالِفُ فِطْرَتَنا وَشَرْعَ رَبِّنا، وَتَتَفَكَّكَ فِيها الأُسَرُ، جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُهُ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، لِيُسْلِمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ: «لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ لَأَتَيْنَاهُ» [صحيح على شرط مسلم]. فَالشَّرِيعَةُ تُرَغِّبُ الْأَوْلادَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَحِفْظِ حُقُوقِهِمَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَا يَدْعُوَانِهِ إِلَى الْكُفْرِ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ ﵟتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفًاۖ﴾ [لقمان:15]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ» [متفق عليه].
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ كِبارَ السِّنِّ فِي الْبُيُوتِ مَصْدَرُ السَّعادةِ وَالسُّرورِ، وَهُمْ بَيْنَنا أَعْمِدَةُ الْحِكْمَةِ وَالنُّورِ، فَكَمْ مِنْ نَصْرٍ وَرِزْقٍ جاءَ مِنْ دُعائِهِمْ وَصَلاتِهِمْ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «هلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلَّا بضُعَفَائِكُمْ؟!» [أخرجه البخاري]، فَهُمْ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَمْلِكُونَ صَوابَ الرَّأْيِ وَالْحِكْمَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْنا جَمِيعًا الِانْتِفاعَ بِهَذا الْكَنْزِ قَبْلَ رَحِيلِهِ، خاصَّةً الشَّبابَ وَالنَّاشِئَةَ، فَلْيُكْثِرُوا مِنْ مُجالَسَةِ كِبارِ السِّنِّ، لِلِاسْتِماعِ إِلَى نَصائِحِهِمْ وَالِانْتِفاعِ بدينهم، وَخِبْرَاتِهِمْ فِي الْحَياةِ، فَلَنْ تَجِدَ أَكْثَرَ نَفْعًا لِكَ مِنْ شَخْصٍ يُقَدِّمُ لَكَ خِبْرَةَ عَشْراتِ السِّنِينَ، مِمَّا قَدْ لا تُتِيحُهُ لَكَ شَهاداتٌ عِلْمِيَّةٌ أَوْ دَوْراتٌ تَدْرِيبِيَّةٌ.
أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَا.. وَأَستَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ الّذِي يُحِبُّ أَهْلَ الْبِرِّ وَالْإِحْسانِ، وَالصّلاةُ وَالسّلامُ عَلَى سَيِّدِ المحْسِنينَ وَإِمامِ المتّقِينَ.. أَمّا بَعْدُ
في بَعْضِ الْبُيُوتِ تَجِدُ ذَلِكَ الرَّجُلَ المسْكِينَ، مُنْطَوِيًا لا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، قَدْ قَضَى سَنَواتِ عُمُرِهِ في خِدْمَةِ أَفْرادِ أُسْرَتِهِ، نَسِيَ أُمْنِياتِهِ وَمُسْتَقْبَلَهُ؛ لِيُحَقِّقَ لَهُمْ أُمْنِياتِهِمْ وَمُسْتَقَبَلَهُمْ، لَمْ يَطْلُبْ مِنْ أَحَدِهِمْ مُساعَدَةً، بَلْ تَحَمّلَ أَعْباءَ الْأُسْرَةِ صابِرًا، لم يُثْنِهِ وَهَجُ الشّمْسِ وَلا بَرْدُ الشّتاءِ وَلا ضُغُوطُ الْعَمَلِ عَنْ هَدَفِهِ، كَثِيرًا ما اقْتَرَضَ لِتَنْعَمَ أُسْرَتُهُ بِأُمْنِياتِها، تَتَّجِهُ الْأَنْظارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُلِمّاتِ، إِذَا أَصابَ أَحَدَهُمْ تَعَبٌ وَلَو خَفِيفًا جَرَى بِهِ إِلَى المسْتَشْفَى فِي أَيِّ ساعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أو