17 جمادي أول, 1448

الْمُؤْمِنُونَ صِفاتُهُمْ وَثَوابُهُمْ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ربِّ العالمين، الرّحمنِ الرّحيم، مَلكِ يومِ الدِّين، جَعَلَ الإِيمَانَ أَسَاسَ قَبُولِ الطَّاعَاتِ، وَوَعَدَ أَهْلَهُ بِالرِّفْعَةِ وَأَعْظَمِ الدَّرَجَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الأَتْقِيَاءِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الجَزَاءِ، أَمَّا بَعْدُ.. عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ فَتَقْوَى اللَّهِ هِيَ مَلَاذُ الْمُتَّقِينَ، وَمِفْتَاحُ تَوْفِيقِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ: إِنَّ أَغْلَى مَا يَمْلِكُهُ الإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ هُوَ الإِيمَانُ؛ فَهُوَ أَصْلُ السَّعادَةِ وَالنَّجاةِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَلَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ بِاللِّسَانِ، وَلَا حِلْيَةً يُتَجَمَّلُ بِهَا بَيْنَ الأَنَامِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ عَمِيقَةٌ، عَرَّفَهُ الْعُلَماءُ: تَصْدِيقٌ بِالجَنَانِ -أَيْ القَلْبِ-، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ -أَيْ الجَوَارِحِ. فَالقَلْبُ يَعْتَقِدُ، وَاللِّسَانُ يَنْطِقُ، وَالجَوَارِحُ تَنْقَادُ بِالطَّاعَةِ.

الإِيمَانُ شَجَرَةٌ حَيَّةٌ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالـمَعْصِيَةِ، وَأَهْلُهُ مُتَفاوتونَ في الْيَقِينِ، وَالْإِخْلاصِ، وَالْعَمَلِ، كُلَّما ازْدادَ الْعَبْدُ طاعَةً قَوِيَ إِيمانُهُ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، اِحْرِصْ عَلَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلا تَعْجَزْ».[رواه مسلم]، وَالْإِيمانُ يَقْوَى وَيَزِيدُ بِتَدَبُّرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَداءِ الْفَرائِضِ وَالمحافَظَةِ عَلَيْها، وَمُجاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى تَرْكِ الذُّنُوبِ وَالمعاصِي.

وَالذُّنُوبُ تُضْعِفُ الْإِيمانَ، وَتَسْلُبُ عَنِ العَبْدِ صِفَةَ الإِيمَانِ الكَامِلِ، فَالـمَعْصِيَةُ تَنْكُتُ فِي الْقَلْبِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، حَتَّى يَضْعُفَ نُورُ إِيمَانِهِ؛ وَلِذَلِكَ قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[متفق عليه]، فَالمؤْمِنُ إِذَا ارْتَكَبَ الكَبَائِرَ، لا يُنْزَعُ عَنْهُ الْإِيمانُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلا يَظَلُّ كَامِلَ الإِيمَانِ، بَلْ يَبْقَى مُؤْمِنًا نَاقِصَ الإِيمَانِ، وَلا يَذْهَبُ الْإِيمَانُ عَنِ الْعَبْدِ بِالْكُلِّيَّةِ إِلّا بِالشِّرْكِ الأَكْبَرِ، وَالكُفْرِ بِمَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ: كَأَنْ يَجْحَدَ رُبُوبِيَّةَ اللهِ أَوْ أُلُوهِيَّتَهُ، أَوْ يُنْكِرَ واجِبًا كَالصَّلاةِ، أَوْ يَسْتَحِلَّ الْحَرامَ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ الإِسْلَامَ بِلِسَانِهِ، وَيُبْطِنَ الكُفْرَ، أَوْ يَبْغَضَ الدِّينَ بِقَلْبِهِ؛ أَوْ أَنْ يَتْرُكَ أَعْمَالَ الجَوَارِحِ بِالـكُلِّيَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، فَيَعِيشَ عُمْرَهُ كُلَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلهِ سَجْدَةً، وَلَا يَعْمَلُ أَيَّ عَمَلٍ صَالِحٍ.

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: لأَجْلِ هَذِهِ الـمَكَانَةِ العَالِيَةِ لِلإِيمَانِ، أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَطْلَعِ سُورَةِ الأَنْفَالِ مِيزَانًا دَقِيقًا، يَزِنُ بِهِ المؤْمِنُونَ أَنْفُسَهُمْ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ۝ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:2–4]. فبَدَأَتِ الْآياتُ الْكَريمَةُ بِالْحَصْرِ وَالْإِثْباتِ، إِثْباتِ كَمالِ الْإِيمانِ وَحَقِيقَتِهِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وَنَفْيِ كَمالِ الْإِيمانِ عَمَّنْ عَداهُمْ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ رُزِقَ فَهْمًا وَتَدَبُّرًا وَحِفْظًا وَعَمَلًا وَاسْتِشْفاءً بِكِتابِ اللهِ؛ فَإِنَّ هَذا الْقُرْآنَ شِفاءٌ وَعِلاجٌ، وَهِدايَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَصَلاحٌ لِلْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ، وَفَلاحٌ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:89]. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» إنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النّاسِ «قالوا: مَنْ هُمْ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ:» أَهْلُ الْقُرْآنِ، هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ« [رواه النسائي وابن ماجه]، وَقَدْ جَمَعَ اللهُ سُبْحانَهُ وَتَعالَى في هَذِهِ الْآياتِ الْعَظِيمَةِ خَمْسَ صِفاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، تَجْمَعُ صَلاحَ الْقَلْبِ، وَاسْتِقامَةِ الْجَوارِحِ، وَأَداءِ حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبادِهِ، فَالْإِيمانُ الْكامِلُ يَقْتَضِي صَلاحَ الْباطِنِ وَالظّاهِرِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ أَوَّلَ صِفاتِ المؤْمِنِينَ حَقًّا ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أَيْ خَافَتْ وَتَأَثَّرَتْ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ، خَوْفَ إِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ، خَوْفًا يَحْمِلُهُمْ عَلَى الطّاعَةِ، وَيَحْجِزُهُمْ عَنِ الـمَحَارِمِ، عَدَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السَبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ: «…وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [متفق عليه]، الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: زِيَادَةُ الإِيمَانِ بِسَمَاعِ القُرْآنِ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ»، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ [متفق عليه]، وَثالِثُ الصِّفاتِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أَيْ لَا يَعْتَمِدُونَ فِي جَلْبِ الـمَصَالِحِ وَدَفْعِ الـمَضَارِّ إِلَّا عَلَيْهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، مَعَ أَخْذِهِمْ بِالأَسْبَابِ. قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» [رواه مسلم]، وَرَابِعُ الصِّفاتِ لِاكْتِمالِ الْإِيمانِ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، فَإِقَامَةُ الصَّلاةِ تَعْنِي المحافَظَةَ عَلَيْها، وَأَداءَها بِشُروطِها وَأَرْكانِها وَواجِباتِها، مَعَ الْخُشوعِ وَحُضورِ الْقَلْبِ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ صِفاتِ المؤْمِنينَ، وَمِنْ أَبْرَزِ آثارِ صَلاحِ الْقَلْبِ، ثُمَّ تَأْتِي الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ والْأَخِيرَةُ: إِنْفَاقُ المالِ بَذْلًا وَعَطَاءً: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وَيَشْمَلُ الزَّكَاةَ الـمَفْرُوضَةَ وَصَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ، بِطِيبِ نَفْسٍ وَاحْتِسابٍ، مَعَ اجْتِنابِ الْإِسْرافِ وَالْمَنِّ وَالْأَذَى، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان:9]. وَقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».[متفق عليه]، وَالمؤمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ خالِصًا للهِ تَعالَى، وَلا يَشْغَلُهُ مالُهُ عَنْ عِبادَةِ مَوْلاهُ.