نهارٍ، عَمَلُهُ الدَّؤُوبُ وَقَلَقُهُ الدّائِمُ وَتَطَلُّعاتُهُ وَأَحْلامُهُ، كُلُّ ذَلِكَ لم يَكُنْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ، بَلْ مِنْ أَجْلِكُمْ، لا يَهْتَمُّ لصِحَّتِهِ وَلا يَأْبَهُ لِضُغُوطِهِ النَّفْسِيَّةِ وَلا خُسارَاتِهِ المادِيَّةِ، وَلا لِتَسَرُّبِ أَيَّامِ عُمُرِهِ، قد باعَ نَفْسَهُ لِيَشْتَرِيَكُمْ، يَقِفُ بَعْدَ اللهِ حارِسًا لَكُمْ وَلِراحَتِكُمْ وَأَحْلامِكُمْ، سَعِيدًا بِكُمْ وَهُوَ المحَمَّلُ بِالهُمُومِ، قَوِيًّا بِكُمْ وَهُوَ الْمُنْهَكُ بِالْأَمْراضِ، قَدْ دَفَنَ أَحْلامَ نَفْسِهِ لِتُولَدَ أَحْلامُكُمْ، يَظَلُّ وَفِيًّا عَلَى هَذا إِلَى أَنْ يَذْبُلَ شَبابُهُ، وَتَنْهارَ قِواهُ، وَتَهُدَّهُ الْأَمْراضُ، وَتُقْعِدَهُ الشّدائِدُ، وَتَقْصِمَ ظَهْرَهُ الْأَحْمالُ، إِنَّهُ الْأَبُ أَوْسَطُ أَبْوابِ الجَنَّةِ، أَبَعْدَ هَذا يَأْتِي شابٌّ لَحْمُهُ وَعَمَلُهُ وَبَيْتُهُ مِنْ تَعَبِ أَبِيهِ لِيَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ؟! وَذاكَ لم يَتَّصِلْ وَلَو بِرِسالَةٍ، رُغْمَ كَثْرَةِ تَواصُلِهِ مَعَ أَصْدِقائِهِ، وَتِلْكَ تُخاصِمُهُ لِأَنَّهُ لم يُحَقِّقْ لها رَغْبَتَها في اقْتِناءِ الْغالِي وَالثَّمِينِ لِتَتَفاخَرَ بِهِ أَمامَ صَدِيقاتِها؟ وَهَؤُلاءِ الْأَبْناءُ يَقِفُونَ في صَفِّ أُمِّهِمْ عِنْدَ خِصامِها مَعَ أَبِيهِمْ، وَيَرْفَعُونَ عَلَيْهِ قَضِيَّةَ نَفَقَةٍ! أَيُّها الأَبْناءُ أَبُوكُمْ سَبَبُ وُجُودِكُمْ في الحَياةِ، وَقَدْ نَسَجَ لَكُمْ مِنْ عُمُرِهِ وَعَرَقِهِ عِزًّا وَكَيانًا، فَأَطِيعُوا أَمْرَ رَبِّكُمْ في وَالِدِيكُمْ، وَاتَّبِعُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ في الْبِرِّ بِهِمْ، أَيُّها الأبْناءُ إِنَّ أَباكُمْ بِحاجَةٍ إِلَى بَعْضِ الحنانِ، والكَلامِ الطَّيِّبِ، وَبَعْضِ الرِّعايَةِ والدَّواءِ، ولا تُحْزِنُوا قَلْبَهُ بِمشاكِلِكُمْ، فَمَا زالَ قَلْبُهُ يَنْبِضُ بِحُبِّكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالْعُقُوقَ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ الذّنُوبٍ يُؤَخِّرُ اللهُ مِنْها ما شاءَ إِلَى يَومِ القيامةِ إلَّا عُقُوقَ الوالِدَينِ، يُعَجِّلُ لِصاحِبِها في الدُّنيا قَبْلَ الموْتِ» [أخرجه أبو داود: 4902، والترمذي: 2511، وابن ماجه: 4211، وأحمد: 20374 بمعناه، والبخاري في الأدب المفرد: 591] وقال صلى الله عليه وسلم: «بِرُّوا آباءَكُمْ تَبَرُّكُمْ أَبْناؤُكُمْ» [المناوي: 3/200، قال المنذري: إسناده حسن] إِنَّ الْبِرَّ بِالْوالِدَين يَجْعَلُكُمْ مُسْتَجابِي الدُّعاءِ، وَما حَدِيثُ الثَّلاثَةِ الّذِينَ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ عَنْكُمْ بِبَعِيدٍ، فَقَدْ تَوَسَّلَ أَحَدُهُمْ بِبِرِّهِ بِوالِدَيْهِ فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ وَخَرَجُوا لِلْحَياةِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا تَقْصِيرَنا في حَقِّ والِدِينا.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.