عِبَادَ اللَّهِ: صَلاحُ الْقَلْبِ أَصْلُ صَلاحِ الْعَمَلِ، وَكُلَّما ازْدادَ الْقَلْبُ إِيمانًا، ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ عَلَى الْجَوارِحِ؛ وَلِهَذا جاءَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ الْأُولَى مُتَعَلِّقَةً بِالْقَلْبِ، لِأَنَّ الْقَلْبَ يَحْتاجُ إِلَى تَعَهُّدٍ دائِمٍ، وَمُجاهَدَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، وَمُحاسَبَةٍ صادِقَةٍ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَها عَمَلُ الْجَوارِحِ، وَلا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الصِّفاتُ إِلّا بِتَوْفِيقِ اللهِ وَإِعانَتِهِ، قالَ تَعالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فَالْعِبادَةُ وَالِاسْتِعانَةُ، وَالْعَمَلُ وَالتَّوَكُّلُ تَوْفِيقٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ، أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَسَلُوهُ سُبْحانَهُ أَنْ يَزِيدَكُمْ إيمانا صادقا، وَيقينًا خالصًا، وعلمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا.

عِبادَ اللهِ: طُوبَى لِمَنْ رُزِقَ هَذِهِ الصِّفاتِ الْخَمْسِ، فَيَنْبَغِي لَنا أَنْ نَعْرِضَ أَنْفُسَنَا عَلَى هَذِهِ الآيَاتِ، وَلْنَسْأَلْ أَنْفُسَنَا: كَيْفَ حَالُ قُلُوبِنَا عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ؟ وَكَيْفَ تَأَثُّرُنَا عِنْدَ سَمَاعِ القُرْآنِ؟ وَكَيْفَ حَالُ صَلَاتِنَا وَإِنْفَاقِنَا؟ لِنَجْتَهِدَ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِنَنَالَ ذَلِكَ الثَّوَابَ العَظِيمَ، فَقَدْ جَمَعَ اللهُ لِمَنْ تَحَقَّقَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ مِنَ الْمِنَنِ وَالْمِنَحِ وَالْأُعْطِياتِ، تَكُونُ بِها السَّعادَةُ الْأَبَدِيَّةُ، قالَ تَعالَى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: مَنَازِلُ عَالِيَةٌ فِي الجَنَّةِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ‌رِجَالٌ ‌آمَنُوا ‌بِاللَّهِ ‌وَصَدَّقُوا ‌المُرْسَلِينَ» [متفق عليه]، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: تَمْحُو كُلَّ ذُنُوبِهِمْ، وَتَسْتُرُ عُيُوبَهُمْ، فَإِنَّ العَبْدَ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللهِ وَمَغْفِرَتِهِ، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: وَهُوَ نَعِيمُ الجَنَّةِ الـمُقِيمِ، الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَنْفَدُ، رِزْقٌ طَيِّبٌ لَا كَدَرَ فِيهِ وَلَا مَنَّ، قالَ اللهُ تَعالَى في الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» [متفق عليه].

اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنا الْإِيمانَ، وَزِيِّنْهُ فِي قُلُوبِنا، وَكَرِّهْ إِلَيْنا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الـمُؤْمِنِينَ حَقًّا، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرْتَ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُكَ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، وَعَلَيْكَ وَحْدَكَ يَتَوَكَّلُونَ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَوَفِّقْنَا لِلإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ يَامَنْ لَا تَضِيعُ وَدائِعُهُ، إِنَّا نَسْتَوْدِعُكَ جُنُودَنَا اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ بَرًّا وَبَحْرًا وَجَوًّا، اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُمْ وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَثَبِّتْ أَقْدامَهُمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ الَّذِي لا يُرامُ، وَاحْرُسْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ يَا قَوِيُّ يا عَزِيزُ. اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَاجْعَلْ طُمَأْنِينَتَنَا حِصْنًا لَنَا وَلِمُجْتَمَعِنَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا أَوْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَأَمْنَنَا وَاسْتِقْرَارَنَا بِسُوءٍ فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسُمُوَّ وَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ – حَفِظَهُمَا اللَّهُ –اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللهم آمين آمين.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَاالنوم تَصْنَعُونَ.